المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحجاج ...وضرب الكعبةَ بالمنجنيق


Eng.Jordan
11-14-2012, 10:20 PM
الدكتور عبد العظيم الديب


1
هناك شخصيات تكون على موعد مع القدر، تهيئها الأقدار لأداء أعمالٍ حاسمة وللقيام بجهود خارقة، تترك أثرًا يملأ سمع الدنيا إلى الأبد، ومن هؤلاء الحجاج بن يوسف الثقفي رحمه الله، ومثل هؤلاء دائمًا يختلف الناس في تقييمهم، وقد اختلف الناس في الحجاج اختلافًا عظيمًا، فأعداؤه - وهم كُثر - قالوا فيه كل مَنْقصة، ووصموه بكل عيب، وبالغ من بالغ، حتى اخترعوا غرائب وعجائب - تصل إلى حد الخرافة - في نشأته ومولده.
ولا شك أنه كان بالحجاج قسوة وبطش، يجعله ذلك يميل إلى توقيع أقصى العقوبة وأبلغها، ولا يميل قيد شعرة إلى اللين.
هذا القدر من أخبار الحجاج متفقٌ عليه بين كل من تكلَّم عنه من مادحٍ وقادحٍ.
ولكن هناك عدة أمور أدت إلى هذه الصورة المستبشعة عن الحجاج، وهي:
1- المبالغة : وذلك أمرٌ فطريٌ، فما عُرف أحد بصفة، واشتهر بها حتى رويت عنه حكايات تبالغ في هذه الصفة، حتى تخرج بها عن حدِّ المعقول، ولا يكون ذلك فيمن عرف بصفة مذمومة فقط، بل من عُرف بصفة ممدوحة أيضًا، فمن عرف بصفة الكرم أو الشجاعة أو التقوى والصلاح، ونحوه، تجد في تاريخه حكايات وأخبارًا من المبالغات تصل إلى حدِّ اختراع وقائع لا يقبلها عقل عاقل.
2- إن هذه المبالغات تكون أكثر شيوعًا وذيوعًا من الحقائق، وذلك أيضًا أمرٌ فطري، فالناس مولعون برواية العجائب والغرائب، نبه إلى ذلك ابن خلدون، وحذّر منه، نص على ذلك في مقدمته؛ وذلك لأن رواية الأحداث والوقائع المعقولة والممكنة لا يهزَّ السامع، ولا يلفت الناس إلى من يحكي، فاحتاج الإخباريون إلى المبالغة، قصدًا للإثارة و***ًا للسامعين.
3- وما عُرف به الحجاج واستقر عنه من القسوة والبطش، والبعد عن اللين، جعل لهذه الحكايات قبولاً "فالشيء من معدنه لا يُستغرب". ولذلك راجت هذه المبالغات حتى عند علماء كرام، وأئمة عظام، من شأنهم أن ينقدوا الأخبار، وينظروا في سندها ومتنها.
4- ساعد أيضًا على قبول هذه الأخبار ما هو مركوز في طبع البشر من الكراهية والبغض للقسوة والبطش، فلم يلتفتوا لنقد هذه الأخبار، بل قبلوها على علاَّتها؛ حيث تُشبع عاطفتهم وترضي مشاعرهم تجاه الحجاج .
5- كثرة أعداء الحجاج: فما من أحدٍ - فيما أعتقد - حارب كل الطوائف والفرق مثلما فعل الحجاج. لقد حارب الحجاج - من أجل وحدة الأمة - كل الأطياف السياسية (بلغة العصر): حارب الحجاج الخوارج، وحارب السبئيين، وحارب الباطنية، وحارب الزبيريين، وحارب الطامحين الذين رأوْا الفتن تنشب هنا وهناك؛ فسوّلت لهم أنفسهم أن يتطاولوا للخلافة، ولو أدى ذلك إلى تمزيق الأمة، إلى دويلات ماداموا ينالون حكم جزءٍ منها.
6- من أجل هذه العداوة الشاملة للحجاج جاءت الأخبار والمبالغات، بل والافتراءات ضده من كل الإخباريين، فلا تجد إخباريًّا أو مؤرخًا إلا وله ثأر عند الحجاج.
7- وظل هذا الطوفان من أخبار الحجاج يزداد، ويربو حتى حجب كل فضائل الحجاج ومآثره، سواء فضائله الشخصية أو أعماله ومآثره في غير مجال الحرب، وعن هذا وجدنا إمامًا جليلاً مثل الإمام الذهبي يقول في ترجمته: "وله حسناتٌ ولكنها مغمورة في بحر ذنوبه".
