المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طه حسين وثقافتنا العربية


Eng.Jordan
11-20-2012, 01:30 PM
الدكتورناصرالدين الاسد*
هذا حديث يطول ويقصرماشاءت له فسحة الزمن وقدرة الكاتب …فهويطول أنتركناه على سجيته وسجيتنالآن معين طه حسين ومعين الثقافة العربية وحديثها عنده لا ينبضان وهوحديث يقصرأن أخذنا أنفسنا بالحزم واختصرناه تحديدا للوقت الذى يقرأه فيه القارئون . أويلقى فيه على السامعين . ومراعاة لاحتمالهم له وصبرهم عليه . ومازلت أرى-بعدهذه السنوات الطويلة-أن فكرطه حسين لم يدرس من جوانبه المختلفة كما ينبغى له . على كثرة الدارسين والناقدين . والمؤيدينوالمنفدين . والمهادنين والمصاولين فهوكهذه المحيطات التى تمخرعبابها السفن طولا وعرضا . ويبقى مع ذلك أكثرهامجهولا . وتنكشف أعماقهاعن أسرارمطويه يفاجأبها الناس . وماهذه المقاله الامحاوله لاكتشاف رقعة صغيرة من ذلك الخضم اللجئ عسى أن تقودالى محاولات أخرى تتناول مالم تتناوله هذه المحاولة . وليس من شك فى أن أخرين غيرى قد ذكروا كثيرا مماسأذكره . ولكنه جاء عندهم متفرقا . وقد تشوب بعضه الحماسه والاندفاع فى المدح أوالقدح . وقدسبق طه حسين الى بعض مواقفه وارائه نفرمن الذين سافروا الى أوروبا . وتلقوا العلم فى معاهدها واستفادوامما رأوا . وتأثروابه ونقلوه الى قومهم بعدأن عادوا . وعاصرهم فى كل ذلك نفرأخر . ولكنهم جميعالم يبلغوا فى أزمانهم ولابعدها مبلغه من أستثارة الناس . وألتفات الانظار اليه . ولم ينلهم من كتابات الكتاب والنقادما ناله . وأحسب كذلك أنهم تم يبلغوا مبلغه من تكامل الصورة الفكرية وشمول النظرة .
والباحث فيما كتبه الكاتبون عن طه حسين . فى حياته وبعد مماته . يجدأن أكثره تنقصه الموضوعية ويعوزه المنهج العلمي . اذ أن الذين كتبوا عنه كانوا فى أغلبهم اما ساخطين مسارعين الى التهجم وتسقط الزلات الاخطاء واساءة الظن وتغليب الشك . واما مستغلين لارائه وكتاباته ظنامنهم أنهاتؤيد مايريدون الترويج له من ملامح فكرية لحقبة من حقب تاريخنا الثقافى . فهم يريدون أن يسحبوا ماكان من طه حسين فى الماضى على مايريدون أن يكون منهم الان .
