المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التخطيط الاستراتيجي للتعليم المستمر


Eng.Jordan
11-15-2012, 05:41 PM
حمل المرجع من المرفقات




-----------------






علي المضواح


تعريفات التخطيط والتخطيط التعليمي:

المعني اللغوي للتخطيط:
هو إثبات لفكرة ما بالرسم أو الكتابة وجعلها تدل دلالة تامة علي ما يقصد في الصورة والرسم وهو أيضاًُ التسطير والتهذيب والطريقة . (ابن منظور،2003)

أما في المعنى الاصطلاحي:
فإن هذا يعود إلى المقترن بعملية التخطيط ولمن هذا التخطيط ومن خلاله تظهر الفروق وتتباين التعريفات، ولكنها تجمل في نهاية المطاف بعملية معدة لها أهدافها ومعطياتها، ومداها، ومن تعريفات التخطيط بشكل عام ما يلي:
"التخطيط هو مجموعة العمليات الذهنية التمهيدية القائمة على اتباع المنهج العلمي والبحث الاجتماعي وأدواته التي تستهدف تحقيق أهداف معينة محددة وموضوعة بقصد رفع المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو هذه المستويات جميعا بما يحقق سعادة الفرد ونمو المجتمع" (فهمي، 2000).

ويمكننا تعريف التخطيط عموما بأنه رسم الصورة المستقبلية للمجتمع وذلك من خلال تحديد العمل الذي ينبغي إتباعه لتحقيق أهداف معينة في فترة زمنية معينة .

أما التخطيط التربوي فإنه يعرف بناء على العملية التربوية ومعطياتها وأهدافها كما ذكرنا فيما مضى، فهو يعرف بأنه "مجموعة من التدابير التربوية المحددة التي تتخذ من إنجاز أهداف معينة" (بركات،1948).

وهذه العملية تنطلق من منطلقات تحددها طبيعة المجتمع وما يصبوا إليه وكذلك طبيعة التحديات المواتية للعصر على مختلف الصعد فتنتج الأهداف بناء عليها.
ولأن حديثي سيركز على التخطيط التعليمي والتعليم يعتبر جزء لا يمكن فصله عن التربية ، فجدير أن نقف على تعريف التخطيط التعليمي.ونشير إليه في سياق هذه التعريفات :
يعرف التخطيط التعليمي بأنه"العملية المتصلة المستمرة التي تتضمن أساليب البحث الاجتماعي ومبادئ وطرق التربية وعلوم الإدارة والاقتصاد والمالية ، وغايتها أن يحصل التلاميذ على تعليم كاف ذي أهداف واضحة وعلى مراحل محددة تحديدا تاما ، وأن يمكن كل فرد من الحصول على فرصة تعليمية ينمي بها قدراته وأن يسهم إسهاما فعالا بكل ما يستطيع في تقدم البلاد في النواحي الاجتماعية والثقافية والاقتصادية" (فهمي،2000)


أهمية التخطيط:

يتسم هذا العصر بكثرة تعقيداته وكثرة العوامل المؤثرة على مختلف نشاطاته وهذا يحتم علينا الأخذ بعين الاعتبار التخطيط كمخرج من هذه التعقيدات، وطريقة علمية تحقق لنا الكثير من الفوائد وتجنبنا الكثير من المشكلات وقد ذكرنا فيما سبق أن التخطيط للعملية التربوية يقوم بناء على منطلقات تحددها البيئة المحيطة بشتى مجالاتها وتبنى عليها أهداف الخطة وطريقة التعامل معها ومدى التعامل .

وقد يمكن إجمال أهمية التخطيط فيما يلي:
أ‌- تحديد مسارات العمل في مجالاته المختلفة .
ب‌- اختصار الوقت والجهد في عملية التنفيذ .
جـ- اختصار الزمن في عملية التطوير .

