المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مراحل تطور الرواية السعودية د. حسن النعمي


Eng.Jordan
11-20-2012, 09:52 PM
بدا لي وأنا أتأمل ظاهرة التجربة الروائية في السعودية أن أتساءل ما إذا كانت التجارب الروائية تقاس بمعيار التقادم الزمني الصرف، أم بعمق التحولات المصاحبة لتشكلها؟ ولعل هذا التساؤل نابع من طرافة التجربة الروائية المحلية. فبعد أكثر من سبعين عاماً من التراكم الروائي نستطيع أن نقول إننا أمام إيقاعين روائيين يحددان معالم التجربة الروائية. فالظهور الأول لرواية التوأمان لعبد القدوس الأنصاري في عام 1930 بدا باهتاً ليس من الناحية الفنية فحسب، فذلك منسجم مع طبيعة ولادة الأشياء، بل إن ضعف الرؤية وهشاشتها هو ما يمكن أن نجده في الحقبة الأولى من تاريخ الرواية المحلية.

مرت الرواية السعودية بمراحل مختلفة في تطورها، وهي مراحل يمكن أن توفر قدراً من الفهم لطبيعة التطور الفني المنجز في كل مرحلة، غير أن دراسة من هذا النوع – رغم أهميتها - ستنظر للرواية من خلال تطور السياق الفني لكل مرحلة روائية دون تركيز يذكر على الخطابات التي شكلت تجربتها أو محاولة تفسير غيابها أو حضورها من مرحلة إلى أخرى. إن ما يمكن أن يكون نظرة، لا أقول بديلة، بل مختلفة تضيف ولا تتعارض مع القائم من الدراسات الحالية هو استحضار السياقات وتحولات المجتمع بوصفها التربة التي غذت هذه التجربة على امتدادها. ومن هنا، فإن أي تحول في مسار الرواية يمكن أن يُقرأ ضمن سياق التحولات. وسواء كان هذا التحول في مسيرة الرواية في كيفية تقديم الموضوعات الروائية المختلفة أو جماليات السرد وتطورها من مرحلة إلى أخرى، أو من حيث تعاطي موضوعات بعينها ومدى جرأة التناول في بعض مراحل تطور الرواية، فإن الرواية من خلال هذا المنظور تصبح نوعاً أدبياً تلده التجارب الاجتماعية ومدى عمقها، وتغذي نموه التحولات الكبرى، بل تغير من تكوينه الجمالي والمعرفي.
ولعل ضرورات المسح التاريخي تتطلب تقسيمات زمنية مرت بها الرواية بتشكيلات فنية وموضوعية عبر مراحل مختلفة. ورغم يقيني من ضرورة هذا الفعل، إلا أن المقاربة الموضوعية لحركة الرواية داخل سياقها الاجتماعي سيولد مكتسبات معرفية في غاية الأهمية. وهو ما سنسعى له في موضع آخر من هذا الفصل بعد أن نرسم معالم حركة الرواية في إيقاعها الزمني وعلاقة ذلك بالقيمة الفنية للرواية.
ولذلك سنسعى إلى ربط حركة الرواية التاريخية بتحولات البنية الاجتماعية. فتاريخ الرواية ليس إلا تجل لتغيرات اجتماعية عميقة، يضاف إلى ذلك أن من كتب الرواية في بداية تاريخها، ينطلق من وعي بأن الرواية تاريخ محكي أكثر منها رؤية فنية تتقاطع مع التاريخ والمجتمع. وعليه، فإن الاعتقاد بأن الرواية تصور المجتمع هو اعتقاد، رغم مجافاته للحقيقة الفنية، منتشر وراسخ لدى كثير من قراء الرواية. ورغم ما قد يسببه هذا الوعي من تشويه لدور الرواية الاجتماعي، فإن ذلك يشير إلى ضرورة تأمل تاريخ الرواية من خلال التحولات الاجتماعية.