ولايجوزأن يؤخذ الحكم على طه حسين ولا على أديب غيره من جملة واحدة قالهاأو كتبها . ولامن فكره وردت فى أحدكتبه . ولامن قوله نطق بها فى موقف دعته ظروف الارتجال أوظروف الجدال والمخاصمه الى قولها . انمالابدأن تقرأ كتبه كاملة . وأن تستذكرأقواله فى مجموعهافى المناسبات والظروف وتطور الاحوال . ومن الحق أن المرء تختلف مواقفه من كثيرمن القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية بحسب نموه الفكرى وزيادة حصيلته من المعرفه واطلاعه على مالم يكن يعلم . وبحسب أختلاف الظروف والاحوال المحيطه به(ومن أجل هذا قال الفقهاء من قديم!ان المعلول يدور مع العله سلباوايجابا . وكذلك قالوا!لاينكراختلاف الاحكام أو الفتاوى باختلاف الاحوال . وأوضح مثال على ذلك . للامام الشافعى من فقه قديم ثم ماأستحدثه من فقه جديد فى مصر)وليس من الطبيعى أنيبقى المرء جامداعلى حال واحدة ويغمض عينيه ويغلق عقله أمام المستجدات والتطورات فى الحياة من حوله . وهذه أمورنعرفهافى أنفسناكما نعرفهافى غيرنا فلا نستنكرها . فلماذا!ننكرهاعلى طه حسين الانسان المتطورذى الذهن المتوثب والنفس المستوفزه وهوالذى قال عن هذا التغيروالتطور عند حديثه عن طرفة . فواضح جدا أن المثل العليا . تتغيربتغير البيئات والعصور . ولكن واضح أيضا أن الاشخاص كذلك يتغيرون بتغيرالبيئات والعصور . فلوعاش طرفة فى بيئه غيربيئته . أوعصرغيرعصره . ولكان تغيرت فلسفته نتيجة لتغيرشخصيته … . ***فماهى هذه الثقافة التى قرناهافى عنوان هذه المقالة باسم طه حسين.أتراها مقصورة على الشعرالمعاصرلطه حسين وعلى القصة والرواية الحديثتين لعهده وعلي ماكانت تنشره الصحف من مقالات أدبية أونقدية . وماكانت تصدره المطابع حينئذ من كتب تضم كل ذلك النتائج . لام يكن ذلك وحده مفهوم الثقافة عند طه حسين . وانماأمتد مفهومها ليشمل التراث العربى بكل ميادينه . واتسع ليحوى الثقافة الادبية . وكان التعليم-حتى نهاية النصف الاول من القرن العشرين-الوسيلة الكبرى أوالاساسية لنشرتلك الثقافة بأنواعهاوميادينها لذلك كان لابدأن تتداخل الثقافة والتعليم عندالحديث عن أى منهما . ومن هناجاء كتاب طه حسين مستقبل الثقافة فى مصر&شاملا لكل هذه الانواع والميادين الثقافية . فقدعقد فصلافى كتابه عن الانتاج العقلى . قال فى مطلعه وفى حياتنا العقلية تقصيرمعيب . لابدمن أصلاحه ان كنانريد أن ننصح لانفسنا ونعيش عيشة الآمم الراقية . وان كنانريد ننصح العلم نفسه ونشارك فى ترقيته وتنميته . وان كنانريد أن ننصح للشعب فنخرجه من الجهل الى المعرفة . ومن الخمودوالجمود الى النشاط والانتاج . ومظهرهذا التقصيرالمخزى اهمالنا الشنيع للترجمة والنقل عن اللغات الاوروبية الحية . فما أكثرالاثارالعلمية والفنية والادبية التى تنعم بها الانسانية الراقية وماأشد جهلنا لهذه الاثار وغفلتناعنها!