المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في قضية الهاشمي ..عراق جديد يتشكل


تراتيل
01-19-2012, 09:44 PM
اسلام أون لاين
كتبه : إياد الدليمي

ربما هي المرة الأولى التي تعمد فيها الحكومات العراقية التي تشكلت عقب الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 لإصدار قرار بمنع نائب الرئيس من السفر مع مطالبته بتسليم نفسه، أو بتبرئتها، كما خففت اللهجة بعض وسائل الإعلام العراقية، خلال يومين، ثم إصدار مذكرة اعتقال بحقه، فعلى الرغم من كثرة المشاكل التي عصفت بها رياح الاختلاف والتقاطع بين مختلف طيف العملية السياسية التي تشكلت في العراق عقب الاحتلال، إلا أنها المرة الأولى التي تصل فيها سكين الخلاف إلى واحد من أكبر تلك الرؤوس التي لعبت دورا أساسيا في العملية السياسية منذ انطلاقتها عقب الاحتلال.

الهاشمي ... داخل العملية السياسية..وخارجها

نقرأ في خلفية دخول طارق الهاشمي إلى العملية السياسية الآتي: بعد ما قيل عن ضعف الأداء السياسي لامين عام الحزب الإسلامي العراقي، الدكتور محسن بعد الحميد، وبعد أول انتخابات قام بها الحزب عام 2004 اختير الهاشمي ليكون أمينا عاما للحزب، ومنه دخل العملية السياسية وتولى منصب نائب رئيس الجمهورية عقب انتخابات عام 2005 ، وجدد له كنائب للرئيس عقب الانتخابات الأخيرة.

وطيلة السنوات الماضية تميزت علاقة الهاشمي برئيس الحكومة نوري المالكي بالمد والجزر، وكانت في أغلب الأحيان لا تميل إلى السكون، فهي بين عاصفة وأخرى تتبعها مشادات واختلافات وصلت إلى التهديد بالانسحاب من العملية السياسية برمتها، قبل أن يغرد طير الهاشمي خارج الحزب الإسلامي قبيل الانتخابات الأخيرة ليشكل حركة " تجديد" التي دخلت ضمن تحالف موسع مع القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي وهي القائمة التي حصدت نحو 91 مقعدا في الانتخابات التي جرت عام 2009 .

كثيرا ما كان يتهم الهاشمي من قبل خصومه بأنه داخل وخارج العملية السياسية، ولعل تصريحات العديد من قادة ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي بهذا الخصوص أكثر من أن تعد أو تحصى، حتى قال أحدهم في إحدى اللقاءات التلفزيونية بان الهاشمي له قدم في العملية السياسية وأخرى مع الإرهاب.

لا يصح أن يقرأ المشهد العراقي الحالي بعيدا عن خلفياته، كما لا يمكن قراءته أيضا بعيدا عن أبعاده الإقليمية وما يجري في الساحة العربية التي تشهد ثورات متتالية، وبالأخص منها ما يجري في سوريا من ثورة تطالب بتغيير النظام، النظام الذي له علاقات شائكة ومعقدة، جعلت عملية إزاحته تبدو وكأنها عملية ولادة قيصرية متعسرة.

كما لا يمكن أن نقرأ تداعيات ما يجري في الساحة العراقية بعيدا عن الانسحاب الأمريكي من العراق وفقا لاتفاقية " صوفا " الموقعة بين بغداد وواشنطن، ناهيك عن الزيارة المثيرة للجدل التي قام بها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قبل أسبوع إلى واشنطن ولقاءه مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

حكومة المالكي ..وقت الحساب

تبدو عملية إصدار مذكرة منع سفر بحق نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي بعد يومين فقط من إكمال القوات الأمريكية انسحابها من العراق وبعد ثلاثة أيام من عودة المالكي من واشنطن، وكأنها رسالة مفخخة يراد من خلالها التركيز على طبيعة المرحلة المقبلة التي سيدخلها العراق.

ربما – من وجهة نظر البعض- تكون تلك المذكرة بداية قوية لتفعيل العمل لحكومة ظلت تعاني من أزمات واختلافات وصراعات، أدت إلى تأخر إعادة الإعمار رغم وصول ميزانية العراق إلى 86 مليار دولار للعام 2011 ونحو 100 مليار دولار للعام 2012، ناهيك عن الاختراقات الأمنية التي ظلت تتوالى، وآخرها التفجير الذي طال البرلمان العراقي قبل ثلاثة أسابيع، وما قيل انه كان يستهدف رئيس الحكومة، وبالتالي فان حكومة تعيش واقعا كهذا لا يمكن لها أن تنجز شيئا على الأرض.

