المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تنظيم الضباط الأحرار في مصر وحركة يوليو 1952م


Eng.Jordan
11-11-2012, 08:42 PM
احمد هاشم جواد
رئاسة جامعة بابل
مقدمة:
تعد حركة 1952م في مصر من الحركات العربية المهمة ضد الاستعمار البريطاني التي كان لها الأثر الكبير في الساحة العربية بصورة عامة وفي مصر خاصة. اذ كانت النتيجة الحتمية للفساد الذي استشرى في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين وللسياسة العقيمة التي كانت تمارس في البلاد إثناء تلك الفترة. إذ كانت السياسة المتبعة من النظام القائم آنذاك مجحفة بحق الشعب المصري واعتمدت الطبقية القائمة على أساس إن الملك وحاشيته ومن يدور في فلكهم هم الذين لهم الحق في الانتفاع من مقدرات الوطن وخيراته وحرمان الغالبية العظمى من الشعب من هذه الخيرات ,هذه الغالبية التي عانت دوما من الفقر والمرض والجهل والتخلف. إذ يقول عبد الناصر في ذلك :إن مجتمع مصر ما قبل الثورة كان مجتمع النصف بالمائة , أي إن نصفا بالمائة من عدد السكان كان يستغل الأغلبية الساحقة وكانت هذه النسبة الضئيلة تشمل الملك وإفراد أسرته وأصدقائه ورجال حاشيته , ثم كبار الإقطاعيين الذين يمتلكون ألاف الأفدنة , البرجوازية الصناعية ولاسيما التجارية , وكانت هاتان الفئتان تسيطران تماما على جميع الأحزاب. وان المستفيد الأول والأخير من هذه السياسة هو المستعمر ولو إن أموال النصف بالمائة كانت تنفق داخل البلاد ويعود نفعها على بعض الإفراد لهان الخطب وسهل الاحتمال, ولكنها كانت تنفق في الخارج وعلى من لايستحقها من أبناء الشعوب الأخرى. (1) لذلك تصاعد نضال الشعب العربي في مصر من خلال قيادة الطبقات التي أتيحت لها فرصة التعلم وإدراك الوضع السياسي المحلي والدولي للنضال ضد الانكليز وقد تمثل ذلك في رفض معاهدة 1936 لأنها أبقت الجيوش البريطانية في مصر.
وقد تقدمت الحكومة المصرية بالفعل بطلب تعديل المعاهدة عام 1942 م لكن الحكومة البريطانية رفضت ذلك بحجة أنها مشغولة بأمور الحرب العالمية الثانية. وبعد انتهاء الحرب وافقت بريطانيا للحكومة المصرية على عقد اتفاقية معها عرفت باتفاقية (صدقي- بيفن) ولكن الشعب المصري لم يجد في هذه الاتفاقية ما يحقق أمانيه في الحرية والاستقلال, مع بقاء معاهدة 1936. وعندما وقعت الحرب بين العرب والعصابات الصهيونية عام 1948 بعد الإعلان عن تأسيس الكيان الصهيوني على ارض فلسطين , دخلت مصر الحرب ولكن الملك فاروق لم يرسل إلى فلسطين أكثر من أربع فرق أي حوالي ثلاثة ألاف جندي وعلى رأسهم جميع الضباط الذين لم يكونوا موضع ثقة, فقد انتهز فرصة حرب فلسطين ليستفيد من صفقات الأسلحة التي مكنته من جمع ثروة هائلة. لقد اظهر الحكم في مصر عجزا كبيرا في إدارة الحرب وانكشف الفساد الذي كان مستشريا ومتفشيا في الدولة , وكان لموضوع الأسلحة الفاسدة التي سلمت للجيش خلال حرب فلسطين الأثر الكبير في إقدام الضباط الأحرار إلى التفكير الجدي للتخلص من نظام الحكم , خصوصا إن الحرب أخفقت في منع الصهاينة من إقامة كيانهم المفتعل.ووسط هذه الظروف المتردية والأوضاع الصعبة كان أسلوب الكفاح المسلح هو الطريق الذي اختطه الشعب المصري بالتنسيق مع البعض من ضباط الجيش والحكومة لإنهاء الوجود البريطاني في مصر. في وقت عجزت فيه القوى السياسية والاجتماعية البرجوازية القريبة من نظام الحكم عن تقديم بديل عن سوء الأوضاع العامة للبلد وتدهورها, إن لم تكن هي المشاركة في ذلك ,وجاءت حركة الجيش تلك لتقطع الطريق أمام ثورة حمراء تدخل البلاد ربما في دوامة الحرب الأهلية. ولأنها حركة عسكرية بحتة أطلق عليها اسم (حركة الجيش) في بداية الأمر ثم أطلق عليها بعد ذلك اسم (ثورة23 يوليو) فما هي هذه الحركة وما هي الأسباب والتطورات السياسية التي مهدت لها؟وكيف تشكل التنظيم الذي قام بها ؟ ومن هم قادته ؟ وما هي مميزاتهم وبمن تأثروا؟ وما هي أهداف التنظيم ؟ وكيف تسنى له أن يقود حركة الجيش وما هي الخطط الموضوعة لذلك ؟ هذا ما سنجيب عنه في هذا البحث.وقد تم تقسيم الموضوع إلى مبحثين , يتحدث الأول عن أسباب الحركة والتطورات السياسية الداخلية التي مهدت لها.والمبحث الثاني تحدث عن تطور تشكيل تنظيم الضباط الأحرار وقيامه بالحركة.
المبحث الأول :في أسبابها والتطورات السياسية في مصر التي مهدت لها.
1_ إلغاء معاهدة 1936م ورد الفعل البريطاني :a
لقد مهد تسلم حزب الوفد المصري للحكم بقيادة زعيمه مصطفى النحاس الذي أصبح رئيسا للوزراء عام 1950(2) لتحقيق بعض ما كان يصبوا له الشعب. فقد أعلن عن إلغاء معاهدة 1936 بعد فشل المفاوضات مع بريطانيا لتعديلها. وقد أدى ذلك إلى إلغاء جميع الامتيازات والإعفاءات التي كانت تتمتع بها القوات البريطانية الموجودة في مصر مثل إلغاء جميع الإعفاءات المالية التي تشمل الرسوم الجمركية على المهمات العسكرية والأسلحة والعتاد والمؤن , وكذلك الرسوم المستحقة على السفن التي تمر بالمياه المصرية لخدمة القوات البريطانية. كما امتنعت السكك الحديدية المصرية عن أداء أية خدمات للقوات البريطانية , أو نقل أي مهمات أو عتاد لها , ومنعت الحكومة المصرية دخول الرعايا البريطانيين عن البلاد , ما لم يكونوا حاصلين على تأشيرات دخول من السلطات القنصلية المصرية في البلاد التي قدموا منها , وأنهت تصاريح إقامة البريطانيين الذين يخدمون في القوات البريطانية.(3) وحاولت بريطانيا أن تساوم حكومة الوفد فاقترحت عليها الدخول في معاهدة دفاع مشترك رباعية تضم إلى جانب مصر, فرنسا وبريطانيا وتركيا ,على إن تقوم قوات مشتركة من الدول الأربع بحماية قناة السويس. ولكن مصر رفضت هذا الاقتراح.(4) كذلك فأن الوزارة طالبت بإخراج الانكليز من قناة السويس ففي 21 اكتوبر1951 اتخذ مجلس الوزراء بجلسته السرية مجموعة من القرارات تعبر عن جدية الحكومة في قرار إلغاء المعاهدة فقررت اتخاذ جميع السبل المؤدية إلى عدم تعاون العمال المصريين مع القوات البريطانية, وصرف أجور هؤلاء العمال ,وتوفير الإعمال البديلة لهم. كما قررت مقاومة القوات البريطانية أذا ما اجتازت منطقة القناة , مهما كانت النتائج , والدفاع عن القاهرة حتى النهاية(5). وهبت الجماهير المصرية تساند الوزارة في هذا المسعى, إذ طالب الشباب المصري بقطع جميع العلاقات مع بريطانيا ومقاطعتها , كما طالب الشعب بشن حرب عصابات ضد القوات البريطانية المرابطة في قناة السويس. أما موقف بريطانيا من ذلك فقد صرح وزير خارجية بريطانيا , إن بريطانيا ستقابل القوة بالقوة إذا اقتضى الأمر لبقاء قواتها في منطقة قناة السويس, وان الحكومة البريطانية لن تذعن لمحاولة مصر تمزيق المعاهدة. وأصدرت السفارة البريطانية في القاهرة مساء 8 أكتوبر عام 1951 بيانا أعلنت فيه إن إلغاء الحكومة المصرية للمعاهدة من جانبها وحدها , عمل غير قانوني ويخالف أحكام المعاهدة , وان الحكومة البريطانية تعتبرها سارية المفعول , وتعتزم التمسك بحقوقها بمقتضى هذه المعاهدة.(6) وقد قامت بريطانيا بتعزيز قواتها في منطقة القناة وزاد حجم تلك القوات حتى وصل إلى ثمانين ألف جندي. ووجدت بريطانيا نفسها في موقف صعب،وقررت أن تتخذ عددا من الإجراءات والتدابير لإجبار حكومة الوفد على التراجع عن موقفها،ووضعت ثلاث خطط لذلك:
الأولى : خطة للعمل السياسي والدبلوماسي لإحراج الحكومة.
والثانية : خطة عسكرية لاحتلال مدينة القاهرة , أو القيام بانقلاب عسكري يقوم به الملك بمساعدة الجيش.
والثالثة : خطة تخريبية لحرق القاهرة.(7)
وقد عرضت قضية مصر هذه في الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وقد انتقدت الولايات المتحدة تلك السياسة البريطانية تماشيا مع رغبتها في اخذ مواقع بريطانيا وفرنسا في منطقة الشرق الأوسط ولكي لا يكون ذلك مدعاة لخدمة الشيوعية في المنطقة.