ولكن بالنظر عن قرب والتركيز على العملية التعليمة يمكننا أن نشير إلى بعض العناصر التي قد تشكل مواطن الأهمية لعملية التخطيط التعليمي عموما ومن هذه المواطن:

1- دراسة الواقع وتشخيص مشكلاته وإيجاد التناسق بين العملية التعليمية ومتغيرات المجتمع.
2- مواكبة التنمية الشاملة والإسهام فيها.
3- التنبؤ بالمستقبل وإعداد الخطط طويلة المدى .
4- متابعة العملية التعليمية وتطويرها .
5- الترشيد في الصرف على التعليم وسد مواطن الهدر .
6-استثمار الوقت الاستثمار الأمثل المبني على التسلسل والتوزيع الملائم لطبيعة العمل.
7- إيجاد الانسجام بين التعليم والمجتمع وسد الفجوة فيما بينهما .
8- تحقيق التكامل في العملية التعليمية بمختلف تفرعاتها.
وهذه الأهمية تمهد لخطة تستشف أهدافها من أهميتها وتبني عليها مراحلها ومواردها، لتسهم في مواجهة التحديات بأفضل الطرق وفق الإمكانات المتاحة.
ولأن عملية التخطيط تركز على الأهداف كقاعدة تقوم عليها أركان الخطة فسنتطرق إلى أهداف التخطيط التعليمي ومدى انسجامه مع الخطط الأخرى التي تشكل في النهاية عملية التنمية والتي سأتحدث عنها بشيء من التفصيل في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.




أهداف التخطيط التعليمي:

التخطيط بمفهومه الشامل يهدف إلى تحقيق أهداف أعدت لها الخطة وبما أن هذه الأهداف تتنوع وتتباين مجالاتها فإن هذا يحتم علينا تنوع وتباين أهداف التخطيط بناء على أهدافه، وبما أن تركيزنا هنا على التخطيط التعليمي بوجه الخصوص، فمن الجدير بنا أن نشير إلى أن التعليم يعتبر العمود الفقري لعملية التنمية، ولا ينفك عنها بل هو مصنع إعداد الكوادر المؤهلة لحمل هم التنمية على عاتقها ، والتنمية منظومة متكاملة من العمليات التي تلامس وتهم المجتمع بكل زواياه وأركانه ، وهي تتنوع مابين سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وهذا يقرن أهداف التخطيط التعليمي بكل جزء منها لأنه في النهاية يسهم بشكل كبير في صياغة هذه العوامل وتطويرها وربما تغييرها.



ويمكننا تلخيص أهداف التخطيط التعليمي فيما يلي:

الأهداف الاجتماعية للتخطيط التعليمي:

1- المحافظة على التقاليد السامية وتعزيزها في المجتمع.
2- تحقيق مبدأ الديمقراطية في التعليم وتحقيق تكافؤ الفرص للرجال والنساء على حد سواء.
3- توفير ما يحتاجه العمل من الكوادر البشرية والقوى العاملة.
4- تطوير المجتمع وجعله مجتمعا مواكبة للتطور والتغيرات.(فهمي،2000)


الأهداف السياسية في التخطيط التعليمي:

1- تنمية الروح الوطنية بين أفراد المجتمع
2- زيادة الانسجام والتفاهم بين ألأفراد والشعوب
3- تكوين كيان قوي للدولة بين الشعوب
4- الالتزام بقوانين الدولة والعمل على التماشي مع كل ما يخدم المصلحة العامة للدولة.


الأهداف الاقتصادية للتخطيط التعليمي:

1- زيادة الإنتاجية للفرد وبالتالي للقوى العاملة ورفع كفاءة الأداء
2- المساهمة في تطوير القدرات بغرض التحسين من العملية الاقتصادية للبلد ومجاراة التطور الحديث.
3- التغلب على مشكلة البطالة الحقيقية والمقنعة.
4- فتح مجالات جديدة للبحث العلمي الهادف لتنمية الاقتصاد.
5- حسن استغلال المقدرات وترشيد الصرف وفق الحاجات.
الأهداف الثقافية للتخطيط التعليمي:

1- الاهتمام بالبحث العلمي والمساهمة في نشره يعد تدعيما للثقافة في المجتمع.
2- القضاء على الأمية بشتى مظاهرها.
3- المساهمة في رسم صورة ثقافية للمجتمع تتعاطى مع متغيرات العصر.
4- إيجاد نوع من الانسجام والتفاهم مع الثقافات الأخرى.
5- تنويع مصادر الثقافة ، وطرقها وفقا للإمكانات المتاحة والمناسبة لخدمة العملية التعليمية.