التكوين وتلمس الطريق
يشاء قدر الأدب في المملكة عامة، والرواية خاصة أن تنطلق من ثنايا تحول سياسي واجتماعي على أعلى مستوى؛ فالتحول السياسي هو تكوين الدولة السعودية في الثلاثينيات من القرن العشرين، أما الاجتماعي، فهو فكرة الوحدة الوطنية وتطبيقاتها والسعي إلى الاندماج الاجتماعي في سياق سياسي واحد. أين يقف الأدب من هذا المنطلق؟ لقد عبر الجيل الأول من الأدباء في المملكة عن نزعة المواكبة لمنطلقات الدولة الجديدة. فجاء شعرهم يحمل روح التجديد أو الدعوة له على أقل تقدير بوصفه مظهراً من مظاهر الحياة الجديدة، وفاصلة عن مرحلة، بل مراحل سابقة ليس في زمنيتها فحسب، بل في طبيعة تكوينها. فمن مجتمع شتات، إلى مجتمع وحدة، ومن مجتمع منكفئ على نفسه، إلى مجتمع ذي هوية سياسية موحدة ومنطلقة نحو المدنية السياسية والاجتماعية. في هذا الجو يقدم محمد حسن عواد قصيدته (خطوة إلى الاتحاد العربي) مبشراً فيها بعهد جديد. ولعل أهمية القصيدة تكمن في كونها جديدة في شكلها عن السياق الشعري المحافظ، فهي قصيدة عدت من أوائل القصائد التي قاربت الشعر الحر، والأهم كذلك هو اختلاف مضمونها، فبقدر ما كانت ثناء على الوحدة السياسية التي تحققت، فلم تكن مدائحية على النمطية المألوفة للشعر المحافظ، بل كانت موقفاً مع التاريخ المتحول لحظة الوحدة السياسية الاستثنائية، واستشرافاً لوحدة عربية أكبر.
في هذا المحيط التاريخي المتحول ينشأ الأدب في المملكة، لكن بالنسبة للشعر كانت النشأة تغييراً في المسارات الأدبية من الأنماط القديمة المحافظة إلى أنماط جديدة على مستوى الشكل والمضمون والرؤية، أما بالنسبة للأدب السردي عامة، الرواية خاصة فالأمر يختلف، بل يزداد التصاقاً بالتحول السياسي. فالرواية، خاصة، شكل من أشكال الحداثة الأدبية والاجتماعية، فهي النص الوحيد القادر على استيعاب حراك المجتمع وتفاعلاته، كما أنها النص الذي يقدم النمط الحواري في كيفية تداخل الأنساق الاجتماعية عبر المحكي ذي الخلفيات الاجتماعية المختلفة.
*****
2. إن قراءة الرواية السعودية قراءة سياقية تقتضي النظر للمكونات الخارجية التي شكلت الخطاب الروائي. فالرواية من الأعمال التي تتغذى في وجودها من تسارع إيقاع المجتمع من حيث التحولات الكبرى التي تقع في محيطه أو تصب في أعماق كيانه. كما تتغذى الرواية على ما يقدمه المجتمع من هامش للروائي في خلق أجوائه الروائية. وهذا لا يعني أن الروائي يجب أن يحجم عن المغامرة في سعيه عن كشف المسكوت عنه في الخطاب الاجتماعي المعلن. غير أننا لا نتكلم عن الروائي بعينه، إنما نتكلم عن مسيرة تراكم التجربة الروائية بوصفها جنساً أدبياً ينظر للواقع بعينين؛ عين تلتقط وتشكل عالمها من خلال تقاطعها مع وقائع الحياة، وعين تراقب ردة الفعل تجاه جرأتها وقدرتها على كشف المسكوت عنه. وبقدر القدرة على الالتقاط والتقاطع، والقدرة على خلق هامش تتحرك في فضائه يمكن للرواية أن تشكل خطاباً يسعى إلى التنوير.
إننا نرى أن أقرب وصف لتجربة الرواية في ضوء السياقات الخارجية هو ما يمكن أن نصطلح عليه بالإيقاع. ومن هذا المنطلق فإن النظر للرواية السعودية على امتداد تاريخها لا تخرج عن كونها تجربة إيقاعين لا ثالث لهما، أحدهما بطيء والآخر متسارع، فما دلالة هذا التغاير؟ لمقاربة مفهوم الإيقاع ومعرفة حصيلة تفاعله مع حركة الواقع يجدر بنا أن نقرأ خارطة الرواية من منظور التحولات الكبرى وعلاقتها بطبيعة المجتمع المحافظ. ولعل قراءة من هذا النوع تشكل مدخلاً مهماً يمكن أن نقيس عليه تطورات التجربة الروائية منذ صدور رواية التوأمان في عام 1930 وحتى الوقت الراهن. ويتحدد مفهوم الإيقاع بحجم الحضور الروائي وتراكمه من ناحية، وقدرته على تحقيق فاعلية اجتماعية في تفكيك خطابات المجتمع. وهذا التحديد يخضع لشرط العوامل الخارجية وما تحدثه من تحولات في الوعي العام سواء تحت إلحاح الضرورة، أو موافقة أو استجابة لمطلب اجتماعي داخلي.