وماأقل حظنامن الاستمتاع بلذتها النقية الممتازة . وماأكثرحديثناعن مجدالعرب الاولين حين أقبلوافى شره رائع على اثارالامم المتحضره فنقلوها الى لغتهم ومزجوها بتراثهم . وغذوابها عقولهم وقلوبهم . وكونوامنها حضارتهم . نتحدث بهذا كله فمثلابه أفواهنا . وننفخ له أوداجنا ونظل بعدذلك خامدين جامدين لانسير سيرتهم ولانسلك طريقهم . والاثارالعلمية والفنية تزيدوتزيد . والعقول الاوروبية والقلوب الاوروبية تستمتع بهاوتستمتع . والحضاره الاوروبية ترقى وترقى ونحن مستمتعون بمانحن فيه من العجزوالقصور . نعجب بقديمناوان لم نكن له أهلا . ونرضى عن حديثناوان لم يكن خليقابالرضى***وعقد فصلاعن الصحافة والسينما والراديو . )وقبله عقد فصولامتعددة عن التعليم . بجميع مراحله وبأنواعه المتعددة وعن اصلاح التعليم والامتحانات والكتب المقررة . وتعليم اللغات . واعداد المعلم . والتعليم الخاص الاهلى والاجنبى . والتعليم العالى . والتعليم الدينى فى الازهر . والتعليم الدينى للاقباط . وغيرهامن الموضوعات الثبوتة فى ثنايا الكتاب . اما التراث العربى فقدكان دائماحريصاعليه ضنينابه . يراه من مقومات ثقافتنا . وطالماذكر ذلك وكرره بعبارات متشابهة أومختلفة فى كتابه . مستقبل الثقافة فى مصر$وحيثما سمح السياق والمجال فى حديث الاربعاء*فهوالقائل فى(مستقبل الثقافة فى مصر)واذا أردت أن تحلل الثقافة المصرية الى عناصرهاالاولى فهذه العناصربينه واضحه . هى التراث المصرى الفنى القديم . وهى التراث العربى الاسلامى . وهى ماكسبته مصروتكسبه كل يوم من خيرماأثمرت الحياة الاوربية الحديثة) …وهوالقائل أيضا . (أن اللغة العربية هى لغتنا الوطنية فنحن نتعلمها ونعلمهالانها جزء مقوم لوطنيتناولشخصيتنا القومية لآنها تنقل الينا تراث ابائناوتتلقى عنا التراث الذى ستنقله الى الاجيال المقبلة)ويقول كذلك(فنحن اذن نفكربهذه اللغة ونحن اذن لانغلوان قلنا أنهاليست أداه للتعامل والتعاون الاجتماعيين فحسب . وانماهى أداة للتفكيروالحس والشعور … . ونحن لانتعلم اللغه العربية ونعلمها لآنها لغة القدماء من العرب والمستعربين . وانمانتعلمها ونعلمها لآنها لغتناولآنها لغة الجيال المقبلة أيضا أولآننانريد أن تظل لغة لهذه الجيال)وكان قد قال قبل ذلك بنحوسنتين أوثلاث سنوات(نحب لآدبنا القديم أن يظل فى هذا العصرالحديث . كما كان من قبل ضرورة من ضرورات الحياة العقلية . وأساسا من أسس الثقافة وغذاء للعقول والقلوب)وأعاد هذه العبارة بألفاظهامرتين أخريين فى الصفحه نفسهامع أختلاف يسيرفى ترتيب الالفاظ .
قال (نحب لأدبنا القديم أن يظل قواماً للثقافة العربية . فهوأذن مقوم لشخصيتنا . محقق لقوميتنا . عاصم لنامن الفناء فى الاجنبى . معين لناعلى أن نعرف أنفسنا) ثم يقول مكررا ومؤكدا(نحب أن يظل أدبنا القديم أساسا من أسس الثقافة الحديثة . ونحب أن يظل أدبنا القديم غذاء لعقول الشباب . لآن فيه كنوزا قيمة تصلح غذاء لعقول الشباب) ونختم هذه النقول والاقتباسات بقوله(فليس التجديد فى أمانة القديم . وأنما التجديد فى احياء القديم . وأخذ مايصلح منه للبقاء . وأكاد أتخذ الميل الى امانة القديم . أواحيائه فى الادب مقياسا لمن انتفعوا بالحضاره الحديثه ولمن لم ينتفعوا بها)وأناأطلت الاستشهاد والاقتباس لوضع البحث فى موضعه الصحيح من واقع النصوص نفسها كما سجلها طه حسين ونشرها