أنواع التخطيط:

اختلفت تصنيفات المهتمين بالتخطيط حول أنواعه وهذا الاختلاف يرجع إلى اقتران عملية التخطيط بمعطيات أخرى تختلف في مجالاتها، وبالتالي تنتج لنا أنواعا مختلفة من التخطيط، لا ينبع ختلافها إلا من خلال المقترن بها.
ويمكننا استقاء أنواع التخطيط وفقا للمعطيات التالية:

1- المجال :

والمجال هنا يقصد به مجال عملية التخطيط الذي يؤطر الخطة وتدور في فلكه. ومن هذه المجالات: المجال الاقتصادي ، والمجال الاجتماعي، والمجال الثقافي ...الخ)

2- التخصص :

وهو يركز على تخصيص المجال فقد يكون تعليميا وقد يكون صناعيا وقد يكون زراعيا ...ألخ)
3- البعد الزمني :

ونقسم التخطيط من خلال بعده الزمني إلى ثلاثة أقسام:
أ-تخطيط قصير المدى. (في حدود السنة)
ب_ تخطيط متوسط المدى. ( سنة – 5 سنوات )
ج_ تخطيط طويل المدى. (10 سنوات – 20 سنة) وهذا ما يطلق عليه التخطيط الاستراتيجي.

4- النطاق الجغرافي :

وهنا يركز على المساحة التي يغطيها هذا التخطيط وهل هي خطة شاملة للدولة ، أم خطة جزئية لإقليم معين.



شروط التخطيط:

حتى نصل بالخطة إلى المستوى المنشود الذي يحقق لنا الأهداف ويقودنا إلى التطلعات لابد من مراعاة الشروط التالية :
1- أن تحقق الخطة الأهداف الموضوعة من أجلها.
2- مراعاة الاعتدال في الأهداف.
3- الواقعية في الخطة.
5- مراعاة الأولويات عند تنفيذ الخطة
6- أن تحقق الخطة عنصر المرونة.
7- أن تكون الخطة متوازنة وفق حدود الإمكانيات
8- عدالة التوزيع للميزانية ( التوزيع حسب الاحتياج )
9- أهمية التطوير للخطة
10- أن يراعي البرنامج التنسيق بين المعنيين بتنفيذه.( الحربي،2003).


المبحث الثاني : التخطيط الاستراتيجي للتعليم المستمر:


أشرنا فيما مضى أن من أنواع التخطيط ما يسمى بالتخطيط الاستراتيجي وهذا النوع من التخطيط هو النوع الملائم لعملية التعليم المستمر ، وهذا دون شك ينبع من المدى الطويل للعملية التعليمية المستدامة، والتي تحتاج لمثل هذا النوع من التخطيط كي تستطيع مواكبة المتغيرات التي تعد المنطلق الأهم لاستمرار عملية التعلم.
وبناء عليه فإنه من الجدير بنا أن نعرج على بعض الأساسيات في التعليم المستمر وخصائصه وفلسفته في خدمة المجتمع ، ثم التعرف على التخطيط الاستراتيجي وتطبيقاته في التعليم المستمر، وخصائص الخطة الجيدة.



أولا: التعليم المستمر وخدمة المجتمع:
وُسِم هذا العصر بعصر السرعة فكانت هذه الصفة قاصرة في وصفه ، فقيل هو عصر الانفجار المعرفي فكانت سمة لا تمثله كما يجب ، وحقيقة فأنا لا أجد له تعريفا يمثله خير تمثيل إلا أنه عصر السباق إلى المجهول عبر الغد ، فهو عصر تسارعت فيه عجلة التنمية على مختلف الصعد تسارعا مريعا يدق أجراس الخطر ، محذراً من أن عجلة التنمية كما ترقى بالأمم إلى القِمم ، فقد تسحق المتأخرة منها ناهيك عن الجامدة . ومن الجمود الذي أقصده جمود التربية والتعليم واقتصاره على مراحل روتينية كما لو كانت قوالب ثلج تنتج في الشتاء كما في الصيف ، وفي الليل كما في الهجير . متجاهلة بذلك العوامل المحيطة ، والمؤثرة المتنوعة بتنوع الزمان والمكان والمؤثر ذاته .
ولعل الأمم الجامدة في تربيتها وتعليمها واهتمامها بالفرد الذي ينساب ضمن النسق الإنساني المتكامل هي التي أغفلت جانب التجدد وتغاضت عن عامل السرعة حتى تراكمت عليها كل هذه الإشكالات من تخلف في مختلف المناحي ، وعلى النقيض من ذلك فتلك الأمم التي تنبهت للتجدد وعامل السرعة وسعت سعيا حثيثا لأخذ مكان آمن على هذه العجلة تتعهده بالصيانة في كل حين هي التي تقدمت وتطورت وقادت العالم بقدر ما لديها .