يبدو لزاماً في البدء أن نضع محدداً أولياً لرصد مفهوم الإيقاعين في سياق تجربة الرواية. الإيقاع الأول، بطيء، يبدأ منذ صدور رواية التوأمان في عام 1930 وحتى عام 1980. ولعل أبرز ملامح هذا الامتداد الزمني من تاريخ الرواية هو قلة الإنتاج[i] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_edn1) مع ضعف البنية الفنية وعدم القدرة على تقديم موضوعات تكسر تقليدية ورتابة الطرح الروائي. أما الإيقاع المتسارع فيبدأ منذ 1980 وحتى الوقت الراهن (2008م). وهو إيقاع يرصد زيادة التراكم الروائي بشكل ملحوظ في فترة زمنية قصيرة مقارنة بالفترة السابقة، بالإضافة إلى تطور التجربة الروائية وجرأة الطرح الروائي. وهذا التحديد لا علاقة له بترتيب الأجيال، بقدر ما له علاقة بالسياقات المحيطة بالتجربة الروائية ذاتها. فالجيل أو الإنتاج الروائي هو في الأصل إفراز للتفاعلات الاجتماعية سواء كانت تفاعلات خارجية أو داخلية.
السؤال الآن، هل تتعارض فكرة الإيقاع مع التقسيمات التاريخية في تطور الرواية السعودية؟ إن فكرة رصد طبيعة الحركة الرواية في حقبة أو حقب تاريخية من شأنه أن يجيب على علاقة الرواية بمجتمعها من حيث القبول والرفض، ومن حيث التأثير المتبادل، ومن حيث رصد ما إذا كانت الرواية قد استفادت من المعطيات الخارجية في تكوينها، أم أنها مجرد أشكال روائية خارج سياقها الاجتماعي! لعل مقاربة الإيقاع مع التحول الزمني مهم على مستوى فهم العلاقة بين الرواية ومجتمعها، وإدراك مدى تأثير التطور الاجتماعي على تطور الرواية ليس على المستوى الفني فحسب، بل على مستوى الرؤية وتمثيل المضامين ذات الطبيعة الجدلية اجتماعياً.
إذن، لا تعارض بين التقسيمات التاريخية لتطور الرواية وبين خفوت وحدة تفاعلها مع مجتمعها، أو ما نفضل تسميته بالإيقاعين؛ البطئ والمتسارع في علاقة الرواية بمجتمعها. فمن خلال الربط بين المعطى التاريخي بوصفه حركة خارجية، والمعطى الاجتماعي بوصفه حركة داخل الرواية يمكن فهم التداخل بين خارج الرواية وداخلها. فالمضامين والرؤى التي تطرحها الرواية تأتي في مقابل التحولات الخارجية التي تحيط بالرواية. فقد لا نجد صدى مباشراً لحرب الخليج الثانية أو أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، لكن تأثيرهما على مسيرة الرواية جد عميق.
*****
وفي هذا السياق يشتد المد والجزر بين الرواية التي تبحث عن إنجاز الممكن وبين الثقافة الاجتماعية المحافظة التي تسعى لتمكين الكائن والمستقر الاجتماعي من خلال المحافظة على أبنيته ومركزيته بعيداً عن النقد أو المساءلة أو حتى الإشارة إلى إعادة صياغة مشروع التنمية الاجتماعية. فالثقافة المحافظة تنظر للآداب عادة نظرة غير متصالحة، نظرة تحسب مكاسبها من توظيفها للآداب، من حيث تطويعها لأنساقها وخطاباتها. ولذلك تضع الثقافة المحافظة محدداتها واشتراطاتها في علاقتها بالآداب مسبقاً. وما يمكن أن ينتج من الآداب في ظل الثقافة المحافظة لا يخرج عن نوعين؛ نوع منقاد لاشتراطات الثقافة، مستظلاً بهيمنتها حتى يغدو تابعاً من توابعها، بل ولسان حالها، وإما أن يكون مشاكساً، ومتحدياً، وكاشفاً لأدواتها وأنساق الهيمنة في خطاباتها، لكنه في هذه الحالة يحمل رسالة أقرب للصراخ منها للفن الذي يصنع البدائل الخلاقة للحياة، هدفه في هذه الحالة ثوري إيديولوجي غير مستبطن لمشكلات الثقافة المحافظة التي لا تؤمن بالتعدد ولا خلق مساحة قابلة للتحاور.