على الناس . فقد أكثرنفرمن الكتاب من اتهامه فى دينه وفى عروبته ووصموه بالتنكر لتراث هذه الامة . وذهبوا الى أنه كان يدعوالى تقليد أوروبا تقليدا أعمى والى خلع شخصيتنا الاسلاميه . وزعموا أنه كان مواليا لليهود عميلا لهم الى غيرذلك من التهم التى عبروا عنها بألفاظ وأوصاف نعف عن الاستشهاد بها هنا . وكانت وسيلتهم الى هذه التهم أن يقتطعوا جملا لطه حسين من سياقها . أو أن يسيئوا تفسيركلام ذكره فى بعض كتبه ويعلقوا عليه أنواعها من التعليق يخرج به عماقصده كاتبه ولجأوا أحيانا-فى ثنايا تعليقاتهم على كلامه-الى أن يقولوه مالم يقل بل الى نقيض ماقال … وكان طه حسين متنبها على كل ماكان يقال عنه مدركا لكل مايهمس به من تهم أو يعلن . فنفث نفثه محزون حين املى الكلمة الاخيرة فى العدد الاخيرمن مجلة (الكاتب المصرى)وذلك قوله .. (لقد أرجف المرجفون والذين يسرهم الطعن فى طه حسين والذين لايعملون ويؤذى نفوسهم أن يعمل الناس . وقالوا ان مجلة الكاتب المصرى لقد صدرت لنشر الصهيونيه . والان وقد أنتهى عمرالمجلة فان أعدادها كلها بين يدى القراء فهم لايرون فيها الادفاعا عن مصروالعروبه وخدمة لهما بقدرالوسع والطاقةُُ) ****واذا كان كتاب (مستقبل الثقافة فى مصر)قد ناب عن تقريرين كان من المفروض أن يقدمهما الى وزارة المعارف حينئذ بعدأن عادمن مؤتمرين كانت الوزاره قد أوفدته اليهما . فان من الطبيعى أن يكون فى تلك الصفة سلخ للثقافة عن أصلها الكبيروصفتها العامة وهى العربية ونحن اليوم نكتب عن الثقافة فى سوريا أو فى العراق أوفى الاردن .
ولا ألبتة أن كل واحدة منها ليست عربية وأنهامغايرة لآخرى فى نسبها.ومع ذلك فان صفة العربية الجامعة لايجوزأنتنفى التنوع فى اطارالوحدة ولا تلغى الخصوصية التى يفرضها اختلاف البيئة المحلية الجغرافية . ولاتنكر اختلاف الخصائص التى يفرضها التطور بسبب تعاقب العصور.وهكذا فان الحديث عن(مستقبل الثقافة فى مصر)لايعنى بالضروره التنكر لعروبة تلك الثقافة وهومايظهر جليا فى هذا الكتاب وفى غيره مماكتبة طه حسين.فقد كانت فكرة العربية الجامعة تكمن مستترة أحيانا وراء سطوره وكلماته . وتظهرأحيانا سافرة لالبس فيها بالتعبير الصريح.وهوماجعلنى أثبتها فى العنوان بصفتها العربية فقد مربنا فى الصفحات السابقة أنه فى كتابة (مستقبل الثقافة فة مصر)عد(التراث العربى الاسلامى)-بهذين الوصفين الصريحين -أحد المقومات الثلاثة للثقافة المصرية وكذلك مربنا فى الصفحه نفسها دفاعة عن اللغة العربية ونقلنا قولة انها مقوم للوطنية المصرية ولشخصية المصريين القومية .وذهب الى أبعد من ذلك فى التعبيرعن فكره العربى حين دعا الى التعاون الثقافى بين الاقطارالعربية والى توحيد البرامج الثقافية بين هذه الاقطار.وانتهى الى عباره فيها خلاصة المقومات التى تجعل من الامة أمة.وذلك فى قوله..(فما أرى أن مصاعب سياسية تقوم دون هذا النوع من التعاون الثقافى بين الاقطار العربية التى تجمعها وحدة اللغة والدين والمثل الاعلى. والتى تشترك فى منافع أقتصادية عظيمة الخطر)ويكررذلك فى الصفحة التالية..(وحسب مصر أنها..