1-مفهوم التعليم المستمر :

إن مفهوم التعليم المستمر ليس مفهوما جديدا ساقته لنا التربية الحديثة بل هو مفهوم قديم قدم الحضارات ، كما أنه أمر ملازم للديانات السماوية ، إذ نادت بالتربية المستمرة ضمانا لانتشارها بين الأجيال المتعاقبة ، وبقائها في العصور المتعاقبة .
وللتعليم المستمر عدة مصطلحات تطلق عليه منها:
" التربية مدى الحياة " Lifelong Education و التربية المستمرة Continuing Education و" التربية الدائمة " L'Education Permanente و " التعليم المستمر" Continuous Learning . وكل هذه المصطلحات تتفق على أن التربية عملية مستمرة لا تقتصر على مرحلة معينة من العمر ، أو تنحصر في مرحلة دراسية محددة ، متلاحمة مع سياق الحياة.
ومما قاله "جون ديوي" في هذا النوع من التعلم: - إن التعلم الحقيقي يأتي بعد أن نترك المدرسة ، ولا يوجد مبرر لتوقفه قبل الموت-.(بركات،1988)


2-التعليم المستمر عبر التاريخ:


لقد نادت الحضارات القديمة والديانات السماوية بفكرة التربية المستمرة كمطلب وضرورة لاستمراريتها وتعاقبها عبر الأجيال ، وقد كانت التربية في المجتمعات البدائية تهدف بشكل أساسي إلى تنمية القابلية لمعطيات العصر إذ كانت تعيش على نمط معين من التعليم في المراحل الأولى من العمر تكمن أهدافه الأساسية في معرفة مبادئ العيش وحفظ النفس والدفاع عنها من الأخطار التي قد تحيط بها، وقد نحت العملية التعليمية في ذلك الوقت منحى يرتكز هدفه الرئيس في مواجهة الحياة والتغلب على مصاعبها والبحث عن المطالب الأساسية للعيش بشكل يحاكي فيه الشباب الكبار في أعمالهم من حيث استخدام السلاح ، وتعلم فنون الصيد وركوب الخيل وبناء المسكن وتوفير الغذاء ، وهي أمور لها الاستمرارية التي لا تنقطع لضرورتها في استمرار الحياة ذلك الوقت .
وبعد أن أصبحت المدارس مؤسسات تهدف إلى نقل مفردات التراث الثقافي والمادي لم تكن تختلف كثيرا عن التربية والتعليم ي الحياة البدائية للإنسان من حيث المنهج الذي كان يهدف إلى نقل التراث من قيم وعادات ومهارات من الأجداد إلى الأحفاد ، فنجد أنه في التربية اليونانية يتم إعداد المحارب إعداداً خاصاً بعد الدراسة الأولية وذلك بتدريبه على عدة أمور في مجاله.
أما عند الصينين فقد كان لزاماً على من يروم ارتقاء المناصب العلية أن يجتاز جملة من المراحل التعليمية والتربوية البالغة الدقة والصعوبة فيما يتعلق بالتاريخ الصيني وخاصة الكونفوشية ، وقد يستغرق مروره بهذه المراحل جزءا ليس باليسير من مراحل حياته ، وعلى الموظف الاستمرارية في التعلم ومن الأقوال المأثورة والمأخوذة من بعض الكتابات القديمة في القرن الثاني الميلادي " إن العقلاء يبحثون عن المعرفة كأنهم لن يموتوا أبداً ، أو لن يشيخوا، ويحصلون على الفضل كأنهم سوف يموتون غداً" وهو أيضا قول مأثور عن أحد الصحابة رضوان الله عليهم .
وهكذا تستمر التربية المستمرة أو التعليم المستمر في المسيرة عبر التاريخ مرتدية ثوب الزمان الذي تعاصره ، حتى تصل إلى فجر الحضارة الإسلامية التي جعلتها أساسا من أسسها ، فنجد أن الدين الإسلامي الحنيف وما تبعه من حضارة ملأت الشرق والغرب وبثت النور في كل نواحي الظلمة والظلام ، قد دعا إلى فكرة "التربية المستمرة" _ اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد _ وقد كان التركيز على النمو في مجالات العلم والثقافة جليا وواضحا ، فالعلم يعد من أهم دعائم الدين وطلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة ، وهو فرض لا تحده الزمكانية .
وقد أكد الدين الإسلامي على ضرورة التعليم المستمر في حياة المسلم لمواجهة تحديات الزمان والوصول إلى أرقى مراحل الإيمان وتحقيق قول المولى عز وجل " إنما يخشى اللهََ من عباده العلماء " وبذلك يشير الله تعالى في كتابه الكريم " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " " وقل ربي زدني علما" " وفوق كل ذي علم عليم" .
