المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الضِّلِّيلُ يظهر فى المدينة من جديد


Eng.Jordan
11-20-2012, 09:50 PM
قراءة فى قصيدة الأمير المتسول لأحمد عبد المعطى حجازى

(مدخل)

يُعَدُّ الوقوف على العالم الذى يَخْلُقُهُ النَّصُّ ويُقَدِّمُهُ لناالضَّمَانَةَ الوحيدة لقراءة نقدية تعى منظومة العلاقات التى يَمْتَلِكُهَا النَّصُّ على اختلاف مستوياته، وتقوم بجلاء أبعاد التطريز الذى يَتَبَنَّاهُ النَّصُّ بنسيجه الخاصِّ،وتَكْفُلُ لنا بيان جمالياته، وتُحْسِنُ توجيه الرموز التى يُقَدِّمُهَا الشِّعْرُ الحُرُّ فى صيغته الشعرية الخاصَّة والمُتَمَيِّزَة.

وتُقَدِّمُ، فى الحقيقة، قصيدة “الأمير المتسول” لأحمد عبد المعطى حجازى نموذجا فريدا لعالم شديد الخصوصية يُغْرِى القارئ بالتَّعَرُّفِ عليه. وقد اختار المدينة لتكون مسرحا يقيم فيه هذا العالم، كما اختار من هذه المدينة عدة مواقع ذوات دلالات وظلال لتصوير المشاهد التى يريد تسجيلها من هذا العالم.



(1)

وإذا وقفنا مع عتبة العنوان الأمير المتسول لإضاءة جنباتِ العالم الخاصّ للقصيدة نجد أنه يَتَنَاصُّ بصورة فَنِّيَّةٍ دقيقة مع نَصٍّ تُرَاثِىٍّ شهير لا يلحظه القارئ مع وقوعه على هذا العنوان، وإنما مع متابعته لما تُقَدِّمُهُ القصيدة؛ فإن هذا التناصَّ يَتَبَدَّى للقارئ ويُلِحَّ عليه مع وقوفه على تفاصيل هذا العالم؛ إذ يكتشف القارئ أنه مع أمير ينعى ضياع ملكه ومجده أو بتعبير أدق ملك آبائه الذى اغْتُصِبَ منه أو ضاعَ على الرغم منه، وهو الأمر الذى يستدعى لدينا صورة أمير الشعر الجاهلى عندما خرج يسعى فى استرداد ملك أبيه وأجداده بعد مقتل أبيه؛ ومِنْ ثَمَّ يُصْبِحُ تَنَاصُّ عنوان الأمير المتسول مع تعبير الملك الضليل الذى جُعِلَ عَلامَةً على شاعرنا القديم امرئ القيس أمرا له ما يُسَوِّغُهُ، بل إن الوقوف على هذا التَّنَاصّ يمنح القصيدة تماسكها ويكشف عن التئامها، ويخلق لدى متلقيها لذة خاصة ما كانت لتقوم بهذا القدر بدون استحضار مثل هذا التَّنَاصّ.

يُمَثِّلُ هذا التناصُّ، على أية حال، مفتاحا أساسيا للدخول إلى عالم هذه القصيدة. والحقيقة أننى أَمِيلُ إلى جَعْلِ توظيف الأمير الشاعر حجازى للتراث هنا أقرب إلى الاتِّكَاءِ على التراث منه إلى التَّنَاصِّ الصريح معه لسببين: أولهما أنه قد اسْتَمَدَّ سيرة جَدِّهِ امرئ القيس، ولم يَعْتَمِدْ نصوصه نفسها، بل إنه، وهذا هو السبب الثانى، عندما اسْتَمَدَّ التعبير الموروث قد تَصَرَّفَ فيه، فقَدَّمَ تعبيره اللغوى الخاص وهو الأمير المتسول لمناسبته لتجربته الخاصة ولم يعتمد التعبير الوارد فى التراث حَرْفِيًّا، وهو الملك الضليل الذى يَعْكِسُ تجربة جَدِّه لا تجربته هو، أى لكونه يتقاطع مع ما يَتَنَاصُّ معه أكثر مما يَلْتَزِمُ بِهِ حَرْفِيًّا، وهذا هو ما يَجْعَلُ من تَنَاصِّهِ أَمْرًا فَنِّيًّا راقِيًا لا يُدْرِكُهُ الإنسان إلا بغير قليل من التأمُّل. إنه تَنَاصٌّ فَنِّىٌّ يحتاج فى إدراكه إلى أن نتأمله بدقة.

