المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المنحدر الصعب


Eng.Jordan
11-17-2012, 07:22 PM
الاقتصادية : د.فهد إبراهيم الشثري
يواجه الاقتصاد العالمي حالياً معضلات كبيرة تؤدي إلى العودة به إلى المربع الأول من الأزمة المالية العالمية مرة أخرى. فمن ناحية، أوروبا تتفاوض من جديد على شروط صرف الدفعة الثانية من برنامج الإقراض لليونان، وهناك خلافات كبيرة حول هذا الموضوع. ومن ناحية أخرى، يواجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي تمت إعادة انتخابه أخيرا مشكلة التعامل مع موضوع المنحدر المالي The Fiscal Cliff، وما ستؤول إليه نتائج المفاوضات في هذا الصدد مع ممثلي الحزب الجمهوري في الكونجرس الأمريكي. أضف إلى ذلك عددا من القضايا الجيوساسية الأخرى كالخلاف على الجزر بين اليابان والصين، والتغيير السياسي الداخلي في الصين، وقضايا الشرق الأوسط. كل هذه القضايا تصب في الجانب السلبي من معادلة النمو الاقتصادي العالمي، ومن ثم تهدد بحدوث تباطؤ أو ركود اقتصادي عالمي آخر.
قضية المنحدر المالي في الولايات المتحدة تتصدر الآن الأولويات على قائمة القضايا الاقتصادية الشائكة، حيث لم يتبقَ إلا ما يزيد على الشهر الواحد فقط لحلها، وإلا سيؤدي ذلك إلى تأثيرات سلبية كبيرة في الاقتصاد الأمريكي والعالمي برمته. وهذه القضية الشائكة تتضمن توقف العمل بالتخفيضات الضريبية التي أقرها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عام 2001، التي تشمل ضرائب الدخل، وأرباح رأس المال، والتوزيعات، إضافة إلى إنهاء تخفيض ضريبة الأجور التي أقرها الرئيس أوباما في بداية رئاسته الأولى، وأخيراً القيام بخفض شامل للإنفاق العسكري غير العسكري. الخلاف الحاد بين الجانبين الديمقراطي والجمهوري يعكس تضارب المصالح بين طبقات المجتمع الأمريكي نفسه، والخلاف على الأولويات لحل مشكلة عجز الموازنة الأمريكية والدين العام الكبير. تحديات كبيرة سيكون على الساسة الأمريكيين الجلوس على طاولة المفاوضات لحلها بشكل عاجل.
ولأخذ فكرة عن عمق مشكلة المنحدر المالي The Fiscal Cliff وعمق الخلاف السائد حولها، يمكن أن نستعرض بعض جوانب هذه المشكلة، وكيف بدأت. في عام 2001 مرر الكونجرس الأمريكي تخفيضات ضريبية تقدر قيمتها بـ1.7 تريليون دولار لمدة عشر سنوات. ولأن القرار لم يحز على الأغلبية العظمى، ومرر بأغلبية بسيطة (51 صوتا) فإن ذلك يعني أن هذه التخفيضات ستنتهي تلقائياً بعد مرور عشر سنوات، أي في عام 2011. في عام 2003 قام الرئيس الأمريكي جورج بوش بإجراء تخفيضات ضريبية أخرى بالطريقة السابقة نفسها، لكنها تنتهي تلقائياً في زمن التخفيضات السابقة نفسه، أي في عام 2011. وإبان تولي الرئيس باراك أوباما الرئاسة، وبعد الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي الذي سيطر فيه الجمهوريون على مجلس النواب، اتفق على تمديد العمل بهذه التخفيضات لمدة سنتين، مع تخفيض ضريبة الأجور، وذلك دعماً للاقتصاد الأمريكي الذي يواجه الأزمة المالية.
الآن حان الوقت لانتهاء العمل بهذه التخفيضات جميعاً، مع العمل في الوقت نفسه على إجراء تخفيضات في النفقات تقدر بتريليون دولار حسبما اتفق في عام 2011 في إطار مناقشة قضية سقف الدين العام. إذا ما تم ذلك، فسيرتفع الحد الأدنى لضريبة الدخل من 10 في المائة إلى 15 في المائة، والحد الأعلى من 35 في المائة إلى 39.6 في المائة. سترتفع ضريبة التوزيعات لأرباح الشركات من 20 في المائة إلى مستوى ضريبة الدخل، ما يعني أن الحد الأعلى عليها سيكون 39.6 في المائة. سيتم تخفيض إعفاءات ضريبة الإرث من خمسة ملايين إلى مليون دولار، وسيتم رفع معدل الضريبة من المعدل الحالي 35 في المائة إلى 55 في المائة. بالطبع جميع هذه التعديلات تستهدف أن يدفع الأثرياء ضرائب أكثر للمساهمة في تعديل وضع الموازنة العامة وتخفيض الدين العام. في المقابل أيضاً سيتحمل أبناء الطبقة المتوسطة عبئاً في حالة أنهي العمل بهذه التخفيضات، حيث سيرتفع معدل الضريبة التصاعدي من 10 و25 و28 إلى 15 و28 و33 في المائة. كما سيتم أيضاً إنهاء العمل بتخفيض ضريبة الأجور كما أشرنا، ما يعني أن هذه الضريبة سترتفع بمعدل 2 في المائة.
بمعنى آخر، إن إجمالي الزيادة في الإيرادات التي ستنتج عن هذه التخفيضات تقدر بستة تريليونات دولار خلال عشر سنوات، و350 مليار دولار خلال عام 2013 فقط. وإذا أضفنا إلى ذلك التخفيضات في النفقات التي تراوح بين 8 و9 في المائة، فيمكن تصور حجم الضغط المالي الذي سيواجهه الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2013. التقديرات تشير إلى أن تطبيق ذلك بشكل مباشر سيؤدي إلى تراجع كبير في معدل النمو الاقتصادي الأمريكي بمعدل 3 في المائة خلال عام 2013، ما يعني فعلياً دخول الاقتصاد الأمريكي في ركود اقتصادي آخر. هذا الأمر لن تقتصر نتائجه على الاقتصاد الأمريكي وحده، لكن على الاقتصاد العالمي برمته، في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. التعافي الاقتصادي الهش الذي يواجهه الاقتصاد العالمي حالياً لن يحتمل على الإطلاق المضي قدماً في اتجاه هذا المنحدر المالي الصعب، لأنه لا أحد يملك الكوابح التي ستستطيع كبح جماح التدهور الاقتصادي العالمي نتيجة لذلك.