ثم إن هذه المذكرة جاءت بعد أن بدأ الخوف يدب في أوصال الحكومة العراقية من نزعة الأقاليم التي أخذت تتكاثر، فبعد إقليم صلاح الدين، المحافظة السنية الواقعة شمال بغداد، والأنبار، والموصل، جاءت محافظة ديالى ، وهي ربما الحجر الذي حرك مياها راكدة ، فديالى بالنسبة للحكومة العراقية أكثر أهمية من صلاح الدين والأنبار والموصل، بحكم موقعها الجغرافي المحاذي لبغداد، وأيضا كمنفذ بري مهم بين العراق وإيران وما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على حركة التجارة بين العراق وإيران التي تجاوزت العشرين مليار دولار، بحكم وجود أغلبية رافضة لإيران ووجودها في العراق تقطن ديالى.

المالكي استشعر خطورة تلك الأقاليم المدعومة من قبل أعضاء القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي والهاشمي، ويبدو انه أراد توجيه رسالة بالغة التحذير بان السير في هذا الطريق سيؤدي بالجميع وأولهم أعضاء العراقية إلى مصير مجهول.

والسؤال هنا، إذا كان المالكي يسعى فعلا لتقوية حكومته من خلال " قص " الأجنحة غير الفاعلة والتي يشكل وجودها عرقلة لجهود حكومته، فلماذا تأخر عن ذلك في ولايته الأولى وعام ونصف من ولايته الثانية؟

تشير الأحداث إلى أن رغبة أميركية بالانسحاب السريع وتلافي ما يمكن تلافيه من خسائر إضافية، كانت قد لعبت دورا هاما في تأجيل مثل هذه القرارات، فالإدارة الأمريكية كانت تسعى لاستتباب الأوضاع في العراق بشكل لا يؤثر على تاريخ الانسحاب، وهو ما جرى ، حتى إذا ما تم الانسحاب، جاءت القرارات الحكومية وأولها منع سفر الهاشمي وأيضا طلب المالكي من البرلمان حجب الثقة عن نائبه صالح المطلق الذي وصف المالكي بأنه أسوأ ديكتاتور عرفه العراق.

غير أن طبيعة حكم المالكي خلال فترة رئاسته للحكومة الأولى وما انقضى من الثانية، تشي بان الأمور ربما أعقد من ذلك بكثير، فالمالكي أراد -على ما يبدو- أن يوصل رسالة أبعد من العراق نفسه، فهو لا يريد أولا أن تتقلص صلاحيات حكومته المركزية لصالح الأقاليم، وثانيا: يسعى لتقوية نفوذ حزبه، الدعوة، ليس على حساب الأحزاب المؤتلفة معه وحسب، من قبيل المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم، وإنما أيضا أمام خصومه في القائمة العراقية، وأبعد من العراق، يقرأ البعض في قرارات حكومة المالكي الأخيرة والتي جاءت فقط بعد يومين من الانسحاب الأمريكي، بأنه رسالة إلى الإقليم العربي المحيط وتركيا، بان مواصلة الضغط على النظام السوري تعني من بين ما تعنيه، مزيدا من التهميش للعرب السنة في العراق وخاصة أولئك الذين داخل العملية السياسية.

المالكي ، يوصف من قبل المراقبين، بأنه أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة ، وهو بالتالي ينفذ بطريقة أو بأخرى رغبات إيرانية، ومعلوم أن إيران تمثل اليوم خط الممانعة الأول بوجه رغبة الشعب السوري في إسقاط نظامه، ناهيك عن التغلغل الإيراني الكبير داخل جسد الدولة العراقية التي تشكلت عقب الاحتلال الأمريكي، حتى قيل إن الأرض للأمريكان والقرار والفعل لإيران.

الهاشمي والمطلق في نهاية المطاف، أبرز الشخصيات السنية المشاركة في العملية السياسية، وبالتالي استهدافهم يعني بالضرورة –وفقا لمنطق الأشياء- استهداف العرب السنة الذين صوتوا لهم خلال الانتخابات، بل إن الهاشمي والمطلق يعدان من أكثر الشخصيات السياسية انتقادا لأداء حكومة المالكي.