ويبدو الانقياد لاشتراطات الثقافة المحافظة قسرياً أحياناً. فقد ذكر أحمد السباعي في كتابه أيامي ما نصه: “وكنت أحد المتحمسين لقضايانا الاجتماعية، أتمنى لو استطعت أن أفرغ كل ما يدور في رأسي من أفكار شابة، وأن أذيبها حروفاً مقروءة في مقالي الرئيسي. ولكن البيئة لا تميل لمثل هذا الشطط، فقد عاشت محافظة بكل ما في هذا من معنى، وهي تأبى عليك إلا أن تعيش رزيناً، وأن تخنق في نفسك صبوة الشباب، لئلا تزحف على ما ألفت أو تهاجم ما ورثت”[ii] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_edn2).
بدأت مسيرة الرواية بما اصطلح عليه دارسو الرواية السعودية بمرحلة النشأة، وهي مرحلة تمتد من عام 1930 تاريخ صدور رواية التوأمان إلى أواخر الأربعينات بصدور رواية البعث لمحمد على مغربي. وهي فترة عقدين من الزمن واكبت بدء تكوين المجتمع السعودي وما صاحب فترة التكوين من استقطابات سياسية وقبلية وبناء مؤسسات الدولة الفتية حتى استقر المجتمع تحت الكيان السياسي الحالي. وقد كان المجتمع الثقافي في الحجاز، مكة وجدة على وجه الخصوص، هو السباق للتفاعل ثقافياً مع الأدب العربي في مصر والشام، بالإضافة إلى الأدب في المهاجر الأمريكية. جاءت نتيجة هذه التواصل ظهور جيل شاب متطلع للخروج من ظلال الثقافة التقليدية، ومتطلع إلى الأخذ بالمكتسبات المتجددة في المحيط العربي.
ومن هنا وجدت الرواية نفسها إما أن تهادن، أو تشق طريقها في البحث عن الممكن، مرة ناقدة، ومرة كاشفة، ومرة محرضة، وهكذا. ومن خلال استعراض مراحل تطور الرواية نجد أن الرواية ظلت مهادنة في مجمل حقبها باستثناء روايات التسعينات الميلادية وما بعدها، حيث لعبت دوراً معاكساً للثقافة الاجتماعية المحافظة، من خلال البحث الدائم في المسكوت عنه في الخطاب الثقافي المحافظ.
ولمقاربة أكثر وضوحاً فيما يتعلق بتطور الرواية في سياق حركة التاريخ من ناحية، وفي نموها في علاقتها بالمجتمع أو مفهوم الإيقاع الموضوعي، نسعى إلى الربط من خلال استعراض مراحل التطور التاريخي للرواية. والراصد يجد أربع مراحل زمنية شكلت الإطار التاريخي لتطور الرواية، هي:
1- مرحلة النشأة
2- مرحلة التأسيس
3- مرحلة الانطلاق
4- مرحلة التحولات الكبرى
تعكس هذه التقسيمات في بعض مظاهرها ملامح النمو الفني في التجارب الروائية، غير أنه يمكن رصد طبيعة الموضوعات التي اقتربت منها الرواية في كل حقيبة من هذه الحقب، بل يمكن أيضاً قياس الجرأة الاستثنائية لبعض الأعمال في تناول موضوعات مناهضة للثقافة السائدة. ورغم أن هذه المراحل هي إطار تاريخي مألوف في كثير من التجارب الروائية، فإنها تظل لازمة مرجعية مهمة توفر بدورها نظرة شمولية. ورغم إقرارنا بهذه التقسيمات، فإننا سننظر لتاريخ الرواية من منظور آخر، نرى أنه يحقق عمقاً أكبر حيث يربط بين القيم الفنية والقيم الموضوعية في تطور الرواية.