تؤدى ماعليها من حق لجيرانها وشركائها فى الغة والدين والاقتصاد..)ويضيف الى هذه المقومات فى الصفحة نفسها الاشتراك فى..(الذوق والميل والشعور)ويجمع هذه العناصر والمقومات التى تشمل مصروالبلاد العربية الشرقية بقوله..(واناأفهم فى وضوح.بل فى بداهه أنشعر بالقرابة المؤكدة بيننا وبين الشرق الادنى .لالآتحاد اللغة والدين فحسب بل للجوار الجغرافى . وتقارب النشأة والتطور التاريخى..)وقد عددت له عشرين موضعا-فى ست صفحات متوالية-يصف فيها سوريا ولبنان وفلسطين وماحولها بأنها(الاقطار العربية)أو( البلاد العربية)أو(الشرق العربى)وهو يكرر هذه العبارات بأوصفها فى مواضع أخرى متعددة من الكتاب.وقد يحدد تلك البلاد بقولة..(فلسطين والشام والعراق)يصفها بأنها(الشرق القريب)والشرق الذى يقع فى حوض البحر الابيض المتوسط.ومع تكرار ذكره (الشرق العربى)و(العرب)فقد أنزلق قلمه فى موضعين أو ثلاثة مواضع فوصف العرب (بالامم العربية)بصيغة الجمع . وقدعمدت الى أستعمال لفظة(أنزلق)عمدا . لآن كل ماذكرته سابقا لاينتهى الاالى فهم عقلى واضح عند طه حسين يجعل من تلك الشعوب أمة واحدة وليس( أمما )وقد وصف هذه الامة-قبل خمسة عشر عاما من كتابته مستقبل( الثقافة فى مصر)بأنها(الامة العربية)وذلك فى مقاله له نشرها فى جريدة السياسة سنة 1922م وكرر ذلك التعبير والوصف مرات كثيرة فى المقالة نفسها وفيما تلاها من مقالات فى السنة نفسها..ومن هنا لايجوز أننتربص بطه حسين ونأخذه بتعبيرين أو بثلاثة تعبيرات ربما لم يقصدها ولم يكن على وعى كامل بمدلولاتها كما كان يعنيها رواد القومية العربية وأحزبها الذين شددوا على أنفسهم وعلى غيرهم بمثل هذه الالفاظ .
وأحسبه لوروجع فيها لرجع عنها لآنها لاتتفق مع جميع تعبيراته الاخرى التى أشرنا الى نماذج منها .وان كنت أعلم عنه.كما يعلم غيرى .أنه كثيرا ما يركبه العناد فيأبى أن يجهر فى حينه بالرجوع عما صدر عنه .ولكنه لايلبث أن يبث ما يدل على رجوعه فى ثنايا كتابات أخرى له .دون أن يشير الى ماكان كتبه فى الماضى .فيأتى حديثه اللاحق كأنه متسق مع مجمل رأيه السابق دونما تناقض بين ماكان وماهو كائن. ثم أننى أعلم من أمره مايعلمه غيرى من تلك السخرية التى كان يوجع بها أناسا يعينهم .يذكرهم حينا ويتجاهل ذكرهم أحيانا.ويصب سخريته على مايرون من أفكار أويدينون به من معتقدات.ولم يترك الامرلنا لنستنتجه اذ طالما أعلنه جهارا دون تردد ولامواربة.ومن أمثلة ذلك قوله (وانما حملنى الله عزوجل عبئا من أعباء الحياة فحاولت أن أنهض به كما أستطعت؛فأرضيت قليلا من الناس ثم ام ألبث أن أسخطتهم وأسخطت كثيرا من الناس،ثم لم ألبث أن أرضيتهم ،ثم أضطريت الامور أى أضطراب واختلطت أى أختلاط واذا أنا الآن لاأفرق بين الراضين على والساخطين على لآنى لاأميز أولئك من هؤلاء .وأغرب من هذا كله أنى لم أرض عن نفسى قط ولم أعرفها فى يوم من الايام .وانما سخطت عليها دائما وأذكرتها دائما .وأشد من هذا كله غرابة أنى لاأستطيع أن أحمل نفسى على الصمت الذى يريحنى ويريح منى.لاأستطيع أن أحمل نفسى على الصمت لآنها تأبى الا الكلام حين يوجد موضع للكلام .