لقد تَصَرَّفَ حجازى فى عنوانه فجعله الأمير المتسول بَدَلاً من الملك الضليل فجاء مُتَنَاصًّا ومُتَقَاطِعًا فى الوقت نفسه لأنه يستشعر أن المُلْكَ لم يَصِلْ إلى يديه حقيقة بخلاف الملك الضليل الذى وَصَلَهُ الملك بمقتضى مقتل أبيه وكونه الابن الذى لم يجزع ولم يضعف كإخوته الذين جزعوا بخبر مقتله، فلم يكن فيهم من يَصْلُحُ لخلافة أبيه فى الملك كما قضت وصية أبيهم. كما استبدل وصف المتسول بوصف الضليل لأنه رأى نفسه، وهو يبحث عن ملكه دون أن يملك أدوات الاسترداد نوعا من التسول بخلاف جده الملك الضليل؛ فلم يكن متسولا لأنه كان يملك القوة ويسعى لاستكمالها، وكان أشبه بالضليل في سعيه لأنه كان ينتقل من قبيلة إلى قبيلة، بل تجاوز ذلك بلجوئه إلى قيصر الروم يوستانيوس.

ويمنح هذا العنوان القصيدة انتماءها للديوان بعنوانه الخاصّ لم يبق إلا الاعتراف، بل يجعلها مع أُولَى قصائد الديوان، وهى قصيدة الدم والصمت، أقوى قصائد الديوان عُلْقَةً به وأكثرها وَفَاءً له؛ فالأمير يُقِرّ بواقِعِهِ المُرّ الذى ينميه إلى التَّسَوُّلِ، ويحكى لنا حكايته التى تَمَّتْ بجميع فصولها ومشاهدها والتى تنتهى بحتمية الاستسلام. إن قصيدة الأمير المتسول أقرب قصائد الديوان إلى تجربة الاعتراف المؤلم قبل نهاية أشد إيلاما.

وإذا وقفنا مع عتبة النص الثانية، وهى عتبة الشاعر وجدنا أنها تُؤَكِّدُ ما تُفِيدُهُ عتبة العنوان من اتِّكَاءِ الشاعر الأمير على جَدِّهِ الأول الملك الضليل امرئ القيس واستمداده لسيرته؛ فالأمير الشاعر حجازى مؤمن بالثورة العربية ووريث لمملكة امتدت ألف عام عرفت أنهار الخمرة وقدمت نموذج الخير والسلام الذى ألبس أرضها الخضرة، يقول عنها:

مملكتى من ألف عام، عرشها فى أسرتى

أنهارها خمره

وأرضها خضره

إِنَّ هذا الشاعر الأمير هو التَّجَلِّى الثانى للشاعر الملك سليل ملوك كِنْدَةَ ونَجْدٍ الذى خرج يطلب ملك أبيه بعد مقتله. لقد جاء الأمير حجازى ليعيد لنا سيرة جَدِّهِ الملك الضليل بكل فصولها ومشاهدها. وقد تناصَّ أميرنا الشاعر مع سيرةجده الملك الضليل فى وصفه بذى القروح الذى شُهِرَ به، وفى نهايته التى صاحبت هذا الوصف؛ فقد كانت نهايته عندما أسرع السم فى جسده وسقط جلده لمَّا لَبِسَ حُلَّةَ وَشْىٍ مسمومة منسوجة بالذهب أرسلها إليه قيصر الروم ، وقد دفن بجبل عسيب بأنقرة حيث قبر بنت قيصر التى خاطبها بقوله:

أَجَارَتَنَا إِنَّ الخُطُوبَ تَنُوبُأَجَارَتَنَا إِنَّا غَرِيبَانِ هَاهُنَافَإِنْ تَصِلِينَا فَالمَوَدَّةُ بَيْنَنَاأَجَارَتَنَا مَا فَاتَ لَيْسَ بِآيِبٍوَلَيْسَ غَرِيبًا مَنْ تَنَاءَتْ دِيَارُهُ






وَإِنِّى مُقِيمٌ مَا أَقَامَ عَسِيبُوَكُلُّ غَرِيبٍ لِلْغَرِيبِ نَسِيبُوَإِنْ تَهْجُرِينَا فَالغَرِيبُ غَرِيبُوَمَا هُوَ آتٍ في الزَّمَانِ قَرِيبُوَلَكِنَّ مَنْ زَارَ التُّرَابَ غَرِيبُ



وقد اتَّكَأَ الأمير الشاعر فى صياغة نهايته فى المشهد الأخير من قصيدته على نهاية الملك الضليل؛ إذ جعل نفسه جثة تَعَرَّتْ تماما وقد بدأت الصقور تنوشها، وهو مشهد لا يبتعد كثيرا عن مشهد مريض مصاب بتساقط لحمه. وإن كانت نهاية الملك الضليل قد تمثلت فى الوفاة التى لا يملكها أحد بيده حتى يضعها نهاية لنفسه فإن شاعرنا الأمير قد استبدل بالموت الجنون الذى يُعَدُّ موتا للعقل ونهاية للحساب بعد أن فشل فى تغيير واقعه أو قبوله، يقول:

عارٍ أنا .. ليس كما ولدتُ .. لا

بل مثل جثة تنوشها الصقور

عارٍ يَلَذُّ لى العبور

بين علامات المرور

أخرج للشرطى لسانى، وأفر راكضا

فيكتم الضحكة فى الوجه الوقور

تشيح عنى أوجه النسوة خوفا، وأنا

أنظر من طرف خفى للظهور والصدور

عارٍ أنا

ظهرى إلى الحائط، أطلقوا الرصاص قبلما

ألفت أنظار الجماهير إلىّ

فيبتنون لى ضريحا،

ويوفون النذور

ومن الطريف أن يبقى حجازى فى مشهد الجنون على رغبته الجسدية، يقول: أَنْظُرُ من طَرْفٍ خَفِىٍّ للظهور والصدور، وذلك مثلما استبقى ملكنا الضليل رغبته فى التواصل بعد الموت مع ابنة قيصر التى دفن إلى جوار قبرها بجبل عسيب بأنقرة، يقول لها:

فَإِنْ تَصِلِينَا فَالمَوَدَّةُ بَيْنَنَا






وَإِنْ تَهْجُرِينَا فَالغَرِيبُ غَرِيبُ



وإذا كان حجازى قد استرفد التراث العربى واستعار من التراث الغربى فإنه قد استمد، كذلك، من الثقافة المحلية؛ إذ جعل من الشخص الذى يخرج على الناس عاريا واحدا من الأولياء الذين قد يُقِيمُ له النَّاسُ مقاما كبيرا يَقْصِدُونَهُ بعد موته، وذلك بقوله فيبتنون لى ضريحا، ويُوَفُّونَ النذور. وهو بذلك يهدد السادرين فى عماهم بأنه قد يصير رمزا للحقيقة التى ضيعتها تلك الغشاوة التى على عيونهم.

(2)

لقد حَرَصَ شاعرنا الأمير حجازى فى قصيدته على التقاطع مع سيرة جده الملك الضليل حِرْصَهُ على التناصّ نفسه ليقدم لنا صياغته الخاصة التى تجعل تجربته أقسى من تجربة جده الملك من خلال التركيز على دوره هو فى ضياع الملك، وعلى السلبية التى تَتَمَلَّكُهُ ونحو ذلك، وذلك بخلاف جده الذى تُبَيِّنُ سيرته براءته من ذنب تضييع الملك، وتقدم نموذجا للفارس الذى ينفق طاقته كلها فى استرداد هذا الملك. ويظهر، على اية حال، هذا التناصُّ المتقاطع فى عدد من الأمور.

يتجلى هذا التقاطع بين السيرتين فى كون الملك الضليل يحاول استرجاع ما أضاعه أبوه، أما الشاعر الأمير فإنه يريد استرجاع ما أضاعه هو من ملك أبيه وعرشه، أى أن الملك الضليل يتحمل عن أبيه وزره، على حين يحاول الشاعر الأمير معالجة تقصيره هو.فى حق أبيه وعرشه. ويظهر هذا التقاطع من مقابلتنا بين قول الملك الضليل عن أبيه الذى يرويه ابن الكلبى: “ضَيَّعَنِى صَغِيرًا وَحَمَّلَنِى دمه كبيراً. لا صحو اليوم ولا سكر غداً. اليوم خمرٌ، وغداً أَمْر” وقول شاعرنا الأمير:

وجهى لم يعد شبيها بأبى

صرت عجوزا، وهو بَعْدُ فى شبابه المقيم

تقول لى رسومه حين سقطت فوقها،

فارتطمتْ وجوهُهَا، واتخذت منى زوايا مضحكة

تقول لى، وهى تجيل أعينا باسمة،

فى وجهىَ الباكى الكظيم

أنت الذى أضعت تاج المملكة

يا أيها الشيخ العقيم!

يعترف شاعرنا الأمير بأنه صار عجوزا بخلاف أبيه الذى لا يزال فى شبابه المقيم، وبأن وجهه باكٍ كظيم على ما آل إليه مع أن عيون أبيه لا تزال على ابتسامها، ويُقِرُّ فى نهاية الأمر بأقسى أمر واجهته به رسوم أبيه، وهو أنه هو الذى أضاع تاج المملكة.