*****
3. مرحلة النشأة:
استهلت الرواية السعودية مسيرتها بصدور رواية (التوأمان) لعبد القدوس الأنصاري وذلك في عام 1930م. وكأي بداية فقد جاءت رواية (التوأمان) ضعيفة من حيث مستواها الفني، ومحافظة في رؤيتها، حيث كان موضوعها الأساسي يعالج مشكلة العلاقة الحضارية بين الشرق والغرب. ورغم أهمية الموضوع، فإن الصراع قد حسم فيه لبيان عظمة الشرق وفساد الغرب دون مراعاة لنمو الشخصيات وفقاً لأصول الفن الروائي. أبطال الرواية (رشيد وفريد) توأمان عاشا تجربتين مختلفتين، رشيد الابن الذي تعلم في المدرس الوطنية كان أكثر التزاماً ورقياً علمياً وإنسانياً، بينما أخو رشيد (فريد) الذي فضل أن يتعلم في المعاهد الأجنبية، خسر حياته لأن هذه المعاهد دفعته للفساد حتى ذابت شخصيته وخسر نفسه ودينه ومجتمعه. وهذه رؤية مسبقة ومتحيزة لم يترك الكاتب فيها للقارئ فرصة التأويل والاستنتاج، فجاءت الرواية فقيرة في مضمونها ضعيفة في بنيتها.
إلى جانب رواية التوأمان ظهرت مجموعة روايات تتسق مع الخط الذي سلكته رواية التوأمان من حيث نزعتها الإصلاحية الاجتماعية مع فروق في درجات الوعي الروائي. وتأتي رواية (فكرة، 1948م) لأحمد السباعي بوصفها الرواية الثانية التي بدت أكثر تعبيراً عن التطلعات الاجتماعية الحديثة. فمن خلال البطلة فكرة التي تنظر إلى واقعها، وتنظر إلى ما هو أبعد من واقعها رغبة في تلمس سبل النهوض. وهو توجه نطق به أصحاب التجديد من الكتاب والأدباء من أمثال محمد حسن عواد وحمزة شحاتة وأحمد قنديل وغيرهم. وتلي هذه الرواية رواية (البعث، 1948م) لمحمد علي مغربي. وهي تطرح إشكالية العلاقة الحضارية مع الآخر من خلال أسامه الزاهر الذي اضطره مرضه لأن يبحث عن العلاج في خارج البلاد. وهي بناء مجازي لفكرة الاستفادة من الآخر. فأثناء غيابه يكتشف ما ينقص مجتمعه، وكأن ضرورة التعايش مع الآخر أبعد من مستواها المادي إلى إمكانية الاستفادة من التجارب الإنسانية في تصحيح أوضاع مجتمعه. وتنتهي هذه المرحلة برواية (الانتقام الطبعي، 1954م) لمحمد الجوهري.
وقد تميزت هذه المرحلة بطولها الزمني بدءاً من عام 1930م إلى 1954م. ورغم هذا الطول النسبي فقد اتسمت هذه المرحلة بقلة الإنتاج الروائي، بالإضافة إلى ضعف المستوى الفني. كما غلبت على هذه الروايات النزعة الإصلاحية الاجتماعية.
4. مرحلة التأسيس:
وتعد فترة الخمسينيات الميلادية فترة جمود روائي حيث لم تصدر رواية رواية (الانتقام الطبعي) في عام 1954)، وهي فنياً أقرب روايات مرحلة النشأة. أما الرواية المؤسسة لهذه المرحلة فهي رواية (ثمن التضحية) لحامد دمنهوري التي صدرت في عام 1959م، حيث شكلت قفزة فنية وبداية واعدة للتطور الفني في صناعة الرواية. فقد بدت أكثر الروايات استعداداً لتقديم رؤية جريئة مفارقة للواقع. وهو رواية ترصد ملامح التغير الاجتماعي في مكة في مرحلة الأربعينيات الميلادية من خلال نمو الشخصية الرئيسية أحمد منذ طفولته وحتى ذهابه إلى القاهرة لمواصلة دراسته.
وللاقتراب أكثر من رواية ثمن التضحية نرى أن حبكة الرواية تدور حول أحمد الشخصية الرئيسية في الرواية وعلاقته بابنة عمه فاطمة الأمية التي أحبها منذ صغره. وعندما أنهى دراسة الثانوية، عقد قرانه عليها على أن يتم الزواج بعد عودته من دراسته في مصر. وهناك في مصر يتعرف على فائزة الوجه الآخر لفاطمة، لكنها متعلمة ومثقفة، وهو الشيء الذي تفتقر إليه فاطمة. يناضل من أجل كبح جماح عاطفته التي انساقت وراء فائزة. ورغم أنه أحبها لذاتها ولثقافتها، فإنه يحسم أمره وفاء لرباطه المقدس بفاطمة، مضحياً بقناعته وإعجابه وحبه في سبيل الوفاء بعهده. وبعد عودته يجد فاطمة خير ثمن لتضحيته، كتعبير من الرواية عن ثمن تمسكه بالتقليد الاجتماعي.