ولكن مع كل هذا يبقى عِلم أسلافنا الأولين أفضل وأقوم، فهو بين أيدينا بسنده، نعرف رواته، ونعرف الذين دوّنوه، فنستطيع - بشيء من الجهد - أن نصل - إلى حد كبير - إلى التمييز بين الصحيح والسقيم من الروايات، ونتحفظ على أهواء المؤرخين وانحيازهم.
ولكن الذي لا علاج له، أن يصل قلم أديب من أبناء عصرنا إلى أن يفسِّر أعمال الحجاج وقسوته مع ابن الزبير بأنه كان يسعى لمجد نفسه، وليرفع خسيسة أصله، ولينجو من وضاعته؛ حتى يصير جديرًا بإمارة من إمارات الدولة.
يفسِّر عمل الحجاج بهذا التفسير، فيتدسس إلى نفسه، ويصل إلى طويّته، ويدخل إلى قلبه، ويكشف نيته، ويصوّره بهذا السوء، ويعرضه على عامة الناس مجسَّدًا في شخص ممثل قدير، يؤكد هذه المعاني بملامح وجهه، وحركات يديه، ونظرات عينيه؛ فيرى الناس خبث الحجاج مجسدًا مشهودًا ناطقًا، لا يعنيه في سبيل الحصول على إمارة العراق أن يقتل ابن الزبير ومن معه، وأن يرمي البيت الحرام بالمنجنيق!!
ومتى يحدث هذا؟ في فجر الإسلام!! في خير القرون، في عصر الصحابة والتابعين.
إذا كنا قد فعلنا بأنفسنا هذا مبكرًا، فلا حرج على (بوش) أن يفعله الآن ومن أجل إمارة العراق أيضًا.. يا لَلْمفارقة!!
التاريخ يقول غير هذا





2

أعني أن التاريخ الصحيح نقلاً وعقلاً لا يقول: إن الحجاج كان خبيث النية، سيئ الطوية، قتل الزبير ومن معه، وضرب الكعبة بالمنجنيق من أجل أن ينال ولاية العراق.
نعم؛ لا يقول بذلك العقلُ ولا النقل، بل واقع الأمر أن عبد الله بن الزبير - رَضي الله عنه وعن والديه - دعا لنفسه بالخلافة، فبايعه من بايعه، وقعد عنه من قعد، وعارضه وقاومه عبد الملك بن مروان، الذي استتب له الأمر في عامة أرجاء الدولة الإسلامية، فكان لابد أن يقاتل ابن الزبير بصفته خارجًا على خليفة المسلمين.
ولسنا هنا لتقييم موقف كلٍّ من عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير، ووزْن وتقدير حجج كل واحد منهما لنبين أيُّهما كان أحق بالخلافة.
وإن كان لابد أن نبادر - قبل أن يزايد علينا أحد - فنقول: إن فضل عبد الله بن الزبير لا يُجحد، ومنزلته لا تنكر، فهو أول مولودٍ للمسلمين في دار الهجرة، وقد فرح به المسلمون جميعًا، حيث قد أرجف اليهود بأنهم سحروا المسلمين حتى لا يُولد لهم ولد، وأبوه هو الزبير بن العوام، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وحواري رسول الله صَلى الله عليه وسلم، وأحد أبطال الإسلام، وكانت آثار السيوف في جسده شاهدة ناطقة ببلائه أصدق البلاء في سبيل الله ، ذاك أبوه.
وأمه أسماء ذات النطاقين، حاملة الزاد يوم الهجرة والغار ، وجدّه أبو بكر الصديق ، وخالته عائشَة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق.
ثم هو من العبَّاد الزهَّاد، المجاهدين الأبرار ، لا أحد يجادل في فضل ابن الزبير ومنزلته هذه قضية مفروغ منها. ولكن:
**هل كان عبد الملك محقًّا في قتال ابن الزبير؟ ***
أعود فأقول: لسنا هنا الآن - ولا نملك - الإجابة القاطعة لهذا السؤال. ولكن الذي نقطع به أن من قاتل ابن الزبير كان على أسوأ حالاته مأجورًا أجرًا واحدًا؛ بمعنى: أنه قاتله بنية المحافظة على جمع كلمة المسلمين، امتثالاً لأمر رسول الله صَلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح: "من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق كلمتكم، ويشق عصاكم، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان". فالذين قاتلوا ابن الزبير قاتلوه بتأويل سائغ، وبنية صحيحة؛ فإن صدق اجتهادهم، فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد. هذا عن أصل القتال.