ومن تَقَاطُعِ السيرتين، كذلك، أن الملك الضليل قد سَجَّلَتْ سِيرَتُهُ رحلته لاسترداد الملك، وبَيَّنَتْ كيف هَبَّ لهذا الاسترداد، أما شاعرنا الأمير فقد سَجَّلَتْ قصيدته رحلة فَقْدِه للملك وضياعه منه، ولم تُسَجِّلْ سَعْيًا جادًّا لاستعادة هذا المُلْك. إننا مع الملك الضليل أمام فارس يسعى لاسترداد ملك آبائه، ومع الأمير المتسول مع أمير يبكى عرش آبائه؛ ولذلك ترك القمر يغيب فى رحلته بعيدا عنه، يقول عن رحلة انفصاله عن الملك:

حين نزلت أشهد الميناء أغرتنى النساء

وعدت .. لم ألق السفينة

وهكذا أصبحت من أبناء هذه المدينة!

أما استرداد المُلْكِ فيتركه للقمر الذى أخافَهُ حديثُه عن طريق الاسترداد، ينقل فيه الشاعر الأمير حديث القمر له، يقول:

وقال لى

هذا طريقى، فلنواصل السفر

ولا نقيم فى مدينه

حينئذ أصابنى الخوف، فلم أقو على رد النظر

بينا مضى عنى، وغاب فى السكينه!

ولعل التقاطع الجوهرى بين رحلتى الملك الضليل والشاعر الأمير يَتَمَثَّلُ فى أن رحلة الملك الضليل كانت رحلة مكانية بين القبائل وعند قيصر الروم يوستانيوس، أما رحلة الشاعر الأمير فكانت زمانية لا مكانية؛ فليست المدينة، التى يُعْلِنُ أَنَّهُ قد صار من أبنائها عُنْوَةً عنه، غير وجه جديد لمدينته الأولى، أى أنه يُسَجِّلُ رحلة فى الزمان يَنْتَقِلُ فيها من صورة سابقة لمدينته إلى صورتها الراهنة. وهذا ما يجعلنا نرى أن السفينة كانت سفينة الزمن الذى فارقه. إننا أمام صورتين لمدينة واحدة أولاهما حالية ومتوجة بالعز والمجد، والثانية عاطلة عن أى عِزٍّ ومَجْد، كما أن وصفه للمدينة بأنها حزينة كئيبة يعنى أنها هى مدينته التى حزنت لرحيل سفينة المجد عنها، ولو كانت مدينة غير مدينته هو لما كان لحزنها معنى قوى، يقول:

حين نزلت أشهد الميناء أغرتنى النساء

وعدت .. لم ألق السفينة

وهكذا أصبحت من أبناء هذه المدينة!

كان القمر

ليلتها فى الماء يقطف الزهر

وكانت المدينة

تبدو على البعد كئيبة حزينة

وَمِمَّا يَدْعَمُ زمانية الرحلة أن الشاعر الأمير حين وقف مع حركة القمر المكانية، وأنه قد مضى عنه مثاقل الخطو يعود ليفيد بعد ذلك أنه يراه أمامه وينص على أنه كان واقفا مما يعنى أنه لم يتحرك من الأصل، يقول:

ثم مشى مُثَّاقِلَ الخطو كما

تولد أول الدموع فى مآقينا الضنينه

ثم رأيته أمامى واقفا يبكى على مرمى حجر

مستندا برأسه للخلف، ماسحا جبينه

مكللا بالشوك، باسطا يمينه

وإذا كان القمر يشى بشىء من زمانية الرحلة فإن إشارته إلى أَنَّ أميرته سجينة فى السراديب الحصينة تشى بكونها رحلة زمانية لا مكانية؛ فهى تَشِى بعدم مفارقته لمدينته، ولو كانت الرحلة إلى مدينة أخرى لكشفت صياغته ذلك، وقد جعل بُعْدَ الأميرة عنه زمانيا لا مكانيا؛ إذ يرى أنها رُبَّمَا تكون هرمت وشاخ وجهها، يقول:

ماذا أقول يا أميرتى السجينه

عن عمرى الذى يضيع من يدى

بدون أن أعرف موعد الرجوع

لا بد أنك انتحرت،

أو هرمت فى السراديب الحصينه

وشاخ وجهك الوديع

على أن نسبته المدينة إلى نفسه “يا مدينتى” يعنى صَرَاحَةً أنه لم يُفَارِقْ مدينته إلى غيرها، وإنما تَغَيَّرَ التاريخ فصار كما لو كان فى مدينة غريبة عليه، يقول في مخاطبته لهذه المدينة:

شمسك يا مدينتى قاسية علىَّ وحدى

تَتْبَعُنِى أَنَّى ذَهَبْتُ

تَأْكُلُ ثَوْبِى وَتُعَرِّى سَوْأَتِى

أهرب منها أين يا مدينتى

ومن التقاطع بين السيرتين موقفه من النساء والخمر؛ فقد كان للملك الضليل موقفان منهما؛ فبينما نجده ملازما لهما فيما قبل سعيه لاسترداد المُلْكِ، نجد أنه قد حَرَّمَهُمَا على نفسه بمجرد أن تَجَرَّدَ لاسترداد ملكه، ونَصَبَ نفسه لذلك، وقد سَجَّلَتْ سيرته قوله: “الخمرُ عَلَىَّ والنِّسَاءُ حَرَامٌ حَتَّى أقتل من بني أسد مائة وأجز نواصى مائة” وأنه قد “آلى ألا يأكل لحماً، ولا يشرب خمراً، ولا يدهن بدهن، ولا يصيب امرأة … حتى يدرك بثأره”. أما شاعرنا الأمير فقد كانت النساء سبب تضييعه هو، وسبب ضياع الكلمة، يقول عن تضييعها له:

حين نزلت أشهد الميناء أغرتنى النساء

وعدت .. لم ألق السفينه

ويقول عن تضييع هذه النساء للكلمات:

ماذا أصاب الكلمات، لم تعد تَهُزَّنَا

ولم تَعُدْ تَسْرِقُنَا مِنْ يَوْمِنَا

تُثِيرُ فِينَا العَطْفَ .. قد

وقد تثير السخريه

لكنها .. تموت تحت الأغطية

أما الخمر فلا يَتَجَنَّبُهَا الشاعر الأمير مِثْلَمَا أَقْسَمَ جَدُّهُ الملك الضليل وفَعَلَ، بل يَتَّخِذُهَا طريقا للهروب من واقعه؛ فهو يسجل نفسه فى حانة المدينة يبيع فيها رداءه الموروث والذى يمثل شعار المجد والقدرة، يقول:

لكننى يا أيها الجمع الغفير

أصبحتُ .. لا مُلْكٌ، ولا أُسْرَه

ولم تَعُدْ بى حاجة إلى الرداء

فهل هنا من يَشْتَرِيهِ

يأخذه في آخر السهره!

(3)

وإذا تأملنا البعد الرمزى للقصيدة، الذى يؤكد تَنَاصَّ الأمير مع الضليل، وعلى تقاطعه مع سيرته فى الوقت نفسه،وجدنا عدة رموز كالمدينة والقمر والشمس والمرأة والرداء والسيف وغير ذلك.

والحقيقة أن المدينة فى هذه القصيدة غيرها فى قصائد ديوانه “مدينة بلا قلب” بصفة خاصة؛ فليس موقفه من المدينة فى هذه القصيدة من ديوانه الثالث “لم يبق إلا الاعتراف” هو الموقف ذاته الذى تُسَجِّلُهُ قصائد ديوانه “مدينة بلا قلب“. إنه يُقَدِّمُ فى هذه القصيدة الغربة الثانية له وهى التى تقابل رحلة الضِّلِّيل طلبا لاسترداد الملك. ويمكن الكشف عن أبعاد هاتين الغربتين المختلفتين عنده من خلال المقارنة بين صورتى المدينة اللتين يقدمهما لها، والمقارنة بين المقابل الذى يختاره لها فى كل غربة من غربتيه

لقد اتخذ حجازى القرية مقابلا للمدينة فى الغربة الأولى. وقد سَجَّلَ اغترابه عنها فى بَحْثِهِ عن ذاته الخاصة الأولى التى رآها كما يقول:

كأننى طفل رمته خاطئه

فلم يعره العابرون فى الطريق

حتى الرثاء

والتى يَتَطَوَّرُ إحساسه بضياعها عندما يراها أقرب إلى الوهم أو بتعبيره لا شىء، يقول:

أنا هنا لا شىء ، كالموتى، كرؤيا عابره

أما مدينته فى هذه القصيدة فهى ذات المدينة التى وَرِثَهَا عن آبائه وأجداده، ولكنه اغترب عنها لأنها صارت بلا عرش ولا مجد، أى أنه اغترب وهو فيها لم يفارقها لأنها ليست المدينة التى ورثها عن آبائه، وهو عندما يطلب من الناس أن يصحبوه إلى مدينته التى عَرَفَها وأَلِفَها يريد منهم العودة فى التاريخ إلى مدينته العريقة التى تعود إلى ألف عام، يقول عن مدينته التى اغترب عنها أو مملكته التى فَقَدَهَا:

استمعوا لى فأنا لست ببائع، ولكنى أمير

مملكتى من ألف عام، عرشها فى أسرتى

أنهارها خَمره

وأرضها خُضْره

لو تصحبوننى لها، أقطعكم سهولها

ونبتنى على تلالها المدائن الحره!