كما أشارت إلى ذلك السنة النبوية المطهرة في مواضع مختلفة : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد " " طلب العلم فريضة على كل مسلم مسلمة " " من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقا إلى الجنة " وكل هذه الأحاديث الحاثة على طلب العلم غير محدودة بزمان أو مكان ، مما يدل على ضرورة استمرارية التعليم لما تحققه من تمكين للفرد في حفظ دينه ودنياه فيعمل لدنياه كأنه يعيش إلى الأبد ولآخرته كأنه يموت غداً ، وفي استمرار التربية والتعليم ضمان لاستمرارية القيادية والتقدم والوقوف خلف مقود السفينة بكل تمكن للوصول بكل آمان .
ولمعرفة سر اهتمام التربية الإسلامية بالتعليم المستمر يجب علينا أن ننطلق من الصفات الخاصة التي تميزت بها هذه التربية وهي :
1- التربية الإسلامية تربية مطلقة : من حيث الزمكانية ، فهي ليست محصورة بمرحلة عمرية معينة ولا حقبة زمنية محددة ، بل ممتدة من المهد إلى اللحد ، وهذا الأمر هو ما تدعو إليه التربية المعاصرة وتضعه ضمن أولوياتها ، والمكان مطلق " اطلبوا العلم ولو في الصين" " الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها "
2- تربية تتلاءم مع تغيرات نمو الأفراد وأعمارهم : ففي مرحلة الطفولة تختلف الأساليب في التربية عن الأساليب المستخدمة مع الأعمار الأخرى كما تختلف مع نفس الأعمار في الأجيال المختلفة وفقا للظروف المحيطة ، فنجد الرسول صلى الله عليه وسلم يبين ذلك في قوله " إنهم خلقوا لزمان غير زمانكم " .
3- تربية تستهدف تكوين المجتمع : فهي تحث أفراد المجتمع على التعلم وبث ذلك في المجتمع بشكل عام ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة " إشارة إلى ذلك ،ولا يفوتنا التأكيد على أن التعلم يشمل المعلم والمتعلم على حد سواء كي تتحقق القدرة على مواكبة التغيير ، وبناء المجتمع المتقدم .
4- تربية شاملة للإنسان : لا تفرق بين من هو صغير أو كبير ، ذكر أو أنثى ، سليم أو معاق ، فهي أمر مطلق ، كانت لدى الكتاتيب وفي الجوامع والمساجد وعند العلماء والوراقين والأسواق وغير ذلك ، وكذا لم تغفل التربية الإسلامية نصيب المرأة من العلم والتعلم يقول الله تعالى " تعلمونهن مما علمكم الله " ويقول الرسول صلى الله عله وسلم " ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم" .
من كل ما سبق نخلص إلى أن التعليم المستمر راسخ في رواسخ حضارتنا الإسلامية نادت به لكل أفراد المجتمع دون تفريق ، وما التسميات الحديثة من تربية مستمرة أو دائمة أو متواصلة إلا فكر قديم بثوب معاصر وجديد.
أما في العصر الحديث فالتربية المستمرة أو التعليم المستمر يعود بجذوره إلى المفكر كومنيوس الذي نادى في كتابه "فن التعليم الأكبر" إلى تربية عامة لكل المهنيين وجميع طبقات المجتمع لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة ولا غني وفقير ، لأن في ذلك تحرير لهم من السلبية ، وزيادة لإنسانيتهم التي تنمو بالعقل والفكر والعمل. وقد رفع كومينوس شعارا يردده التربويون وهو " تعليم الكل للكل بشكل كلي ".
وفي الوقت الحاضر نضجت فكرة التعليم المستمر واتضحت مفاهيمه على المستوى العالمي وها هي الدول تسعى إلى إيجاد الإمكانات المناسبة التي تخدم هذا التعليم وتلبي متطلباته إيمان منها بقيمته في مواجهة هذا العصر الذي يوصف أقل ما يوصف أنه انفجار معرفي وعصر سرعة ، لذا نرى بعض نماذج الجامعات المفتوحة والدراسة عن بعد وعن طريق المراسلة والتدريب المستمر لمن هم على رأس العمل ...الخ ) وما إلى ذلك من سبل تحقق أهداف هذا التعليم التي تسعى إلى مواكبة التنمية والتطور السريعين .
ولعلنا نتطرق لاحقاً بشيء من الإيضاح إلى أهداف " التعليم المستمر" والتي تتقولب بقالب خدمة المجتمع وتنصب في هذا المجال .