أما ما حدث من تجاوز وإسراف، فله حكم آخر.
**عمرو بن الزبير يقاتل أخاه:***
ويشهد لما قلناه من أن القضية كانت محتملة، وفيها مجال للاجتهاد، أن عمرو بن الزبير قاد أول جيش خرج من المدينة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير. وذلك أنه عندما نجم أول أمر عبد الله بن الزبير بمكة، كان عمرو بن سعيد بن العاص واليًا على المدينة؛ فقال لعمرو بن الزبير - ويبدو أنه كان من خاصته - مَنْ رجلٌ نوجهه إلى قتال أخيك؟ فقال عمرو بن الزبير: إنك لن توجه إليه رجلاً أنكأ له مني، فوجهني إليه. فأخرج له من أهل الديوان عشرات، وخرج من موالي أهل المدينة ناسٌ كثير (...) فعسكر بظاهر المدينة يتهيأ للرحيل، فجاء مروان ابن الحكم إلى عمرو بن سعيد، فقال: لا تغز مكة، واتق الله، ولا تحل حرمة البيت، وخلّوا ابن الزبير، فقد كبر (...) والله لئن لم تقتلوه ليموتنَّ غدًا أو بعد غدٍ.
فقال عمرو بن الزبير: والله لنقاتلنَّه، ولنغزونَّه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم (...) فأرسل إلى أخيه عبد الله: برَّ يمين الخليفة، واجعل في عنقك جامعة، حتى لا يضرب الناس بعضُهم بعضًا، واتق الله، فإنك في بلد الله الحرام.
تأمل!! عمرو بن الزبير يقاتل أخاه!! ويقول له: اتق الله، ولا تفرق بين المسلمين!! ويقول لعمرو بن سعيد بن العاص الأموي: لن تجد أنكأ له مني!! ويقول لمروان حينما خوفه من القتال في الحرم: لنقاتلنَّه ولو في جوف الكعبة.
فالذين اتهموا الحجاج بفساد نيته، وأنه قاتل ابن الزبير، واستحل الحرم من أجل أن يكون أميرًا على العراق، هل يستطيع هؤلاء أن يقولوا ذلك عن عمرو بن الزبير؟ وقد فعل نفس ما فعله الحجاج!!
أجزم بأنهم لا يمكن أن يقولوا ذلك، لا تورّعًا عن اتهام عمرو بن الزبير في نيته فقط، بل لدليل قاطع لا يجدون له دفعًا، فقد ثبت أنه حين حضرت الصلاة قبل أن ينشب القتال بين ابني الزبير، حينما حضرت الصلاة تقدم عمرو بن الزبير فأم الناس، وصلى وراءه أخوه عبد الله ابن الزبير. فهل كان عمرو بن الزبير فاسد النية، يتوصل بالقتال في الحرم إلى الحظوة والمنزلة عند بني أمية؟؟
إن قلتم ذلك، فقد اتهمتهم عبد الله بن الزبير أيضًا، فكيف يصلي وراء فاسد النية الذي يبيع دينه بدنياه، كيف يصلي خلف من يقول: سنقاتله ولو في جوف الكعبة!!؟
قلتُ: لسنا هنا (الآن) للنصل بين ابن الزبير وعبد الملك في استحقاق الخلافة، ولا في الحكم على أعمال الحجاج وقتله وقتاله، ولكن كل همُّنا أولا: براءة الحجاج من فساد النية والاستهانة بحرم الله.


3

الحجاج ...وضرب الكعبةَ بالمنجنيق
صار كل من يكتب في التاريخ في عصرنا هذا يذكر ضرب الحجاج للكعبة بالمنجنيق، ويخرج هذا القول مخرج الخبر الثابت الذي لا شك فيه، ومن هنا لا يكلف نفسه بمناقشة الخبر، والنظر في صحته أو سقمه، بل صار هناك منهج عجيب، يجعل شيوع الخبر على ألسنة العامة دليلاً على صحته، وعلى هذا المنهج جرى معظم الأدباء حينما يتناولون التاريخ بأسلوب القصة أو المسرحية ، ولذا رأينا قضية ضرب الكعبة بالمنجنيق - لبشاعتها - مجالاً للتصوير بأقلام الأدباء، والتلوين ببراعتهم وفنهم، ويُعرض هذا بأبلغ صوره، وأفظع هيئة على المشاهدين، فتقشعر لها الأبدان، وتغلي النفوس، ويبوء الحجاج بما يستحقه بسبب هذا الجرم الشائن، وهو بالقطع بريء من هذا.