ولانى ان أكرهتها على مالا تحب واضطررتها اضطرار الى الصمت وحملتها على الاغراق فيه جاءنى الراضون عنى والساخطون على فاستكرهونى على القول وأخرجونى من العزلة وخلطونى بأنفسهم وأشركونى فى خصوماتهم ومشكلاتهم التى لاتنقضى .ليسخط على من أدباء الشباب والشيوخ من شاء اذن ،فان يكون سخطهم على مهما اشتد أعظم من سخطى على نفسى وليرض عنى من شاء من أدباء الشباب والشيوخ،فان يستطيع رضاهم عنى مهما يعظم أن يرضينى عن نفسى)وهل أوضح من حديثه عن نفسه ،واعترافه بنزوعه الى مصادمة الناس ،من قوله(يجب أن أعترف بأن الناس قد رفقوا بى أكثر مما رفقت بهم،فما أقل مانالونى به من الاذى ،وما أكثر ماجرعتهم من مرارة الحديث .شككت فى أكثر ماامانوا به ،وصارحتهم بهذا الشك فى غير رفق ولالين ،وعبت عليهم فى قسوة وعنف أحب الاشياء اليهم ،وأكرمها عليهم ،من نظمهم السياسية والاجتماعية ،ومن سيرة بعضهم مع بعض ،وسيرة كل واحد منهم حين يخلو اليها)وهو القائل قبل ذلك بنحو عشرين سنة(وأنا أعلم أن هذا لم يعجب الناس ولن يعجبهم،وأناأعلم أنهم كرهوا وسيكرهون أن يعمد كاتب الى مثل هذه الناحية من نواحى الادب العربى فيدرسها درسا مفصلا ويظهر الناس على دقائقها وأسرارها،ولكنى مع ذلك عمدت اليها وسأعمد اليها متى أتيح لى ذلك…)***ولابد من توضيح مقصده من((الثقافة المصرية))التى أكثر من الالحاح عليها فى كتابه((مستقبل الثقافة فى مصر))فهو لايقصد الا أن البيئة المصرية لها من الخصائص والصفات المحلية مايطبع الثقافة بطابعها فيجعل من الجائز أن توصف بأنها ثقافة مصرية وقد أسهب فى بيان هذا التوضيح فى فصل خاص فى كتابه عنوانه:(أتوجد ثقافة مصرية وماعسى أن تكون؟)يقول فيه:(ولك أن تنظر فى أى لون من ألوان العلم والادب والفن التى تدرس فى مصر التى ينتج فيها العاماء والادباء والفنانون المصريون ،فسترى أنها مطبوعة بالطابع المصرى القوى الذى لم يستطع الزمان أن يمحوه أو يعفى أثاره. سترى فيها هذا الذوق المصرى الذى ليس هو ابتساما خالصا ولاعبوسا خالصا ولكنه شئ بين ذلك فيه كثير من الابتهاج وفيه قليل من الابتئاس .وسترى فيها هذه النفس المصرية التى تجمع بين الجدة والقدم والتى تثبت الى أمام ولكنها تستأنى ،وقدتقف من حين الى حين لتنظر الى وراع .سترى فيها الاعتدال المصرى الذى يشتق من أعتدال الجو المصرىوالذى يأبى على الحياة المصرية أن تسرف فى التجديد .ثم ستراها قد اتخذت اللغة العربية المصرية لها أداة مرنة أنيقة رشيقة لاتنبو عن الذوق ولا تتجافى عن الطبع ولاتكلف قارئها مشقة وجهدا .ولاتقل ان الغة العربية مشتركة بين مصر وغيرها من البلاد العربية ،فهذا حق.ولكن لمصر مذهبها الخاص فى التعبير كما أن لها مذهبها الخاص فى التفكير)فاذا لم تكن هذه الثقافة المصرية عند طه حسين الا مذهبا له صفاته بين مذاهب الثقافة العربية التى تتصف بأوصاف خاصة يفرضها أختلاف البيئات الجغرافية أو أختلاف العصور .وهو ما أشرنا اليه قبل قليل. وهو كذلك مانتفق معه عليه كما يتفق كثيرون من مؤرخى الادب ونقاده.وحين أساء بعض الكتاب فهم مايقصده من الثقافة المصرية ))***