ربما يقتنع البعض بوجود أطراف متهمة داخل أفراد حماية الهاشمي ، كما ساق ذلك المتحدث باسم عمليات بغداد قاسم عطا، ولكن ما جرى لا يبدو انه محاولة لإلقاء القبض على متهمين، فالمصادر العراقية المختلفة تؤكد انه كانت هناك نية لإلقاء القبض على الهاشمي يوم الأحد 18 ديسمبر أثناء مغادرته لمطار بغداد باتجاه السليمانية في شمال العراق، غير أن اتصال الرئيس العراقي المتواجد في الإقليم الكردي بالمالكي منع ذلك، ثم ما جرى في ذات الليلة من إغلاق أجواء العراق الجوية بالكامل، وهو ما فهم منه بان المقصود من تلك المذكرة ليس منع للسفر وإنما اعتقال الهاشمي، خاصة وان القناة الحكومية العراقية بثت مساء الاثنين ما قالت أنها اعترافات لعناصر في حماية الهاشمي أكدوا أنهم قاموا بعمليات زرع عبوات ناسفة واغتيالات بعلم الهاشمي.

العملية السياسية..عرجاء

تراكمية المنعرجات والهزات التي تعرضت لها العملية السياسية في العراق باتت تهددها بشكل فعلي، فعلى الرغم بان هذه العملية ما فتأت تعاني من أزمات منذ اليوم الأول لولادتها، إلا أنها هذه المرة تبدو بلا غطاء يمنع تفككها، واقصد هنا الغطاء الأمريكي الذي طالما كان راعيا لها في محاولته المستمرة لتقديم النموذج الجديد للعراق الديمقراطي، فبعد الانسحاب العراقي، بات أمام العراقيين طريقان: إما فتح صفحة جديدة تعيد الأمور إلى نصابها من خلال توافقية حكم تؤدي بالنهاية إلى استقرار للأوضاع وتهيئة وضع يمكن أن يستمر، أو أن تصطدم تلك المكونات.

وهذه المرة ستكون أكثر قسوة من ذاك الاصطدام الذي هلهل النسيج المجتمعي في العراق عقب تفجيرات مرقد الإمام الحسن العسكري في سامراء عام 2006، فالإقليم هذه المرة سيكون حاضرا وبقوة، ناهيك عن غياب القوة العسكرية الأمريكية على الأرض التي ربما تساعد في تقليل اثر هذا الصدام وليس منعه، لأنها لم تكن معنية في منع وقوعه عام 2006، بل وجدت فيه فرصة لإشغال العراقيين بعضهم ببعض بعد أن تلقت ضربات قاسية من قبل المقاومة العراقية.

المالكي يرغب من خلال هذه القرارات الأخيرة، إلى استبدال قادة العرب السنة الأكثر انتقادا له ولطريقة حكمه والمتهمين إياه بالتفرد بالقرار وتهميشهم، بآخرين يكونون أكثر طواعية لقراراته، وهو أمر لا يبدو انه سيمر بسهولة، حيث إن تلك الشخصيات السنية التي يتم استبعادها بالتدريج عن مسار العملية السياسية التي يقودها المالكي وحزبه" الدعوة " لها قاعدة شعبية في الأوساط السنية وحتى بعض الأوساط الشيعية والكردية، ناهيك عن وجود تمددات لها في بعض دول الإقليم سواء في تركيا أو الأردن أو السعودية وبعض دول الخليج، مما يعني دخول المالكي وحكومته في دهليز مظلم مع تلك الدول، علما أن علاقة الحكومة العراقية بهذه الدول لم تكن في يوم من الأيام بالمستوى المطلوب.

وتبرز هنا بعض الدعوات الكردية التي أطلقها مسعود البارزاني، رئيس الإقليم الكردي، وجلال الطالباني، الرئيس العراقي، من اجل عقد مؤتمر حوار موسع، ربما يكون مخرجا مؤقتا للازمة، دون ان يكون قادرا على حلها من جذورها.

في المحصلة ، فان عراق ما بعد الاحتلال يتشكل من جديد، فهو ، ووفقا للاعبين البارزين على ساحته، عراق حليف لإيران بالدرجة الأساس، تسوده حكومة وان تلونت عناصرها، غير ان القرار سيبقى داخل منطقتها الخضراء، ومكتب رئيس الحكومة والقائد العالم للقوات المسلحة ووزير الدفاع والداخلية بالوكالة، وهو أمر قد يفاقم الأزمات المتأزمة أصلا .