2- العمليات الفدائية والمقاومة :
وبدأت بالفعل المقاومة في منطقة قناة السويس بشكل منظم وقد دعمت الوزارة الوفدية هذه المقاومة ونظمتها. وقد سيطرت على هذه الوزارة شخصية فؤاد سراج الدين (وزير الداخلية والمالية) وكذلك فقد اشرف على عمليات المقاومة وشارك في تنظيمها عدد من الضباط الوطنيين المتحمسين لفكرة إخراج القوات البريطانية من منطقة قناة السويس خاصة ومن مصر بصورة عامة. (8) وقد رفعت التنظيمات الوطنية على اختلاف اتجاهاتها لواء الكفاح المسلح , وشكلت كتائب التحرير التي شاركت فيها التنظيمات المختلفة (الإخوان المسلمون , الحزب الاشتراكي (مصر الفتاة) , الشيوعيون). وكانت الخسائر البريطانية نتيجة العمليات الفدائية فادحة , خاصة في الفترة الأولى , وكذلك فأن انسحاب العمال المصريين من العمل في معسكرات الانجليز أدى إلى وضع القوات البريطانية في منطقة القناة في حرج شديد. وحينما أعلنت الحكومة عن فتح مكاتب لتسجيل أسماء عمال المعسكرات الراغبين في ترك عملهم مساهمة في الكفاح الوطني سجل (91572) عاملا أسماءهم في الفترة من 16 أكتوبر 1951 وحتى 30 من نوفمبر 1951. كما توقف المتعهدون عن توريد الخضراوات واللحوم والمستلزمات الأخرى الضرورية لإعاشة (80) ألف جندي وضابط بريطاني.(9) وقد قامت وبتصريح من البوليس،كتائب الإخوان المسلمين المسلحة بالإشراف على جميع الطرق لمنع وصول المؤن إلى القاعدة العسكرية البريطانية في منطقة القناة. وكذلك تلقى الطلاب معونات من الحكومة وتدربوا على حمل السلاح الذي كان يشتريه وزير الداخلية.(10) وبدأت (العسكرتارية) البريطانية تفقد السيطرة على أعصابها , واخذ الجنود البريطانيون القلقون يطلقون الرصاص على كل شيء يتحرك،سواء كان سيارة نقل أم مجرد جنازة. حيث ازداد نشاط الفدائيين المصريين في القناة خصوصا في الليل وقد شهدت هذه العمليات سقوط الكثير من الحراس البريطانيين وكانت الحالة تنذر بقرب حصول شيء خطير إذ إن المظاهرات وإغلاق المدارس والجامعات واتحاد جميع الاتجاهات السياسية الموجودة في تلك الفترة تعبيرا عن بغضهم للمستعمر البريطاني. وقد أدى إصدار الحكومة نداءها إلى الشعب بالتدريب على حمل السلاح وبالحصول عليه على أن يدفع الغني بثمن السلاح إلى الفقير , إلى أن بلغ ذعر الانجليز درجة أوصلتهم أن يصرحوا علنا بأنهم سوف ينتقمون من الفدائيين بأسلحة لم يسبق استخدامها.(11) وقد كان رد فعل القوات البريطانية عنيفا إذ قامت هذه القوات وبتوجيه من قياداتها العليا بنسف قرية (كفر عبده) بعد معركة غير متكافئة بين تلك القوات من جهة والمقاومة وأهالي تلك القرية والبوليس السياسي الذي تلقى الأوامر بالدفاع عن القرية من قبل وزير الداخلية من جهة أخرى. وفي منطقة (زيتية شل) نشبت معركة بين المقاومة المصرية ورجال البوليس وبين القوات البريطانية في 3 ديسمبر ورغم محاصرة هذه القوات للمقاومين وإطلاق النار عليهم بصورة جنونية إلا إن المقاومين استطاعوا أن يقضوا على معظم الجنود وخصوصا قائدهم وعندما وصلت أنباء هذه الخسائر إلى القيادة البريطانية ,قرروا الانتقام بعنف وهنا تحرش الانكليز برجال البوليس في مدينة (الإسماعيلية) وأمرت القيادة البريطانية قوات النظام المصرية الموجودة في دار المحافظة بالجلاء عن هذا الدار. وأمر وزير الداخلية هذه القوات بالمقاومة وعدم الاستسلام. وفي يوم 25 يناير 1952 , أطلقت القوات البريطانية نيران مدافعها على ذلك الدار واستخدموا جميع أنواع الأسلحة الحديثة ونتيجة المقاومة العنيفة استشهد عدد كبير من جنود البوليس مالا يقل عددهم عن ثمانين جنديا فكانت مذبحة كبيرة , وسرعان ما انتشرت أخبار مذبحة (الإسماعيلية) عن طريق الإذاعة والصحافة, في المجتمع المصري. وأبلغت وزارة الخارجية المصرية ممثلي دول العالم المجتمعين وقتها في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بمذكرة عن هذه الفظائع. واستدعت مصر سفيرها في بريطانيا احتجاجا على تصرفات السلطات البريطانية في القناة. ونتيجة لهذا الحادث المروع والمعركة غير المتكافئة قرر مجلس الوزراء قطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا. وقد القي القبض على(80) بريطانيا من قبل القوات المصرية احتفظ بهم المصريون كرهائن. وقد أدت هذه المعركة إلى انتفاضة جماهيرية كبرى في مدينة القاهرة في اليوم التالي وهتفت بسقوط الملك فاروق.(12)
3-حريق القاهرة في 26 يناير 1952:
لقد قرر الملك إقالة الوزارة الوفدية وذلك بتدبير حريق كبير في القاهرة, مستخدما آخر خطة وضعتها بريطانيا لمواجهة هذه التطورات, وليتخلص من تلك الوزارة بعد أن تلصق بها تهمة تعصف بها وبالحزب الذي يسندها. ولكن الملك الذي اشتهر بالحيل والخدع لم يكن ليقوى أن يقوم بهذا العمل لوحده وبيده. فقد استغل مناسبة عيد ميلاد ابنه احمد فؤاد ليدعو جميع المسئولين في الدولة لمأدبة غداء ضخمة أقامها في قصره ولم ينس هذه المرة حتى ضباط الجيش والشرطة في هذه الدعوة وبينما كان الملك ومن حوله مشغولين بهذا الاحتفال , وبسبب أحداث اليوم الماضي 25 يناير في الإسماعيلية ساد البلاد موجة من الغضب , واحتشدت قوات بلوك النظام, الموجودة في منطقة القاهرة،لإظهار سخطهم على مذبحة الإسماعيلية , التي حدثت لإخوانهم الجنود،وتحركت هذه القوات في شبه مظاهرة , واتجهت إلى جامعة فؤاد , واجتمعوا بالطلبة هناك. ثم اتجه جميع الطلبة ورجال البوليس , في شكل مظاهرة , إلى مبنى مجلس الوزراء , ثم إلى قصر عابدين وكانت هذه المظاهرات تنذر بالخطر , وخاصة أنها بها جانبا كبيرا من رجال البوليس , المفروض فيهم حفظ الأمن والنظام , ولكن الاستياء كان قد بلغ مداه. وتجمع الأهالي حول هذا التجمهر , وزاد عددهم , وفلت النظام عندما بدءوا يتحركون صوب ميدان الأوبرا وفجأة في ميدان الأوبرا , وبعد انضمام كثير من عناصر المخربين إلى المتظاهرين , بدأ الاعتداء على الممتلكات , ومحطات الوقود , والمحلات التجارية،وأشعلت النار في كل شيء, في وسط البلد حتى عم النهب والسلب والتخريب وانتشرت الحرائق حتى وصلت إلى شارع الهرم , والى ساعة متأخرة من الليل. (13)
وقد تصاعدت نيران ما يزيد على (400) حريق صغير في سماء القاهرة مدمرة جزءا كبيرا من العاصمة مسببة خسائر مادية بلغ مقدارها (50) مليارا من الفرنكات القديمة.(14) وقد اندلع هذا الحريق في عدة منشآت في المدينة فخلال ساعات قلائل التهمت النار نحو (700) محل وسينما وكازينو وفندق وناد في شوارع وميادين وسط المدينة ففي الفترة مابين الساعة الثانية عشر والنصف ظهرا والساعة الحادية عشرة مساءا حدثت تلك الحرائق.
وقد أسفرت حوادث ذلك اليوم عن مقتل 26 شخصا وبلغ عدد المصابين بالحروق والكسور 552 شخصا, كما أدت إلى تشريد عدة ألاف من العاملين في المنشآت التي احترقت , وقد أجمعت المصادر الرسمية وشهود العيان على إن الحادث كان مدبرا وان المجموعات التي قامت بتنفيذه كانت على مستوى عال من التدريب والمهارة،فقد اتضح أنهم كانوا على معرفة جيدة بأسرع الوسائل لإشعال الحرائق , وإنهم كانوا على درجة عالية من الدقة والسرعة في تنفيذ العمليات التي كلفوا بها،كما كانوا يحملون معهم أدوات لفتح الأبواب المغلقة ومواقد استيلين لصهر الحواجز الصلبة على النوافذ والأبواب , وقد استخدموا نحو (30) سيارة لتنفيذ عملياتهم في وقت قياسي, كما إن اختيار التوقيت يعد دليلا آخر على مدى دقة التنظيم والتخطيط لتلك العمليات , فقد اختارت هذه العناصر بعد ظهر يوم السبت حيث تكون المكاتب والمحلات الكبرى مغلقة بمناسبة عطلة نهاية الأسبوع , وتكون دور السينما مغلقة.(15) وفلت زمام الأمور من يد وزير الداخلية (فؤاد سراج الدين) الذي حاول عبثا الاتصال بالملك تلفونيا لكن الملك كان مشغولا هذا اليوم بكرم ضيوفه ولم يأمر بنزول الجيش إلى الشوارع للسيطرة على الموقف إلا بعد فوات الأوان اذ انتشرت الحرائق إلى مناطق عديدة من القاهرة وحتى عند موافقته لنزول الجيش الى الشوارع كان القصد من ذلك هو ضرب الشعب بالجيش إلا إن (الضباط الأحرار) بفضل وعيهم السياسي منعوا حصول ذلك بإصدار نداءات للجيش تتعلق بالأمر. من المؤكد إن الذين خططوا لحريق القاهرة وباشروا تنفيذه هم الجهة الأكثر كسبا من هذا الحريق وهم الانكليز. أما أهداف الحريق , وهي التي تحققت بالفعل فمن السهل إيجازها فيما يلي :(16)
أولا : ضرب الحكومة الوفدية وإيجاد المبرر لذلك ألا وهو عدم قدرتها على السيطرة على الموقف وحماية أرواح وممتلكات المصريين والأجانب وليس هناك سبب أقوى من ذلك لإقالة أية وزارة.
ثانيا : وهو الأهم إخماد لحركة الوطنية ضد القاعدة البريطانية في منطقة القناة الذي تمثل في الكفاح المسلح من جانب الفدائيين المصريين (أو الإرهابيين كما يسميهم الانكليز) وهي الحركة التي اشتركت فيها بشكل بارز قوات البوليس المصري كما يضاف إلى ذلك انسحاب العمال المصريين من العمل في القاعدة البريطانية وإيقاف منع تموين القاعدة بما تحتاجه من مؤن ولوازم بمعنى أخر تصفية الحركة الوطنية المعادية للانكليز تماما وقد نجحوا في ذلك.
لقد اعد لحريق القاهرة إعدادا جيدا ولقد انتفعت بريطانيا من خلال هذه العملية بمنافع كثيرة منها :
1- إن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا لم ينفذ.