3-خصائص التعليم المستمر:

إن التعليم المستمر يستند على عدد من الخصائص التي جعلت له أهمية قصوى تميزه وتعزز من مكانته في سبيل التعاطي مع ما تعيشه المجتمعات ، وهذه الخصائص تتمحور في خمسة أركان هي:
1) الكلية أو الشمولية "Totality ": وهذا يعني أنها تشمل جميع مراحل الإنسان من المهد إلى اللحد ، وجميع أنواع التعلم الرسمية وغير الرسمية.
2) التكامل ""Integration : ويقصد به التكامل بين جميع مصادر المعرفة والتربية من البيت والمجتمع والمدرسة ومراكز التدريب وغيرها مما يشكل عملية التعلم والتربية.
3) المرونة"Flexibility": متماشية مع متغيرات العصر ومتطلباته في ما يعلم، وكيف يعلم؟ ولم يعلم؟، تؤمن بضرورة التغيير لوجوده أصلا.
4) الديمقراطية"Democratization": تؤكد على حق جميع الناس في التعلم بغض النظر عن الفروق الاقتصادية الاجتماعية الثقافية والعقلية، فهي تربية للجميع.
5) تحقيق الذات"ٍSelf-fulfillment" : أي أن هذه التربية أو التعليم تسعى لأن يكون الفرد محققا لذاته ومطورا لها ليعيش عيشة متناسقة مع ما يفرضه المجتمع والعصر ، تكيفه مع العوامل المحيطة وتفتح المجال له للإبداع ، وكل ذلك ينعكس في النهاية على مجتمع متقدم متطور تبعا لتقدم وتطور أفراده.


4-أهداف التعليم المستمر:

إن أهداف التعليم المستمر لا تعتبر أهدافاً نهائية بل هي أهدافٌ تتجدد وتتغير وفقاً لتجدد وتغير تطلعات الإنسان وقدراته وظروفه المحيطة ، و من الأهداف ما هو قريب ومنها ما هو بعيد وهما على صلة فتحقيق البعيد يتطلب تحقق القريب . لكن يمكننا أن نقف عند الخطوط العريضة من هذه الأهداف والتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بمتغيرات العصر ،ونحن نقف أمام متطلبات جمة يجاهد فيها الفرد ليلحق بركب التقدم ويبقى ضمن تيار التطور المنطلق بسرعة الريح .
ولعل الهدف الأسمى من التعليم المستمر هو خدمة المجتمع ، والأخذ به إلى مصَاف المجتمعات المتقدمة المواكبة لمراحل التنمية في مختلف المجالات ، ومن أهداف هذا التعليم أيضاً:
§ إعادة فحص الأفكار وأنماط السلوك السائدة في المجتمع ، بناء على المشكلات الجديدة وتحديد ما تتطلبه عناصر التغيير التي طرأت والسعي إلى تحقيقها .
§ تضييق الهوة الثقافية الناتجة عن اختلاف السرعة بين النمو المادي والنمو الحضاري في جوانب الحياة الاجتماعية .
§ التوفيق بين القيم والاتجاهات القديمة و متطلبات العصر الجديد .
§ مواجهة ما ينتج من مشكلات ناتجة عن التغيير الاجتماعي السريع .