والحقيقة أننا لا نرصد مصادمة لحجازى مع المدينة فى مثل هذه القصيدة أو مغاضبة لها من حيث هى؛ فلم يخرج موقفه من المدينة عن كونها موقعا لصراعه مع نفسه وغربته عنها هى. وقد رجعت غربته عن المدينة إلى تَغَيُّرِ حالها، لا إلى انتقاله عنها إلى غيرها. وقد سجل غضبه من ثلاثة أمور ، وهى الترام والنساء والسيف.

وقد جاء غضبه من الترام لأنه يُمَثِّلُ تَغَيُّرًا لحال المدينة التى استبدلته بالخيول. ويرجع غضبه منه إلى أنه غير مناسب لتمثايل الأميرة السجينة أو لتيجان مملكته الموروثة، ويكفى لضيقه منه أن يكون بديلا للخيول التى كانت تصنع هذه التيجان وتحميها، ولا تقتصر على مجرد حملها. وهو غاضب على هذا الترام لأنه، أيضا، رمز لانصراف الناس الذى يذكرنا بامتناع بعض القبائل عن نصرة الضليل وموالاته ، وهو، أيضا، رمز لِتَغَيُّرِ نمط سلوكهم وحياتهم.

كما سجل غضبه من نساء المدينة لأنهن اللائى شغلنه عن مُعَاوَدَةِ سفينة الزمن التى نَزَلَ منها ففارقته، وهو بذلك يتقاطع مع الضليل الذى بقى على لهوه ليلته الأولى، ثم انصرف بعد ذلك إلى طلب الثأر، وهو ما يظهره قوله: “اليوم خمر وغدا أمر”.

ولا يخرج رمز السيف فى القصيدة عن كونه رمزا للقوة أو معادلا للجيش والشرطة، وكذلك يعادل شعاره الملكى أناشيد الحماسة وأغانى الكفاح والنصر. وقد سجل مواقفه معه ابتداء من البطولة إلى الحسرة والانطواء إلى اللصوصية والقوادة، يقول:

كان على الفطره

يبكى بغمده على الحق المضاع

حتى إذا جردته تَجَهَّمَ التماعُه

واربدت النظره

وشدَّ .. منزوع القناع

وانقضَّ .. موتور الذراع

محتدم الشفره

حتى إذا شاهدنى

أفر ذلك المساء خائفا من شبحى

أصيب بالحسره

أنكرنى .. فلم يعد يسمعنى، ولم يعد يصحبنى

وليلةً فليلةً .. رَثَّ الشعار الملكى فوق نصله

وضاع

وها هو الآن يذوب قطرةً قطره

يصبح سكينا للص، أو دليلاً في مداخل المدن

وهو بالنسبة للمرأة لا يتكئ عليها فى هذه القصيدة بشكل واضح؛ فهى تظهر مرتين، أولاهما مع الأميرة السجينة التى يلزمنا أن نخرجها من دائرة المرأة عنده؛ إذ يعمل ربطه لها بالتماثيل مرة وبكونها فى السراديب الحصينة على نقلها من دائرة المرأة الحقيقية التى تكون أمًّا أو صاحبة أو بنتا إلى دائرة الرمز إلى تاريخه وحضارته، وهو ما تُفِيدُهُ السراديب التى تَسْتَدْعِى متاحف التاريخ. إن الأميرة السجينة عند حجازى هى مملكة أبيه وقرينته التى لم تفارقه، وهى التى يحرص على استعادتها لِكَوْنِها مملكة أبيه ومجده. وليست تماثيل هذه الأميرة إلا التيجان العربية الخالدة التى كللت بها رسوم أبيه الخالدة ووجوهه المتعاقبة على امتداد هذا التاريخ العامر بالتيجان العظيمة من تاج الراشدين إل التاج الأموى فالعباسى… إلخ. أى أننا في القصيدة مع أب ملك وصاحبة متوجة وأميرة، وإذا كان لهذا الأب رسوم أو جوه متعددة فإن مملكته أو أميرته قد كُلِّلَتْ مع كل وَجْهٍ من وُجُوهِ الملك بأحد التيجان العظيمة.

أما التوظيف الثانى لرمز المرأة فإنه لا يسجل منها إلا الملمح الوظيفى السلبى؛ فهى التى أدت إلى ضياع ملكه منه الذى يعبر عنه بقوله “حين نزلت أشهد الميناء أغرتنى النساء وعدت .. لم ألق السفينة”، وهى، كذلك، التى تؤدى دوما إلى سلب القوة من كلماتنا فى تعبيره عن الكلمات “تموت تحت الأغطية”.