2- كذلك فأن الحكومة لم تتمكن من تنفيذ قرارها بالاحتفاظ برهائن.
3- وقد أدى الحريق أيضا إلى توقف نشاط الفدائيين.
4-الأهم من ذلك إن فؤاد سراج الدين قد انتهى سياسيا بعد إن بذل جميع ما بوسعه من أساليب لوقف تلك المأساة.
وليس أدل على تواطؤ الملك مع الاستخبارات البريطانية من هذا الحادث خاصة إذا ربطنا هذا الحدث مع مناسبة عيد ميلاد ابنه ودعوة جميع قادة الجيش والشرطة بهدف تجميدهم ومنع تدخلهم , والأدهى من ذلك هو إن وقت العزومة كان وقت غداء وليس كما اعتاد على ذلك في المناسبات وعندما ابلغ بالخبر لم يحرك ساكنا وظل يكرم ضيوفه. وفي نفس ليلة الحريق قدم (النحاس) رئيس الوزارة استقالته , ولكن الملك رفضها , واجتمع مجلس الوزراء , وقرر مواجهة الموقف بإعلان الإحكام العرفية في جميع أنحاء البلاد , ووقف الدراسة في المدارس والجامعات إلى اجل غير مسمى وتم تعيين (النحاس) حاكما عسكريا عاما في نفس الليلة , فأصدر قرارا بمنع التجول في القاهرة والجيزة من السادسة مساء حتى السادسة صباحا , واصدر أمرا عسكريا بمنع التجمهر،واعتبار كل تجمع مؤلف من خمسة اشخصا آو أكثر مهددا للسلم والنظام العام يعاقب من يشترك فيه بالحبس. (17)
4 -موقف الملك من هذه الإحداث:
لقد كان موقف الملك فاروق في هذه الفترة حرجا للغاية وأراد أن يضرب الشعب بالجيش أو الشرطة وان يلقي باللائمة على الحكومة الوفدية لكي يتخلص منها , هذه الحكومة التي كانت تمثل حزب الوفد صاحب القاعدة الشعبية العريضة آنذاك. وكانت الحادثة الأهم والأبرز التي صدمته وأثارت غضبه هي انتخابات اللجنة التنفيذية لقانون ضباط الجيش, فان المرشحين الذين يساندهم القصر حصلوا على 58 صوتا مقابل 278 لـ (محمد نجيب وزكريا محي الدين وحسن إبراهيم) أعضاء تنظيم الضباط الأحرار ولم يكن الملك يعلم بتنظيمهم هذا ولكنه لم يكن يثق إلا بنسبة قليلة من الضباط الذين ارتبطوا معه لمصالح شخصية انتهازية , فقام الملك بإلغاء الانتخابات, ولكن الذي يهم الضباط الأحرار هو أنهم أيقنوا وبصورة غير مباشرة إن غالبية الضباط في الجيش تساندهم فلا يوجد خوف على القيام بأي عمل وتحرك مسلح ضد الملك. وإمعانا منه في اهانة الشعب وخصوصا المقاومة وتحديا للضباط الأحرار والظهور بمظهر القادر على اتخاذ الإجراءات الحاسمة التي يراها كفيلة بمعالجة الموقف, قام الملك بتعيين (حافظ عفيفي) رئيسا للديوان الملكي, هذه الشخصية المعروفة بولائها القوي للانكليز. لقد أصيب الرأي العام المصري وضباط الجيش بوجوم من جراء هذا التعيين المفاجئ واعتبروه اهانة وتحدي لهم فقد كان ذلك يعني إقامة صلة ودية بين السراي والانكليز في وقت اشتدت فيه الحركة الوطنية ضد الاستعمار.(18) في وقت كان فيه الملك مشغولا بالتخلص من الوزارة الوفدية من خلال تدبيره حريق القاهرة.
المبحث الثاني :مراحل تشكل التنظيم وقيامه بحركة يوليو 1952 م :
إن كل تلك الأمور وتسارع الإحداث كانت تعجل للقيام بعمل ما وخاصة من قبل الجيش بعد إن ثبت إن الاستعمار الانكليزي بمخابراته النشطة والمعروف بالتجائه إلى مثل هذه الأساليب من حرق وقتل واتخاذها ذريعة لإحداث ثورة مضادة وإخماد الحركة الوطنية,هو المسئول عن ذلك, ومن المسلم به تماما إن مصر عاشت فترة الثورة المضادة القصيرة الأمد منذ 26 يناير حتى23يوليو 1952 وجدير بالذكر إن بيانات الضباط الأحرار عقب حريق القاهرة في 26 يناير كانت تتضمن في تحليلها إن الانكليز والمخابرات الانكليزية بصفة خاصة هي التي تقف وراء الحريق.(19) إذا كان لابد من التحرك على الملك والانكليز على حد سواء إذ إن القوى السياسية والاجتماعية في مصر في ذلك الحين كانت تتصف بالبرجوازية والعجز عن القيام بثورة أو حركة تغيير.(20) أي أن يكون تغييرا في سياسة النظام الحاكم وليس تغيير الحكومة فقط وكانت الجهة التي استطاعت القيام بذلك العمل هم تنظيم الضباط الأحرار وكان قد عرف الملك بأمر هؤلاء الضباط وتنظيمهم بعد تحديهم له في انتخابات نادي الضباط , وكان عليهم أن يسبقوه في التحرك , وان يضربوا ضربتهم , ويقوموا بالانقلاب , الذي كانوا يعدون أنفسهم له , قبل أن يعمل هو على تصفيتهم نهائيا من الجيش , وتضيع عليهم الفرصة. (21)
وينبغي إن نفرق في حديثنا عن الضباط الأحرار بين هذه التسمية التي تطلق على خط فكري عسكري يؤمن باستخدام القوة من اجل التدخل في السياسة والحكم تشكل وتكون عبر تفاعلات وتطورات اجتماعية وسياسية محلية وإقليمية ودولية , وبين حركة الضباط الأحرار التي أطلقت على الانقلاب العسكري والسيطرة على مقاليد الحكم في مصر عام 1952 فكثيرا ما يحدث الخلط من قبل الكتاب والمؤلفين عند الحديث عن هذا الموضوع. فلم يكن تشكيل الضباط الأحرار قد اخذ شكله التنظيمي دفعة واحدة خلال عقد الأربعينيات من القرن العشرين في الجيش المصري ولم تكن تظهر للعيان بصمات واحدة عبر مراحل تشكيله لكنها كانت أفكار ورؤى وطموحات ومحاولات جمعت أولئك الأفراد القلائل من الضباط الذين كانوا ينتمون إلى اتجاهات فكرية متعددة.لقد اجتذب تنظيم الضباط الأحرار إلى صفوفه حتى يوم الاستيلاء على السلطة مالا يزيد على مائة ضابط من صغار السن والرتبة , وكلهم تقريبا من أبناء الطبقة الوسطى الذين دخلوا الكلية الحربية في سنة 1936م وما بعدها , عندما اتبعت الكلية الحربية سياسات قبول أكثر تساهلا تطبيقا للمعاهدة البريطانية – المصرية في ذلك العام. وقد استطاع التنظيم أن يحقق نفوذا نسبيا في أوساط الأقلية من شباب الضباط من أبناء المهنيين،الموظفين المتوسطين, التجار, والعمد الذين أغضبتهم نتائج حرب 1948م , والذين كانت لهم أحلامهم الوطنية في خلق مصر الحرة المستقلة. وفي المقابل لم يستطع التنظيم أن يجند أي من الضباط الكبار المنتمين عقلا وروحا بطبيعة الحال إلى الطبقة الحاكمة فيما عدا اللواء محمد نجيب الذي مثل واجهة الاستيلاء للسلطة لا أكثر. (22)
وقد تعددت الروايات حول نشأة التنظيم وتناقضت فيما بينها تتناقضا واضحا. فلقد غابت المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية في مصر فترة جاوزت الخمسين عاما منذ الاحتلال البريطاني لمصر , حيث تم تصفية الجيش من الضباط العرابيين*, ثم غيب الجيش في السودان **, غير إن حركة الضباط بدأت تنشأ في أواخر الثلاثينيات من مجموعات من الضباط بأهداف عامة شائعة تمثل استجابة لروح العداء للاستعمار البريطاني فبدأت بلقاءات شباب الضباط في معسكرهم في (منقباد) بصعيد مصر عام 1938م , ومنهم جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي ثم ما لبث هؤلاء الضباط أن شكلوا حركتهم التنظيمية السياسية وأثروا الابتعاد عن الارتباط بالحركات الحزبية في المجتمع , وان انتمى بعض ضباط حركة الضباط الأحرار إلى تيارات سياسية وفكرية معينة , وتشكلت اللجنة لهم عام 1949م.(23) وتحدث أنور السادات عن تنظيم قام بمعرفته عام 1939م شاركه فيه عبد المنعم عبد الرءوف وعبد اللطيف بغدادي ووجيه أباظة وحسن إبراهيم واحمد سعودي وحسن عزت بالإضافة إلى خالد محي الدين. ولكن البغدادي يتحدث أيضا عن نفس هذه الأسماء التي وردت في تنظيم السادات, ويدعي أنها اللجنة التنفيذية للتنظيم الذي قام سنة 1940م بمعرفته , وان حسن عزت اقترح اسم الملازم أنور السادات لينظم إليه. ولكن البغدادي أوضح أهداف تنظيمه فقال انه كان إعاقة انسحاب الانكليز بالاتصال بالألمان وإرسال خرائط الحاميات العسكرية الانكليزية إليهم, وفي مذكراته يقول البغدادي معترفا بقصور الفهم وغياب الرؤية الصحيحة للواقع : ربما يكون هذا التفكير منا فيه سذاجة.. ولكن لا ينسى القارئ قلة خبرتنا بالسياسة في ذلك الحين.. ولم يكن عمر احد منا تعدى 22 عاما , كما لا ينسى أيضا إن الدافع لهذا التحرك منا كان الحماس الوطني مع اندفاع الشباب.. وكذا لم تكن صورة ألمانيا الهتلرية على حقيقتها واضحة لنا و يعترف البغدادي إن هذا التنظيم ليس هو تنظيم الضباط الأحرار , ويقرر إن تنظيم الضباط الأحرار سمي بهذا الاسم في نهاية عام 1949م. ويقرر خالد محي الدين إن إنشاء تنظيم الضباط الأحرار كان في نهاية سنة 1948م , ويقول إن نسبة كبيرة من أعضائه أصلا من الإخوان المسلمين بالإضافة إلى جماعة عزيز المصري والشيوعيون والوفد إلى جانب عناصر جديدة , وتكونت لجنته التأسيسية عام 1949م, ويتحدث محمد حسنين هيكل عن تنظيم الضباط الأحرار, معتبرا بدايته منذ عام 1949م ومغفلا أي فترة سابقة على هذا التاريخ. (24)