شيخ الإسلام ينفي هذا
يقول شيخ الإسلام بن تيمية: "ومن قال إن أحدًا من خلق الله قصد رمي الكعبة بمنجنيق أو عذرة، فقد كذب، فإن هذا لم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام، والذين لا يحترمون الكعبة كأصحاب الفيل والقرامطة لم يفعلوا هذا، فكيف بالمسلمين الذين يعظمون الكعبة!! ولما قُتل ابن الزبير، دخلوا بعد هذا إلى المسجد الحرام، فطافوا بالكعبة، وحج بالناس الحجاجُ بن يوسف ذلك العام، وأمره عبد الملك بن مروان ألا يخالف عبد الله بن عمر في أمر الحج، فلو كان قصدهم بالكعبة شرًّا، لفعلوا ذلك بعد". انتهى كلام شيخ الإسلام بنصه.
وهذا هو الكلام الذي يقتضيه عقل العقلاء المنصفين، ولا يُمليه تحامل المتحاملين، وبغضاء المبغضين.
فلو قصد الحجاج الكعبة بالمنجنيق، وضربها من هذا الارتفاع الشاهق، من فوق جبل أبي قبيس، فهل كان يبقى منها حجر فوق حجر - والعياذ بالله - وهل يقبل العقل أن مسلمًا يصلي الخمس مستقبل القبلة يفعل هذا ؟ ولو فرضنا جدلاً أن الحجاج انسلخ من الدين - حاشاه - وأراد بالكعبة شرًّا، فهل كان جنوده وأركان حربه كلهم مثله؟ أيقبل عقل عاقل أن يرتد عن الإسلام جيش الحجاج بكامله، فلا يوجد فيهم من يصيح في وجه الحجاج: ويلك يا عدوَّ الله؟ أم تراهم كانوا خانعين خاضعين أذلاء يضربون الكعبة التي يعظمونها ويصلّون إليها ولا يستطيعون أن يقولوا للحجاج: لا ؟ أيصح هذا في عقل عاقل ؟؟
سيقول قائل: ولكن المنجنيق قد نصب، والضرب قد حدث، فهل تنكرون ذلك؟؟
ونقول: فرقٌ كبير، وبونٌ شاسع بين أن يقال: نصبت المنجنيق لضرب ابن الزبير، وأن يقال: نصبت لضرب الكعبة. فرق كبير وبون شاسع بين أن يقال: ضرب الحجاج معسكر ابن الزبير بالمنجنيق، وأن يقال: ضرب الكعبة بالمنجنيق.
وشاهدٌ من مآسي عصرنا..
في فجر اليوم الأول من المحرم سنة 1400هـ فوجئ المصلُّون بجماعة تبايع شخصًا بين الملتزم والحجر الأسود على أنه المهدي المنتظر، ورفعوا السلاح، وغلقت أبواب الحرم، ودوّى الرصاص في أرجائه، ونادى هؤلاء المعتصمون بالحرم كل الحكام والمسؤولين بالسمع والطاعة والبيعة لهذا (المهدي)!!!
وكان ما كان من حصار هؤلاء في داخل الحرم، واستخدام أفانين وضروب من الأسلحة لفك أسر الرهائن من المصلين والطائفين الذين أغلقوا عليهم أبواب الحرم أولاً، ثم لتطهير الحرم منهم ثانيًا.
كان ما كان مما تقشعر الأبدان لذكره!! فهل يقول قائل: إن الحكومة قصفت الحرم بالقنابل، وأحرقته بالغازات، وهدمته بالدبابات؟؟ حاشا لله!!
هذه حادثة عشناها، ورأيناها، وأحاط الجميع بها خبرًا، وهي تشبه واقعة ابن الزبير تمامًا، فكلاهما لاذ بالحرم، وكلاهما لقي مقاومة من السلطان حتى استسلم ، وفي الحالين كانت دماء وقتلى في داخل الحرم ، فلماذا موقف الحجاج وحده يفسَّر بأنه عدوان على الكعبة بالمنجنيق؟؟ ولماذا هذه البشاعة في تصوير موقف الحجاج؟ واتهامه بكائنةٍ لا تكون من مسلم يقول:لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، هل أدمنَّا جَلْد ماضينا؟ هل صار تشويه تاريخنا متعة لنا، وملهاة نتلهى بها عن واقعنا البئيس ؟ ثم هل من حق من يتناول التاريخ في عمل أدبي أن يخترع أحداثًا لم تكن؟؟