(4)

والحقيقة أن توظيف حجازى للطاقة السيميائية لرمز القمر جاء خاصًّا ومتميزا، وهو ما يكشفه البديل المُمْكِنُ للقمر، وهو الشمس؛ إذ يَتَفَوَّقُ رمز القمر على رمز الشمس فى مثل هذه القصيدة لأمور، من أبرزها أن آباء الشاعر الأمير منذ الملك الضليل كانوا يحسبون به الزمن والعروش، ولم يحسبوا ذلك قط بالشمس، وأنه يرتبط بالليلة التى تناسب زوال العروش، وقد قَرَنَهُ حجازى فى المشهد الذى صوره بكلمة ليلة، كما أنه يبقى أكثر هدوءا من الشمس الأمر الذى يشى بأن ضياع الملك قد تم دون محاولة لمنعه. لقد ذهب العرش مثلما تغادر سفينة ميناءها. كما أنه هو الذى يمكن أن يظهر فوق صفحة الماء بعد مغادرة السفينة، وهو من بعد أنسب للحزن الذى نسبه حجازى إليه بسبب ضياع المجد العربى والبكاء عليه.

ونستطيع أن نلمس هذه الطاقات السيميائية وغيرها عندما نَتَأَمَّلُ وصفه لهذا المشهد الذى يشهد فيه القمر على الأحداث، ويسجل أثره على الماء أو مجرى سفينة الزمن التى هبط منها الأمير الشاعر، فهو يظهر على صفحة الماء الذى صفا بعدما ذهبت السفينة، وهو يسجل انتهاء دورات الحضارة؛ فقَطْفُ الزهر الذى يقوم به القمر ليس غير تعبير عن انتهاء موسم من مواسم الازدهار أو دورة من دوراته، ثم ينزل القمر من عليائه متجاوبا مع حزن الأمير، يقول:

حين نزلت أشهد الميناء أغرتنى النساء

وعدت .. لم ألق السفينة

وهكذا أصبحت من أبناء هذه المدينة!

كان القمر

ليلتها فى الماء يقطف الزهر

وكانت المدينه

تبدو على البعد كئيبة حزينه

وحين رنق السكون،وارتمى على الشجر

غنيت يا حبيبتى

تململ الحزن بصدرى مثلما

تستيقظ الذكرى على دفق المطر

ثم مشى مُثَّاقِلَ الخطو كما

تولد أول الدموع فى مآقينا الضنينه

ثم رأيته أمامى واقفا يبكى على مرمى حجر

مستندا برأسه للخلف، ماسحا جبينه

مكللا بالشوك، باسطا يمينه

وقال لى

هذا طريقى، فلنواصل السفر

ولا نقيم فى مدينه

حينئذ أصابنى الخوف، فلم أقو على رد النظر

بينا مضى عنى، وغاب فى السكينه!

(5)

ويأخذ النظر بشدة في هذه القصيدة مواقع التصوير التى يأخذ فيها حجازى لنفسه مجموعة من اللقطات، أو بتعبير آخر شاهد فيها الناس الضِّلِّيل ثانية. وقد جاء اختياره لمواقع التصوير موفقا؛ فهو يسجل مشاهده فى عدة مواقع ذات طاقة سيميائية عالية:

يقع أول مواقع التصوير قرب محطة الترام، يقول:

أقفرت الآن شوارع المدينة

وانفض الناس عنك أيها الأمير

فاحمل بقاياك الثمينه

واحمل تماثيل الأميره

واذهب فقد جاء ترامنا الأخير

وقد عاود التصوير فى هذا الموقع مرتين، أولاهما ينادى على الناس، يقول: استمعوا لى فأنا لست ببائع، ولكنى أمير، وثانيتهما دون تغيير فى الحوار، ولَكِنَّ ورودَهُ بعد الليلة التى قضاها فى حانة المدينة، وقبل أن يبدأ تنقله من شارع إلى آخر يجعل لها طاقة سيميائية تختلف عن ورودها فيما قبل.

ويقع ثانى مواقع التصوير خارج المدينة بالقرب من مينائها، وهو الموقع الذى تم فيه تصوير القمر والذى عرضناه منذ قليل.

ولا تخفى المهارة الفنية في اختيار هذين الموقعين لقدرتهما على التعبير عن الرحلة؛ فإن الترام يظهر قادما في خلفية الموقع الأول، كما تتراءى في خلفية الموقع الثانى سفينة قد أبحرت بعيدا.