وتذكر الدكتورة هدى جمال عبد الناصر إن عام 1945م شهد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية حركة الضباط الأحرار وتنقل عن جمال عبد الناصر ما نصه: وقد ركزت حتى عام 1948 على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي , والذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافي للإقدام على التغيير اللازم. وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين نحاول أن نخرج مثلنا العليا في هدف مشترك وفي خطة مشتركة.(25) ويؤيد هذا الرأي كاتب الثورة واحد ضباطها احمد حمروش ويقول إن الفكرة نشأت مرتبطة بنضال الشعب المصري بعد الحرب العالمية الثانية من اجل تحرير مصر من الاحتلال البريطاني, وتشكل التنظيم عام 1948 بعد انتهاء حرب فلسطين وحرص جمال عبد الناصر رئيس اللجنة التنفيذية المنتخب لدورتين على أن يكون تنظيم الضباط الأحرار منفصلا عن أي تنظيمات سياسية أخرى , كانت قائمة في ذلك الوقت, وان يمثل كافة التيارات السياسية ليكون جبهة وطنية عسكرية مصرية.(26) كانت الفترة مابين 1945 و 1947 هي البداية الحقيقية لتكوين نواة تنظيم الضباط الأحرار , فقد كان معظم الضباط الذين أصبحوا فيما بعد (اللجنة التنفيذية للضباط الأحرار) يعملون في العديد من الوحدات القريبة من القاهرة , وكانت تربطهم علاقات قوية بزملائهم ,فيكسبوا من بينهم مؤيدين لهم. وفي صيف 1949 نضجت فكرة إنشاء تنظيم ثوري سري في الجيش،وتشكلت لجنه تأسيسية ضمت في بدايتها خمسة أعضاء فقط هم : جمال عبد الناصر, وكمال الدين حسين،وحسن أبراهيم , وخالد محي الدين،وعبد المنعم عبد الرءوف. ثم زيدت بعد ذلك إلى عشرة, بعد أن انظم إليها كل من : أنور السادات , وعبد الحكيم عامر , وعبد اللطيف البغدادي, وزكريا محي الدين, وجمال سالم. وظل خارج اللجنة كل من : ثروت عكاشة , وعلي صبري , ويوسف منصور صديق.(27)
وفي مقال نشر على موقع الإخوان اون لاين على شبكة الانترنيت يتناول بالعرض والتحليل دراسة للباحث الفرنسي توفيق كليمندوس تحت عنوان (النشاط السياسي للجيش المصري من1936 -1954م) يقيم هذا المقال ويفند القائلين بأن هذا التنظيم بدأ واخذ هذا الاسم عام 1948 م وان لجنته التأسيسية تكونت عام 1949م ويبرز دليل على ذلك من وثيقة تاريخية مؤكدة وهي العريضة التي أرسلت إلى القصر في ديسمبرسنة1941م باسم (الجنود الأحرار) تطالب بمنع ما يتعارض مع الإسلام وإلغاء معاهدة 1936م ومنح الجندي الحق في الامتناع عن أي عمل يناقض الشرع , ووزعت منشورات داخل وحدات الجيش بمضمون هذه العريضة التي وقعت باسم (الجنود الأحرار). ويذكر المقال رواية احد الضباط الأحرار وهو عبد المنعم عبد الرءوف (الذي انضم عبد الناصر وخالد محي الدين وحسين حمودة وغيرهم إلى التنظيم عن طريقه) إن اسم الضباط الأحرار كان من اقتراح الصاع (الرائد) محمود لبيب،وأطلق على تنظيم الإخوان بالجيش،ووقعت به المنشورات التي كانت تصدر عن التنظيم والتي بدأت سنة 1938م حينما نشطت صحيفة الإخوان (النذير) في مناقشة قضايا الجيش جنودا وضباطا،ومنذ ذلك التاريخ كان زعيم تنظيم الإخوان (حسن ألبنا) يتحدث عن الإسلام في الوحدات العسكرية في المناسبات الدينية. ويذكر المقال انه في عام 1944م كانت الأسرة الأولى من التنظيم مكونة من سبعة من الضباط وهم : عبد المنعم عبد الرءوف و جمال عبد الناصر و كمال الدين حسين و سعد حسن توفيق و خالد محي الدين وحسين محمد احمد حمودة و صلاح الدين خليفة.برئاسة الرائد محمود لبيب واتسع التنظيم بعد ذلك انشطاريا متخذا شكل الأسر الفرعية وأصبح (محمود لبيب) هو الشخص الوحيد في هذا التنظيم الذي يعرف جميع المشتركين فيه. ويورد المقال شهادات الضباط حول التأسيس والنشأة الاخوانية واهم تلك الشهادات هي التي تحدث بها جمال عبد الناصر نفسه ففي سلسلة مقالاته تحت عنوان (قصة الثورة من المهد إلى المجد)كتب حلمي سلام ذكريات عبد الناصر عن نشأة ومولد تنظيم الضباط الأحرار, قال عبد الناصر: كان يجمعنا وينظمنا المرحوم الصاع(الرائد) (م. ل). وهو مختصر اسم(محمود لبيب) الذي ترك الجيش عام 1936م برتبة صاغ لاختلافه مع مدير مصلحة خفر السواحل فطلب تسوية حالته فأحيل على التقاعد وفي عام 1938م انضم إلى (الإخوان المسلمين) المتوفي عام 1951م.(28)
وفي نفس السلسلة ذكر عبد الناصر انه في صيف 1944 م التقى بمحمود لبيب في جزيرة الشاي بحديقة الحيوان بالقاهرة , وانه تأثر بحديثه تأثرا عميقا حين حدثه عن ضرورة العقيدة وعن الهيئة (الإخوان المسلمون) , ولما سأله عبد الناصر عن الأسلوب العلمي للتخطيط أجابه بأن نبدأ في تنظيم جماعة في الجيش تعتقد بما تؤمن به حتى إذا جاء الوقت المناسب نكون انتظمنا في صف واحد فيستحيل على أعدائنا أن يقهرونا. ويختتم المقال بان هذا التنظيم ظل مستمرا في انتظام وتوسع حتى قيام حرب فلسطين 1948 م حيث سافر عدد من ضباط الصف الأول فيه إلى ميدان القتال في فلسطين كجمال عبد الناصر وعبد المنعم عبد الرءوف وكمال الدين حسين وغابوا عن مصر لفترة. ثم مرت بالجماعة(الإخوان) والتنظيم محنة الحل والاعتقالات التي طالت اغلب رجالها وقادتها وأوقفت حركة أقسامها المختلفة ومنها بالطبع الحركة داخل الجيش. وبعد عودة الضباط من ميدان الجهاد في فلسطين وخروج الإخوان من المعتقلات بدأت مرحلة جديدة من العمل والعلاقات بين الإخوان وضباط الجيش , تغيرت فيها الظروف والعلاقات والشخصيات تغيرا كبيرا.(29) ويذكر عبد الناصر في قصة الثورة المراحل التي مرت بها وهي :
المرحلة الأولى:- من سنة 1942م – 1945م واشتملت نشر المبادئ الثورية , وتقوية الروح الوطنية , رفع مستوى الكفاءة العسكرية... وتعتبر أصعب المراحل في عملية التنظيم. المرحلة الثانية:- 1945م -1948م انتقلت الحركة إلى الشكل المنظم وضمت أعدادا كبيرة لصفوفها من بين الضباط الوطنيين الأحرار المؤمنين بعملية تغيير النظام الحاكم.المرحلة الثالثة :- 1948 م -1952 م وتعتبر المرحلة الفاصلة والهامة في تاريخ الحركة فبدأت تتطور وتحدد اتجاهاتها لتحقيق أهدافها بتغيير النظام والقضاء عليه وعلى الاستعمار وأعوانه , ولقد شارك أكثرية الضباط بالحرب في فلسطين واستشهد العديد منهم في ساحة المعركة مع الكيان الصهيوني العنصري.(30) إن الاختلاف في تحديد سنة التشكيل من خلال شهادات الضباط أمر طبيعي مرده إلى شعور كل شاهد على التنظيم بلحظة تواجده بين المبشرين بالدعوة إلى توحيد جهود الضباط واقتناعه بالأفكار التي يطرحونها وبالعمل على تحقيق أهداف الضباط وشعاراتهم التي رفعوها , بأنها هي بدايات التنظيم الأولى وان هذه البدايات كانت من السرية بمكان بحيث لم يكن لها إعلام أو إعلان رسمي بحيث تكون معروفة لدى الجميع من المهتمين وغير المهتمين بشأن تدخل الجيش في السياسة , وإذا كان هناك من يرجع بتشكيل التنظيم إلى نهاية عقد الثلاثينيات من القرن الماضي فأن ذلك إما بسبب انتمائه للإخوان المسلمون في مصر أو انه قريب من أفكارهم التي انتشرت بشكل واضح داخل الجيش بسبب نشاطهم في صفوفه في تلك الفترة او بسبب تأثره بالحركات التي تؤمن بتدخل الجيش في السياسة وتوجيهها عسكريا التي ظهرت في المشرق العربي كانقلاب بكر صدقي عام 1936م.(31) والذي يرجع بدايات التشكيل الأولى إلى بداية عقد الأربعينيات من القرن الماضي هو لتنامي الشعور القومي العربي بالكراهية لبريطانيا بسبب الحرب العالمية الثانية وخصوصا عند الشعب المصري , حاله في ذلك حال الشعوب العربية التي كانت ترزح تحت احتلالها , وبالأخص عند الجيش المصري الذي تأثر الكثير من قياداته بقيادات العراق السياسية والعسكرية وتحركاتهم في ذلك الوقت إذ انه وأثناء ثورة رشيد عالي في العراق 1941م فكر عزيز المصري وأنور السادات بالالتحاق بالجيش العراقي من اجل الاشتراك في الحرب ضد الانكليز غير إن الإحداث تسارعت قبل أن تجد الفكرة طريقها إلى التنفيذ.
وبعد انتهاء الحرب يقول الدكتور محمد حسن سلمان وزير المعارف في حكومة الدفاع الوطني عام 1941م في العراق انه تسلم رسالة قصيرة من الملازم جمال عبد الناصر هذا نصها (إلى وزير الشباب العراقي الدكتور محمد حسن سلمان. إني ورفاقي الضباط الأحرار في مصر نتقدم إليكم بقبول طلبنا في التطوع في الحرب العراقية - البريطانية. ونرجو أعلامنا عن الطريقة التي يمكن أن نصل بها إليكم) وتسلم الدكتور سلمان هذه الرسالة بتاريخ 25 يونيو 1941م من القنصل العام العراقي في بيروت تحسين قدري.وفي مذكراته يذكر نجم الدين السهر وردي انه حينما دخل هو ورشيد عالي الكيلاني على جمال عبد الناصر بعد انتصار الثورة في مصر رحب بهم ترحيبا حارا وقال جمال لرشيد)هذه فرصة تاريخية سعيدة أن التقي مع الزعيم البطل الذي كان القدوة لنا ونحن نعد للقيام بالثورة في مصر , ولولا تجربتك الثورية في العراق لما جرؤنا على التفكير بالقيام بثورة في مصر(.(32)
والباحثين الذين يرجعون تأسيس التنظيم إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية هم بذلك يراعون تأثر أولئك الضباط بالمتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية بعد تلك الحرب ويضعون جذورا للذين ذهبوا وشاركوا في حرب فلسطين1948م من الضباط خصوصا إن أولئك الضباط قد اصطبغوا بصبغة قومية إذ نرى في جميع البلدان العربية التي وجد فيها مثل هذا التنظيم نفس الأهداف والرؤى والمطالب التي كانت ترفع في سبيل التدخل العسكري من قبل الضباط في توجيه السياسة والقائمين عليها الوجهة التي يرونها مناسبة. فمثلا تذكر الدكتورة هدى عبد الناصر انه (بعد صدور قرار تقسيم فلسطين في سبتمبر 1947م عقد الضباط الأحرار اجتماعا واعتبروا إن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد هذا الانتهاك للكرامة الإنسانية والعدالة الدولية , واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين. وفي اليوم التالي ذهب جمال عبد الناصر إلى مفتي فلسطين الذي كان لاجئا يقيم في مصر الجديدة فعرض عليه خدماته وخدمات جماعته الصغيرة كمدربين لفرقة المتطوعين وكمقاتلين معها. وقد أجابه المفتي بأنه لايستطيع أن يقبل العرض دون موافقة الحكومة المصرية. وبعد بضعة أيام رفض العرض فتقدم بطلب إجازة حتى يتمكن من الانضمام إلى المتطوعين , ولكن قبل أن يبت في طلبه أمرت الحكومة المصرية الجيش رسميا بالاشتراك في الحرب.فسافر جمال إلى فلسطين في 16 مايو 1948م). (33)
والباحثين الذين يؤرخون لسنة 1949 على أنها هي سنة التأسيس الحقيقية للتنظيم في مصر فأنهم يربطون ذلك بردة فعل الضباط الأحرار لفشل الجيوش العربية وخاصة الجيش المصري في تحرير فلسطين من أيد الصهاينة ويربطونه أيضا بخيانة الأنظمة العربية للقضية الفلسطينية ومنها النظام المصري فوجد الضباط العائدين من الحرب بأن الفرصة أمامهم من اجل تنظيم أنفسهم والقيام بعمل عسكري ضد ذلك النظام القائم غسلا للعار الذي أصابهم من جراء تلك الهزيمة وانتقاما من تجار الأسلحة الذين جمعوا مع الملك أموالا طائلة جراء تسليح الجيش المصري بأسلحة فاسدة.أو رغبة من أولئك الباحثين مناغمة نظام الحكم الذي تشكل بعد الثورة وخاصة تقربا من جمال عبد الناصر الذي أصبح رسميا زعيم تنظيم الضباط الأحرار بعد عام 1949م وعلى رأس أولئك الباحثين هو محمد حسنين هيكل في كتاباته عن التنظيم والثورة. وفي مذكراته يقول محمد نجيب الذي اختير رئيسا لمجلس قيادة الثورة بعد نجاحها [ في فلسطين اكتشفت إن العدو الرئيسي لنا ليس اليهود وإنما الفساد الذي ينخر كالسوس في مصر , والذي كان يتمثل في الملك وفي كبار القواد والحاشية والإقطاع وباقي عناصر النظام ودعائمه في مصر , وكنت أول من قال:(إن المعركة الحقيقية في مصر وليست في فلسطين), وهي العبارة التي نسبها جمال عبد الناصر لنفسه بعد ذلك , وكنت لا أتردد في أن أقول هذا الكلام لكل من أثق فيه من الضباط , كنت أحرضهم على القتال في فلسطين والانتباه لما يدور في مصر..كان الصاغ أركان حرب محمد عبد الحكيم عامر أركان حرب للوائي , ويبدو إن كلامي عن الفساد في القاهرة اثر فيه , فذهب إلى صديقه البكباشي جمال عبد الناصر , وقال له , كما ذكر لي بعد ذلك , :لقد عثرت في اللواء محمد نجيب على كنز عظيم. وخلال حلقات النقاش تعرفت على جمال عبد الناصر ,والصاغ كمال الدين حسين , والبكباشي أنور السادات , وصلاح سالم وغيرهم من الضباط الذين كانوا يؤمنون بما أقوله... وفي يوم من الأيام جاء عامر ومعه جمال ,وعرفت يومها انه زعيم لتنظيمهم , وانه جاء ليرى ويزن تقدير عامر لي ولشخصيتي , وكان هذا شيئا غريبا , أن تقوم الرتب الصغيرة بفحص وطنية الضباط العظام ومع ذلك لم اعترض... ولا أريد أن انسب لنفسي ما هو ليس لي, ولكن الحقيقة تقتضي أن أقول إنني أول من أطلق عبارة (الضباط الأحرار) على التنظيم الذي أسسه جمال عبد الناصر].(34) كان جمال عبد الناصر قد شكل تنظيم الضباط الأحرار, وأراد أن يقود التنظيم احد الضباط الكبار لكي يحصل التنظيم على تأييد باقي الضباط , وبالفعل عرض عبد الناصر الأمر على محمد نجيب فوافق على الفور. يقول ثروت عكاشة , احد الضباط الأحرار, قي كتابه (مذكراتي بين السياسة والثقافة) – كان اللواء محمد نجيب احد قادة الجيش المرموقين لأسباب ثلاثة :أولها أخلاقياته الرفيعة. وثانيها ثقافته الواسعة فهو حاصل على ليسانس الحقوق وخريج كلية أركان الحرب ويجيد أكثر من لغة ويلم باللغة العبرية.وثالثها شجاعته في حرب فلسطين التي ضرب فيها القدوة لغيره وظفر بإعجاب الضباط كافة في ميدان القتال.
كان اختيار تنظيم الضباط الأحرار لمحمد نجيب سر نجاح التنظيم داخل الجيش , فكان ضباط التنظيم حينما يعرضون على باقي ضباط الجيش الانضمام إلى الحركة كانوا يسألون من القائد , وعندما يعرفون انه اللواء محمد نجيب يسارعون بالانضمام. ويؤكد اللواء جمال حماد , احد الضباط الأحرار , إن الحركة لم تكن لتنجح لولا انضمام اللواء محمد نجيب إليها لما كان له من سمعة طيبة في الجيش , ولما كان منصبه ذو أهمية إذ إن باقي الضباط الأحرار كانوا ذوو رتب صغيرة وغير معروفين.(35) وكانت الأفكار الوطنية العامة والنقمة على الاستعمار هي الدافع الرئيسي لتحريك الضباط , ولكن تفاصيل الأمور كانت متباينة في عقولهم , وصورة المستقبل غير واضحة أمامهم... وكانوا في واقعهم تجمعا لتنظيمات مختلفة داخل الجيش كانت جذورها تمتد لتنظيمات خارج الجيش مثل الإخوان المسلمين والحركة الديمقراطية للتحرر الوطني , ومصر الفتاة , والوفد وغيرها , ولكن جمال عبد الناصر حرص على أمرين , أولهما أن يفتح أبواب تنظيم الضباط الأحرار لجميع الراغبين حتى يمثل جميع ألوان الطيف السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مشترطا على كل ضابط حر أن ينهي صلته التنظيمية بالتنظيم الذي كان مرتبطا به.(36)
وعلى أي حال فأنه بعد هزيمة عام 1948 وعودة الضباط إلى مصر بدأ نشاط الضباط الأحرار يأخذ اتجاها جديدا في التنظيم والترتيب المبدئي وتألفت لجنة تنفيذية بقيادة جمال عبد الناصر , وتضم كمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر وحسين إبراهيم وصلاح سالم وعبد اللطيف البغدادي وخالد محي الدين وأنور السادات وحسين الشافعي وزكريا محي الدين وجمال سالم،وهي اللجنة التي أصبحت مجلس قيادة الثورة فيما بعد عام 1950م, 1951م وفي هذا العام اشترك الضباط الأحرار سرا في حرب الفدائيين ضد القوات البريطانية في منطقة القناة التي استمرت حتى بداية 1952م وذلك بتدريب المتطوعين وتوريد السلاح الذي كان يتم في إطار الدعوى للكفاح المسلح من جانب الشباب من كافة الاتجاهات السياسية والذي كان يتم خارج الإطار الحكومي.