أما ثالث مواقع التصوير فيقع فى إحدى حانات المدينة، وهو موقع يجمع المتناقضات؛ ففيه الرداء الحرير الذى ورثه من جده والذى يرتبط بليلة الهجرة، وفيه ذكر المحبوب، وفيه ضياع الملك والأسرة، وفيه عرض الرداء للبيع، وفيه تأكيد على تمام السهرة، ويمكن أن نرى اجتماع هذا التناقض المقدمة الأولى للجنون الذى تنتهى به عودة الضليل، يقول:

هذا ردائىَ الحرير

ما زال لامع السواد، عاطر الستره

أهداه لى في سالف الزمان جدى الكبير

وقال لى .. هذا شعار المجد والقدره

سر تحته فى ليلة الهجره

واستوحه الإيماء والنبره

والق به المحبوب في الليل الأخير

لكننى يا أيها الجمع الغفير

أصبحت .. لا مُلْكٌ، ولا أسره

ولم تعد بى حاجة إلى الرداء

فهل هنا من يشتريه

يأخذه فى آخر السهره

على أن شاعرنا حجازى يَبْهَرُنَا بمشهد حركى غاية فى الإبداع؛ إذ تغيب معه كل المعالم المميزة؛ فهو مشهد ينتقل فيه الأمير الشاعر من شارع إلى آخر ، ثم يَفِرُّ فيه من الشارع إلى الحجرة، كما يهرب من النهار فيه إلى الليل، وأخيرا يطلب التخلص من المشهد كله بالموت، وهو لايعنى أكثر من الفشل فى تقبل الواقع، والعجز عن معالجة التناقض الذى أظهره المشهد السابق، يقول:

شمسك يا مدينتى قاسية علىَّ وحدى

تتبعنى أنى ذهبت

تأكل ثوبى، وتعرى سوأتى

أهرب منها أين يا مدينتى

وهى تنام تحت جلدى!

لا الليل يحمينى ولا سائر الحجره

من هذه الشمس اللعينه

ومن يد تقبض صدرى .. يا ترى هو الأسى

فكيف لا ينزل دمعى؟ يا ترى هى الضغينه؟

فكيف لا أقتل نفسى؟

إنها العوره

ويُبْدِعُ حجازى مشهدا حركيا ثانيا فى شوارع المدينة، وهو موقع التصوير الأخير الذى يقدم به الجنون حلا وسطا بين العجز عن إصلاح الواقع والفشل فى التخلص من الحياة، وهو التخلص الذى التمسه فى المشهد السابق مباشرة، يقول:

عارٍ أنا .. ليس كما ولدتُ .. لا

بل مثل جثة تنوشها الصقور

عارٍ يَلَذُّ لى العبور

بين علامات المرور

أخرج للشرطى لسانى، وأفر راكضا

فيكتم الضحكة فى الوجه الوقور

تشيح عنى أوجه النسوة خوفا، وأنا

أنظر من طرف خفى للظهور والصدور

عار أنا

ظهرى إلى الحائط، أطلقوا الرصاص قبلما

ألفت أنظار الجماهير إلىّ

فيبتنون لى ضريحا،

ويُوَفُّونَ النُّذُور

(خاتمة)

لقد مَنَحَ التَّنَاصُّ القصيدة فرصةً لرَصْدِ عودة الضليل إلى المدينة وهو يَتَنَقَّلُ فيها من موقع إلى آخر حين عاد إليها مُجْهَدًا مُرْهَقًا قد خَذَلَهُ زَمَانُهُ، وغُلِبَ على أمره بعد تغير السياقات كافة. كما أَنَّ تقاطُعَ ظُهُورِهِ الثانى مع ظُهُورِهِ الأول والذى كشف عن اختلافِ حالِه وتَغَيُّرِ لغته قد جَعَلَ بَعْضَ من شاهده يرى أنه ليس الملك الضليل، وإنما أحد أحفاده، وربما شَكَّ بعضهم فى حقيقة نَسَبِهِ لما رأى من تَبَدُّلِ ثيابِه التى ظهرتْ غريبة عن عموم الثياب العربية، وتَسَاءَلَ هذا البعض عن تلك المرأة التى ألصقت بعض الأجانب ليس بالدم الملكى الأزرق،وإنما بالدم العربى الخالص.

كما أن إعادة حجازى لجده الضِّلِّيل إلى المدينة لا تعنى إلا استشعاره الإرهاصات التى تنذر بضياع الثورة العربية أمل الكثيرين فى هذا الوقت؛ فلمَّا يكن ثَمَّةَ سقوط عند إبداع القصيدة عام 1963، كما لم يكن حجازى قد شرع فى رحلته عن مدينته إلى الغرب.