وفي نهاية عام 1951م جرت انتخابات نادي الضباط (ويؤكد نجيب إن انتخابات نادي الضباط كانت فعلا هي الثورة , وعندما يكتب التاريخ الحقيقي لثورة يوليو سوف يقرر المؤرخون إن الملكية انتهت في مصر بعد انتخابات نادي الضباط , فقبل الانتخابات كانت اللجنة التنفيذية لتنظيم الضباط الأحرار , تعتقد انه ليس من الممكن القيام بالثورة قبل عام 1955م , لقد غيرت الانتخابات عقولنا , وأحستنا بقوتنا , وأكدت لنا مدى ضعف الملك ونظامه. قررت أن أرشح نفسي رئيسا لمجلس إدارة النادي , لجس ننبض الجيش , ولاختبار مدى قوة الضباط الأحرار, وتحدي الملك الذي نقلني من سلاح الحدود... وكان اسمي على رأس قائمة الضباط الأحرار... وكنت كما قال خالد محي الدين بعد ذلك بسنوات طويلة (الأهالي/26 يوليو 1978م) الواجهة التي تتحرك جماعة الضباط الأحرار في إطارها , حتى أتحمل المسئولية تجاه السلطة عن هذه المعركة وعن نتائجها. وقال خالد, وكانت هذه خطوة شجاعة أكسبت نجيب احترامنا وثقتنا , وفي منتصف الليل , ومع خيوط فجر اليوم الأول من عام 1952م أعلنت النتيجة , وحصلت على أغلبية ساحقة شبه جماعية).(37) كانت النتيجة صدمة شديدة للملك وعلى غير رغبة القصر وذات تأثير كبير في الحياة السياسية , إذ عمل القصر على حل مجلس إدارة نادي الضباط , فاستقال اللواء نجيب.(38)
وإزاء تطورات الحوادث العنيفة المتوالية في بداية عام 1952م اتجه تفكير الضباط الأحرار إلى الاغتيالات السياسية لأقطاب النظام القديم على انه هو الحل الوحيد. وفعلا بدئوا باللواء حسين سري عامر , احد قواد الجيش الذين تورطوا في خدمة مصالح القصر, إلا انه نجا من الموت ,...وقد اتفق جميع أفراد التنظيم على صرف الجهود إلى تغيير ثوري ايجابي. ومع بداية مرحلة التعبئة الثورية , صدرت منشورات الضباط الأحرار التي كانت تطبع وتوزع سرا. والتي دعت إلى إعادة تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه بجدية بدلا من اقتصاره على الحفلات والاستعراضات , كما دعت الحكام إلى الكف عن تبذير ثروات البلاد ورفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة , وانتقدت الاتجار في الرتب والنياشين.وفي تلك الفترة اتسعت فضيحة الأسلحة الفاسدة إلى جانب فضائح اقتصادية تورطت فيها حكومة الوفد. (39) وعند وقوع حريق القاهرة كان عدم تكامل تنظيم الضباط الأحرار هو السبب في عجزهم عن الحركة , وحتى ساعتها لم يكن تنظيم الضباط الأحرار قد اخذ شكلا هرميا متعدد المسؤوليات منضبط السرية , ولم يكن له لائحة آو برنامج , كما إن بعض المجموعات لم تكن تواظب على دفع الاشتراكات , ولم يكن نظام الخلايا قد استقر على أسس ثابتة , وخاصة في سلاح الطيران. ومنذ اجتماع اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار مساء يوم الحريق , توالت المنشورات،وتأكد لجميع ضباط الجيش الوجود الفعلي والنشاط الظاهر للضباط الأحرار , وانضمت أعداد كبيرة بحيث أصبح التنظيم قويا وقادرا على أن يثير اهتمام القوى الداخلية والخارجية , المهتمة باستمرار نفوذها في مصر , وفي هذا الوقت وصلت معلومات إلى التنظيم..., إن الانجليز يريدون التخلص من الملك الذي أصبح مكشوفا ومكروها من الشعب , ولا يضمن مصالحهم , وان الانكليز طلبوا... اغتيال الملك. كما وصلت معلومات أخرى , عن طريق الملحق العسكري الأمريكي , المتصل بعلي صبري , مدير مخابرات الطيران , انه في حالة تحرك الجيش المصري لأي حركة تغيير فان الأمريكان سيطلبون من الانكليز عدم التدخل , إذا كانت هذه الحركة غير شيوعية , ولا تهدد مصالحهم. (40)
حركة الضباط الأحرار :
هي انقلاب عسكري حدث في 23 يوليو 1952م في مصر بواسطة مجموعة من الضباط أطلقوا على أنفسهم (تنظيم الضباط الأحرار) وأطلق عليها في البداية (حركة الجيش) ثم اشتهرت فيما بعد باسم ثورة(23 يوليو). لقد تميزت حركة (ثورة (يوليو عن سائر الحركات والانقلابات العسكرية بأن الذين تولوا قيادتها والتحضير لها كانوا من شباب الضباط الذين لم تتجاوز أعمارهم 35 عاما إذا استثنينا اللواء محمد نجيب والبكباشي يوسف صديق والقائمام احمد شوقي قائد الكتيبة 13 الذي انضم للحركة ليلة قيامها فقط... وهكذا كان تنظيم الضباط الأحرار الذي شكل لجنة تنفيذية انتخبت جمال عبد الناصر رئيسا لها من شباب الضباط على خلاف الحركات العسكرية التي قامت بانقلابات كان يرأسها الجنرالات والقادة , وقد عرف الوطن العربي هذه الانقلابات في العراق لأول مرة مع انقلاب اللواء بكر صدقي عام 1936م رئيس أركان حرب الجيش العراقي , وكذلك كان حسني الزعيم قائد أول انقلاب في سوريا رئيسا لأركان الجيش السوري.(41)
وعندما علم الملك بتنظيم الضباط وتحركاتهم ونشاطهم داخل الجيش , وخصوصا بعد تحديهم له في انتخابات نادي الضباط وإصدارهم للبيانات والمنشورات بعد حريق القاهرة التي تحمل البريطانيين والملك مسؤولية الأحداث التي حدثت بعد الحريق وفيها رفض واضح لاستخدام الجيش كأداة لقمع الشعب ومظاهراته, قرر الملك القضاء على أولئك الضباط. وقد كان مسعى الضباط الأحرار للسلطة في أيام المد في الصراع الطبقي يوليو 1952 يقوم أساسا على استبعاد الجماهير. والثابت أن التنظيم لم يسعى أبدا إلى خلق صلات أو نفوذ جماهيري لا من خلال التحريض بين الجنود ولا من خلال الارتباط بالحركة الجماهيرية المتصاعدة في الشارع. بل انه عندما انفجرت المظاهرات في 26 يناير 1952م , وازدادت الدلائل على إمكانية التحرك الثوري الواسع للجماهير , كان رد فعل التنظيم (عبد الناصر) هو التخطيط لانقلاب يقطع الطريق على الثورة ويسلم السلطة للوفد. (42)إذ انه عندما استقر رأي الضباط الأحرار على التحرك في شهر نوفمبر 1952 م حاول الوفد أن يستعين بشباب ضباط الجيش..., وعلى اثر ذلك اتصل الضباط الأحرار , بأحد أقارب النحاس باشا , لمحاولة الاتفاق مع الوفد والتعاون معه , ورد النحاس باشا بأنه لايستطيع آن يدخل لعبة الضباط , لأنه لا يريد آن يخسر أوراقه مع الأمريكان. (43) وعلى اعتبار إنها مخاطرة غير مأمونة العواقب. (44) وهنا يجب الوقوف عند الأسباب التي دفعت الضباط الأحرار إلى القيام بحركتهم وحدهم بدون ارتباط مع القوى الشعبية الأخرى , وهو الأمر الذي كان واضحا في منشوراتهم التي كانت تؤيد جماهير الشعب تأييدا حاسما , والسبب هو علمهم بأن الملك قد قرر اعتقال الضباط الأحرار بعد أن أصبحت منشوراتهم تشكل قلقا لاستقرار النظام الملكي ولأنهم كانوا من أبناء الطبقة الوسطى ومن واقع اجتماعي غير مرتبط بأبناء الطبقة التي كانت في السلطة ولان معظمهم كانوا يشكلون نوعية خاصة من الضباط الذين لم تتوقف طموحاتهم عند حدود الجيش, لذلك أعدت الخطة ونفذت خلال خمسة أيام فقط.(45) لقد كان لموقف الملك من الضباط ونيته الأكيدة في اعتقالهم والتخلص منهم الدور المشجع على اتخاذ الضباط الموقف والقرار الحازم منه والقيام بحركة عسكرية ضده وزمرته. خاصة بعد تمكن الجهات الأمنية من كشف أسماء بعض الضباط الأحرار وغالبيتهم في اللجنة التأسيسية, واختيرت ليلة 22 يوليو للقيام بالحركة لمفاجئة الحكومة الجديدة برئاسة احمد نجيب الهلالي , قبل أن يتمكن وزير الحربية الجديد من إصدار التعليمات والأوامر بالتصدي لها,ثم اجل جمال عبد الناصر الموعد ليلة واحدة ليتمكن من استطلاع رأي الإخوان المسلمين في الموافقة على قيام حركة الجيش.(46)
ولقد أحس الملك بوجود مؤامرة ضده في الجيش لذلك سارع بإرسال الأموال الطائله للخارج وبدأ بأجراء تحقيقات من قبل أجهزة الشرطة والجيش , فلم يحصل على شيء.وفي 20 يوليو وبينما ترددت الإشاعات بأن الملك يعد العدة لاعتقال بعض ضباط الجيش , اجتمعت اللجنة التنفيذية لتنظيم الضباط الأحرار وأخذت تناقش وتستعرض الموقف... فقد كانت جميع الظروف المؤاتية لحركة الانقلاب متوفرة.(47) وتدخل رئيس الوزراء حسين سري لإنقاذ الموقف بأن يعين محمد نجيب وزيرا للحربية , بعد ظهور شعبيته, في انتخابات الضباط , فلم يتمكن من ذلك فقدم استقالته. فأختار الملك محمد نجيب الهلالي لتشكيل الوزارة الجديدة في (28 شوال 1371هـ– 22يوليو 1952م) واختير إسماعيل شريف الموالي للقصر ليكون وزيرا للحربية, غير إن هذه الوزارة لم تكمل يومين حتى قامت الثورة وتحرك الجيش بقيادة اللواء محمد نجيب.(48)
وتطبيقا لخطة محكمة أعدها جمال بكل دقة استولى الضباط الأحرار على المراكز الحيوية للعاصمة وقبضوا على أعضاء هيئة أركان حرب الجيش وقبل الفجر , ترأس محمد نجيب اجتماعا للجنة الضباط الأحرار التي اتخذت لنفسها اسم (مجلس الثورة). (49)
خطة الحركة وتنفيذها :
قبل تحرك الضباط الأحرار ليلة 23 يوليو 1952م عقدت الهيئة التأسيسية للتنظيم عدة اجتماعات في منازل قيادات التنظيم , تم خلالها وضع خطة التحرك التي كتبها عبد الناصر بخط يده. كانت الإخبار قد وصلت إلى جمال عبد الناصر بنية القصر بالقبض على 13 من الضباط المنتمين للتنظيم والاتجاه لتعيين حسين سري وزيرا للحربية فأجتمع مجلس قيادة حركة الجيش...لإقرار الخطة التي وضعها زكريا محي الدين بتكليف من عبد الناصر ومعاونه عبد الحكيم عامر حيث تقوم الكتيبة 13 بقيادة احمد شوقي المكلف بالسيطرة على قيادة القوات المسلحة في سرية كاملة وقرروا أن تكون ساعة الصفر - الساعة الواحدة – ليلة الأربعاء 23 يوليو 1952م واتفق الضباط على أن يكون مركز نشوب الثورة في منطقة ثكنات الجيش من نهاية شارع العباسية إلى مصر الجديدة واتفقوا على الترتيبات الأخيرة.
غير أن خطأ في إبلاغ يوسف صديق قائد ثان الكتيبة 13 بساعة الصفر تسبب في نجاح الحركة (الثورة) حيث تحرك صديق بقواته في الساعة الحادية عشر واستطاع السيطرة على مجلس قيادة القوات المسلحة في كوبري القبة واعتقال كل من قابلهم في الطريق من رتبة قائمقام فما فوق كما كانت تقضي الخطة ومراكز القيادة بالعباسية والاستيلاء على مبنى الإذاعة والمرافق الحيوية بالقاهرة واعتقال الوزراء. ويذكر محمد نجيب في مذكراته إن (يوم 22 يوليو كان اليوم الأخير في عمر نظام الملك فاروق وأطلق على اسم الحركة اسم كودي هو (نصر) كان كل شيء قد تم ترتيبه , وكنت أخشى أن يربك احد ما خططنا , كان يعرف خطة الانقلاب عشرة من أعضاء اللجنة التنفيذية للضباط الأحرار , أما الباقي فقد حددت له مهام معينة ,... تضاعف ارتباكي وقلقي ووصلت حيرتي إلى القمة , وظلت في هذه الحالة إلى أن جاء الفرج , رن التلفون جاء صوت الصاغ جمال حماد يهنئني بنجاح المرحلة الأولى... استولى أولادي على القيادة العامة مركز الاتصالات الحيوية , وتحركت المدرعات ودخلت القاهرة , وتجمع الجنود بعرباتهم المدرعة في شارع الخليفة المأمون... أي إن الخطة نفذت تقريبا كما رسمناها. ولكن بسبب خيانة احد الضباط , عرف المسئولون عن امن القيادة خبرا بالحركة فاستعدوا للمقاومة , ولم يكن هناك مفرا من الاستيلاء على المقر بالقوة , فمات اثنان من الجنود وجرح اثنان آخران في القاعدة الجوية بألماظة... كان أول من استقبلني على مدخل القيادة اليوزباشي إسماعيل فريد , الذي أصبح ياوري الخاص بعد ذلك , وعندما صعدت إلى غرفة رئيس الأركان وجدت البكباشي يوسف صديق يتحدث إلى بعض الضباط منهم القائمقام احمد شوقي , والبكباشي جمال عبد الناصر , والبكباشي زكريا محي الدين , والبكباشي عبد المنعم أمين , وقائد أسراب حسن إبراهيم وقائد أسراب عبد اللطيف البغدادي , وقائد جناح علي صبري , وكان البكباشي محمد أنور السادات متمددا في غفوة قصيرة. وللتاريخ اذكر إن يوسف صديق كان أشجع الرجال في تلك الليلة , وكان هو الذي نفذ عملية الاقتحام والسيطرة على مقر القيادة , رغم إن دوره كان حسب الخطة حماية قوات الهجوم والوقوف كصف ثاني وراءها).(50) واستطاع تنظيم الضباط الأحرار تقويض النظام القائم في ساعات معدودة , واعتلت حركة الجيش قيادة السلطة في البلاد , وقدم اللواء نجيب إلى رئيس الوزراء محمد نجيب الهلالي طلبات الجيش , وهي : تكليف السياسي المخضرم علي ماهر بتشكيل وزارة جديدة , وتعيين اللواء محمد نجيب قائدا عاما للجيش , وطرد ستة من حاشية الملك , فرفع رئيس الوزراء هذه الطلبات إلى الملك , فوافق عليها , ثم خلع الملك فاروق بعد أربعة أيام من قيام الثورة , وغادر الملك وأسرته مصر واتجه إلى ايطاليا, وأعلن احمد فؤاد الثاني ملكا على مصر , تحت إشراف مجلس الوصاية.
ولعل نجاح حركة الضباط الأحرار في القيام بانقلابها الناجح , واستطاعتها السيطرة على الحكم وخلع الملك , رغم انكشاف بعض أفرادها قبل القيام بالحركة , وصغر عدد ورتب الضباط القائمين بها , واقتصارهم على بعض الأسلحة دون غيرها يعود إلى استفادتها من بعض الإمكانات المؤسسية المتاحة لها كتنظيم عسكري , حيث قصرت الحركة أهدافها في تحقيق الانقلاب على احتلال أهداف عسكرية محددة هي مبنى قيادة الجيش ومعسكرات العباسية والماظة , فضلا عن هدف مدني واحد هو مبنى الإذاعة. كما إن استقلال الضباط عن الحركة الحزبية مكنهم من التحرك باسم المؤسسة العسكرية , فاستقطبت بذلك ليلة الثورة قسما من الضباط غير المنضمين إليها , مثل العقيد احمد شوقي الذي انضم قبل قيام الثورة بست ساعات , ثقة منه في اسم محمد نجيب. كذلك أفاد في فاعلية التحرك استغلال الضباط وضعهم الوظيفي بالجيش , فجرى التحرك في شكل تعليمات تنفيذية, دون إدراك المأمورين بالهدف وراء ذلك , فمثلا يوسف صديق احد الضباط المشاركين في الثورة اظهر لجنوده أنهم يقومون بعمل خطير لصالح الوطن , ولم يدرك هؤلاء أنهم يقومون بانقلاب عسكري , يستهدف السلطة وخلع الملك , ولعل بعضهم ظن انه يتحرك تنفيذا لأوامر الدولة وليس العكس , يضاف إلى ذلك إن مخططي حركة يوليو حرصوا أن يجذبوا أصحاب الرتب المعتبرة نسبيا لملء الفراغ في القيادة , فجاء اختيار اللواء محمد نجيب ليرأس الحركة , لما يتمتع به من رتبة عالية وسمعة طيبة في الجيش , كما انه شخصية معروفة للمدنيين.(51) وقد ألقى أنور السادات البيان الأول للحركة إلى الشعب المصري وتم تكليف علي ماهر بتشكيل الوزارة بعد إقالة وزارة الهلالي التي لم تكن قد مضى على تشكيلها يوم واحد ثم قام الضباط صباح الثالث والعشرين بالاتصال بالسفير الأمريكي لإبلاغ رسالة إلى القوات البريطانية بان الثورة شأن داخلي وكان واضحا في البيان الأول للثورة التأكيد على حماية ممتلكات الأجانب لضمان عدم تدخل القوات البريطانية إلى جانب القصر ثم واصل الضباط بعد ذلك اتخاذ خطواتهم نحو السيطرة على الحكم.
مجلس الثورة :
ذكرنا أن تنظيم الضباط الأحرار أصبح اسمه (مجلس الثورة) وفي البداية لم يرغب هذا المجلس بتغيير نظام الحكم وإنما فقط ممارسة الضغط من اجل تقويم سير عمل الدولة لذلك تقرر إسناد منصب رئيس الوزراء إلى علي ماهر وتم تعيين محمد نجيب بمنصب القائد العام للقوات المسلحة حسب ما طلب الضباط الأحرار في يوم الحركة وتمت موافقة الملك عليها على مضض في اليوم التالي . لقد كان أصل أعضاء هذا المجلس هم أعضاء الهيئة التأسيسية للتنظيم وهم كل من (محمد نجيب , جمال عبد الناصر , محمد أنور السادات , عبد الحكيم عامر, جمال سالم , صلاح سالم , زكريا محي الدين , حسين الشافعي , عبد اللطيف البغدادي , كمال الدين حسين , حسن إبراهيم) وبعد الانقلاب والإعلان عن قيام المجلس أضيف إلى هؤلاء الأعضاء ثلاث ضباط شاركوا في حركة الجيش وهم ( خالد محي الدين , يوسف صديق , عبد المنعم أمين ). (52) وقد أرغم الملك بعد ثلاثة أيام على الموافقة للإنذار الموجه من محمد نجيب في 26 يوليو 1952 م الذي يقضي بمغادرته للأراضي المصرية إلى ايطاليا . وقد كان الملك مستعدا لمثل هذا اليوم فقد قام بتهريب أموال طائلة للخارج قبل سقوطه , وحتى عند مغادرته فقد شحنت سفينته بالخزائن المليئة بالتحف النادرة والكنوز . وقد كان الملك قد طلب من (مجلس الثورة) أن يكون خروجه مشرفا من مصر وان يكتب هو والمجلس قرار التنازل حتى يحفظ ماء وجهه فوافق المجلس على ذلك . وفي اليوم التالي أعلن محمد نجيب تمسك الدولة بالدستور , كما أعلن إن النظام الملكي لم يلغى , وشكل مجلس وصاية للملك الصغير, وتولى مجلس الثورة حكم مصر إلى جانب مجلس الوصاية الملكي من 1952 م إلى 1953 م وانفرد بالحكم بعد إلغاء الملكية . وقد تم إلغاء مجلس الوصاية هذا وإعلان الجمهورية في 18 حزيران 1953 م وأصبح محمد نجيب رئيسا للجمهورية مع احتفاظه برئاسة مجلس الوزراء. وقد تولى محمد نجيب رئاسة المجلس من عام 1952 م إلى 1954 م بعد أن تم إعفائه من قبل المجلس ثم تولى رئاسته جمال عبد الناصر من عام 1954 م إلى 1956 م .بعد حل المجلس عند انتهاء الفترة الانتقالية وانتخاب جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية بالاستفتاء الشعبي.



الخاتمة
إن أسبابا خطيرة ومهمة كانت تدفع لنهاية الحكم الملكي في مصر وبداية مرحلة جديدة. وقد اعتبرت هذه النهاية حدا فاصلا في تاريخ مصر الحديث , وليس جديدا تغيير النظام الحاكم من قبل الجيش, إنما الجديد هو استلام الحكم من قبل مجموعة من صغار الضباط الذين أطلق عليهم اسم (تنظيم الضباط الأحرار) الذين قاموا بحركة تغيير نظام الحكم أطلق عليها اسم (حركة الجيش) ثم تم تسميتها (ثورة 23 يوليو) ومن تلك الأسباب :
1- اتخاذ حكومة الوفد قرارا برفض معاهدة 1936م بعد فشل مفاوضات تعديلها مع بريطانيا.
2- اتخاذ الحكومة المصرية الإجراءات العملية لتنفيذ قرارها هذا حتى وصل الأمر الى استخدام القوة والمقاومة العسكرية خصوصا في منطقة القناة.
3- رفض الحكومة البريطانية لهذا القرار واتخاذها الخطوات اللازمة لمنع حدوث ذلك ولو بالقوة وردا على المقاومة المصرية قامت بعدة إجراءات وحشية ضد السكان والمقاومين على حد سواء كمذبحة الإسكندرية
4- قيام المخابرات البريطانية بالتعاون مع الملك بتنفيذ مؤامرة حريق القاهرة ردا على التظاهرات التي قامت بها شرائح المجتمع العسكرية والمدنية تنديدا بمذبحة الإسكندرية.
5- ضعف وعجز الأحزاب البرجوازية في مصر عن القيام بدور ينقذ البلاد من المآسي التي يتعرض لها. ومسيرها بصورة عامة في ركاب الملك ونظامه السياسي ولم تكن تلك الأحزاب تعبر عن إرادة الشعب.
6- ضعف الإمكانيات المادية والتنظيمية لدى الطبقة الوسطى والفقيرة في المجتمع المصري وعدم وضوح الرؤى لمستقبل البلاد ناهيك عما فعله تراكم سنين الظلم والحرمان.
7- ضعف النظام الحاكم وتخبطه سياسيا واجتماعيا وعجزه عن إيجاد آليات جديدة للعمل تساعد الملك في أن يخرج من الدائرة الضيقة التي وضع نفسه فيها وبالتالي النظام الذي يترأسه وخصوصا بعد فضيحة الأسلحة الفاسدة ودوره التآمري في حرب فلسطين 1948 م.
8- شعور بريطانيا بضعف الملك ونظامه في مصر بالحفاظ على وتدعيم المصالح البريطانية وحمايتها في فترة كانت هي تعاني فيها من تراكمات الحرب العالمية الثانية , مع بروز الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط عموما ومصر خصوصا , ومحاولة ملئ فراغ بريطانيا وفرنسا , لذلك لم تتحمس بريطانيا للدفاع عن الملك ونظامه الفارغ.
كل تلك الأسباب سهلت على تنظيم الضباط الأحرار , الذي تشكل ضمن فترة زمنية طويلة ومعقدة شمل نهاية عقد الثلاثينيات وعقد الأربعينيات وبداية عقد الخمسينيات من القرن الماضي, والذي كان يضم مجموعة من الضباط من أبناء الطبقة الوسطى والتي لم تتوقف طموحاتهم عند حدود العسكرية , القيام بعملهم إذ كانوا الجهة الوحيدة القادرة على القيام بحركة ضد الملك ونظامه المتهرئ بسبب وجود القوة العسكرية إلى جانبهم ومستخدمين نفوذهم الإداري في تسهيل عملية التحرك إذ كان عدد غير قليل منهم يتمتع بمناصب إدارية في الجيش المصري. في حين كان السبب المباشر لحركتهم تلك هو نية الملك التخلص منهم بأي طريقة بعد أن علم بتنظيمهم. فأعدوا الخطة ونفذوها في فترة قياسية وحدثت الحركة كما خطط لها في 23 يوليو 1952 م. وتم تسفير الملك خارج البلاد بعد أربعة أيام من الحركة وبقي الحكم ملكيا يعمل بنظام الوصاية حتى عام 1953 م عندما تم إلغاء النظام الملكي وإعلان النظام الجمهوري.
المصادر
1-حسن عون , ابرز ملامح ثورة 23 يوليو , دار المعارف بمصر ,1969 مطبعة المغرب.
2- محمد حسنين هيكل ,ثورة يوليو خمسون عاما :هل كانت الثورة لازمة ؟, جريدة السفير (لبنان) , الأربعاء 31 تموز 2001،موقع بنت جبيل. كوم.
3- سمير حلبي،حريق القاهرة وثورة يوليو, ,موقع إسلام اون لاين نت , الأحد أكتوبر ,7 , 2001 .
4- جاك دومال وماري لورا , جمال عبد الناضر من حصار الفالوجا حتى الاستقالة المستحيلة , ترجمة ريمون نشاطي ,دار الآداب بيروت, حزيران 1970.
5 - ثورة 23 يوليو في مصر , موسوعة مقاتل من الصحراء , موقع المقاتل. كوم .
6- احمد حمروش , مجتمع جمال عبد الناصر , المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1975
7- يحيى الشاعر, حريق القاهرة يوم 26 يناير1952 (الجزء الأول) نظرة للخلف.. وماذا حدث...؟, محاورات المصريين. كوم , 2 ديسمبر 2006.
8- محمد أنيس , حريق القاهرة , المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1972 .
9- علي المصري , 46 عاما على 23 يوليو 1952.الناصرية والتغيير,مركز الدراسات الاشتراكية–مصر,أغسطس 1998.
10- مصطفى عاشور ,مسيرة ثورة يوليو 1952.. في ذكرى قيامها ,موقع إسلام اون لاين,1/يناير/2000م.
11- تنظيم الضباط الأحرار حقيقة النشأة والتأسيس , موقع إخوان اون لاين 2002
12 - هدى جمال عبد الناصر , سيرة تاريخية للرئيس جمال عبد الناصر , موقع الرئيس جمال عبد الناصر.
13 - يحيى الشاعر, بور سعيد وثورة 23 يوليو 1952, موقع المنتدى العام لمحافظة بور سعيد, 22 أب,2008
14 - هيفا إبراهيم الحسن , شخصيات صنعت التاريخ ,موقع د احمد وهبا ن , 13 ديسمبر , 2009.
15 - مؤسس تنظيم الضباط الأحرار..الصاغ محمود لبيب , موقع الإخوان المسلمون , 25 / 7 / 2006
16 - سعيد مسالمة,أوراق ناصرية,أضواء على ثورة يوليو 1952 , موقع الفكر القومي العربي , 12/4/1430- 2009.
17 - نجم الدين السهر وردي,التاريخ لم يبدأ غدا،نشر وتوزيع شركة المعرفة للنشر والتوزيع , ط 2 1989.
18 - سعاد سليمان, محمد نجيب في مذكراته , موقع السياسي. كوم 29/ 1/ 2009.
19 - ويكيبيديا الموسوعة الحرة , محمد نجيب , موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة.كوم.
20 - احمد حمروش , الضباط الأحرار لثورة 23 يوليو المصرية..مستواهم الفكري وأشياء أخرى , جريدة الشرق الأوسط , العدد8631 , 16 يوليو 2002.
(1) لمزيد من التفاصيل انظر : حسن عون , ابرز ملامح ثورة 23 يوليو , دار المعارف بمصر ,1969 مطبعة المغرب ص36.
(2) لمزيد من التفاصيل انظر : محمد حسنين هيكل ,ثورة يوليو خمسون عاما :هل كانت الثورة لازمة ؟, جريدة السفير (لبنان) , الأربعاء 31 تموز 2001،موقع بنت جبيل. كوم.
(3) سمير حلبي،حريق القاهرة وثورة يوليو ,موقع إسلام اون لاين نت , الأحد أكتوبر ,7 , 2001 .
(4) جاك دومال وماري لورا , جمال عبد الناضر من حصار الفالوجا حتى الاستقالة المستحيلة , ترجمة ريمون نشاطي ,دار الآداب بيروت, حزيران 1970 , ص 64.
(5) سمير حلبي , المصدر السابق .
(6) ثورة 23 يوليو في مصر , موسوعة مقاتل من الصحراء , موقع المقاتل. كوم .
(7) سمير حلبي , المصدر السابق .
(8) ثورة 23 يوليو في مصر , المصدر السابق .
(9) سمير حلبي , المصدر السابق .
(10) احمد حمروش , مجتمع جمال عبد الناصر , المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1975 , ص 61.
(11) جاك دوما ل وماري لورا , المصدر السابق , ص65 .
(12) ثورة 23 يوليو في مصر،المصدر السابق , انظر كذلك :جاك دومال وماري لورا , المصدر السابق , ص67 .
(13) ثورة 23 يوليو , في مصر , المصدر السابق.
(14) جاك دوماال وماري لورا , المصدر السابق , ص68.
(15) يحيى الشاعر , حريق القاهرة يوم 26 يناير1952 (الجزء الأول) نظرة للخلف.. وماذا حدث...؟, محاورات المصريين. كوم , 2 ديسمبر 2006.
(16) محمد أنيس , حريق القاهرة , المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1972 , ص52.
(17) سمير حلبي , المصدر السابق.
(18) يحيى الشاعر , المصدر السابق.
(19) محمد أنيس ,المصدر السابق, ص52.
(3) لمزيد من التفاصيل انظر :علي المصري , 46 عاما على 23 يوليو 1952..الناصرية والتغيير,مركز الدراسات الاشتراكية–مصر,أغسطس 1998.
(21) ثورة 23 يوليو في مصر , المصدر السابق .
(22) علي المصري , المصدر السابق.
* نسبة إلى الضباط الذين شاركوا في حركة الضابط المصري احمد عرابي ضد الوجود البريطاني.
** لقمع انتفاضة المهدي في السودان حينما كانت تتبع لمصر.
(23) مصطفى عاشور ,مسيرة ثورة يوليو 1952. في ذكرى قيامها ,موقع إسلام اون لاين ,1/يناير /2000 م.
(24) تنظيم الضباط الأحرار حقيقة النشأة والتأسيس , موقع إخوان اون لاين 2002.
(25) هدى جمال عبد الناصر , سيرة تاريخية للرئيس جمال عبد الناصر , موقع الرئيس جمال عبد الناصر.
(26) يحيى الشاعر , بور سعيد وثورة 23 يوليو 1952 , موقع المنتدى العام لمحافظة بور سعيد, 22 أب , 2008 .
(27) هيفا إبراهيم الحسن , شخصيات صنعت التاريخ ,موقع د احمد وهبا ن , 13 ديسمبر , 2009 .
(28) مؤسس تنظيم الضباط الأحرار..الصاغ محمود لبيب , موقع الإخوان المسلمون , 25 / 7 / 2006 . .
(29) تنظيم الضباط الأحرار.. حقيقة النشأة والتأسيس , المصدر السابق . .
(30) سعيد مسالمة , أوراق ناصرية , أضواء على ثورة يوليو 1952 , موقع الفكر القومي العربي , 12 / 4 / 1430. .
(31) لمزيد من التفاصيل انظر: هيفا إبراهيم الحسن ,المصدر السابق .
(32) نجم الدين السهر وردي , التاريخ لم يبدأ غدا،نشر وتوزيع شركة المعرفة للنشر والتوزيع , ط 2 1989 , ص294 .
(33) هدى جمال عبد الناصر , المصدر السابق.
(34) سعاد سليمان, محمد نجيب في مذكراته , موقع السياسي. كوم 29/ 1/ 2009
(35) ويكيبيديا الموسوعة الحرة , محمد نجيب . موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة. كوم.
(36) احمد حمروش , الضباط الأحرار لثورة 23 يوليو المصرية..مستواهم الفكري وأشياء أخرى , جريدة الشرق الأوسط , العدد8631, 16 يوليو 2002.
(3) سعاد سليمان , المصدر السابق .
(38) مصطفى عاشور, المصدر السابق .
(39) هدى جمال عبد الناصر , المصدر السابق.
(40) ثورة 23 يوليو في مصر , المصدر السابق.
(41) احمد حمروش , المصدر السابق. .
(42) علي المصري , المصدر السابق.
(43) ثورة 23 يوليو في مصر , المصدر السابق.
(44)علي المصري , المصدر السابق.
(45) احمد حمروش , المصدر السابق.
(46) مصطفى عاشور , المصدر السابق. .
(47) جاك دومال وماري لورا, المصدر السابق , ص72.
(48) مصطفى عاشور , المصدر السابق.
(49) جاك دومال وماري لورا , المصدر السابق.
. .

(50) سعاد سليمان , المصدر السابق.
(51) مصطفى عاشور , المصدر السابق.

(52) يحيى الشاعر , المصدر السابق . .

---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

مجلة جامعة بابل / العلوم الإنسانية/ المجلد 18 / العدد ( 2 ) : 2010