وفي هذه المرحلة يصدر حامد دمنهوري روايته الثانية (ومرت الأيام، 1963م)، وإذا كانت قد حرصت الرواية على تقدم الملامح الاجتماعية في مكة وجدة من خلال سير الأحداث، فإنها كانت أقل فنياً، حيث جاءت متراجعة عن المستوى الفني الذي بشرت به رواية (ثمن التضحية)، في الوقت الذي كان القارئ ينتظر نضجاً فنياً أكبر في رواية ومرت الأيام[iii] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_edn3).
ويكاد عنوان الرواية يلخص سير الأحداث التي ترصد رحلة إسماعيل من مكة إلى جدة، ثم إلى الرياض، حيث تقابلها رحلة أخرى من الفقر إلى الثراء. فإسماعيل الذي استفاد من فرص العمل مع شريكه اللبناني نبيل توفيق بعد أن ترك عمله الحكومي، يكشف مجتمع الوافدين العرب الذين ساعدوا في بناء المجتمع في حقبة كان المجمع في بداية نهضته التعليمية والاجتماعية.
وفي حقبة الستينات يظهر إبراهيم الناصر بمجموعة أعمال روائية، ولعله الكاتب الأوحد الذي امتدت تجربته منذ أوائل الستينات وحتى الوقت الحالي. في هذه المرحلة أصدر روايتين هما؛ (ثقوب في رداء الليل، 1961م)، والرواية الثانية (سفينة الموتى، 1969م)، وأعاد نشرها في عام 1989م تحت عنوان (سفينة الضياع)، وقد برر الناصر إعادة الطبع بنفاد الكمية، لكنه لم يبرر تغيير العنوان[iv] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_edn4).
تطرح رواية ثقوب في رداء الليل أزمة العلاقة بين القرية والمدينة، وهو موضوع يطرح لأول مرة في الرواية السعودية منذ بداية ظهورها في عام 1930م. وهذا الموضوع سيصبح في رواية الثمانينات من أكثر الموضوعات حضوراً وخاصة في روايات عبد العزيز مشري. العلاقة بين القرية والمدينة يكمن في اختلاف القيم، من إنسانية النزعة إلى براغماتية نفعية. في رواية ثقوب في رداء الليل تضطر العائلة إلى العودة للقرية رغبة في استعادة قيمها التي بدت غريبة في عالم المدينة. وإذ تعود العائلة للقرية يُلمح إبراهيم الناصر إلى فشل التعايش بين القيم الأصيلة وبين القيم المستحدثة في المدينة.
أما رواية سفينة الموتى فهي تقدم الوجه المؤلم للمدينة، حيث تدور الأحداث في المستشفى المركزي في الرياض في مرحلة الستينات. وقسوة العنوان تبرره أحداث الرواية التي يتصاعد منها رائحة الموت. وهي إجابة رمزية لتفسخ القيم في المدينة ولا إنسانيتها.
4 / 1 وتسجل فترة الستينات الميلادية أول حضور للرواية النسائية في المشهد الروائي السعودي. فكيف تحقق ذلك؟ وما هي تداعياته بالنسبة لمسيرة الرواية. وكيف يمكن المواءمة بين تأخر تعليم الفتيات النظامي إلى فترة الستينيات الميلادية وظهور الرواية النسائية؟ أحسب أن هذا الموضوع يحتاج إلى وقفة جادة، فهو يقف في سياق التحولات التاريخية التي من شأنها تغيير المسارات والتمكين من فرص استثنائية كما كان الحال بالنسبة لمغامرة المرأة مع كتابة الرواية. من هنا نرى أن قراءة الإنتاج الروائي النسائي في المملكة من خلال شرط التحول التاريخي ما يؤكد أن الرواية حركة في قلب التاريخي، وليس في خارجه. وما نحتاجه هنا هو فهم أرضية الحركة الاجتماعية الجاذبة أو الطاردة لعطاء المرأة في سياق تاريخ تطور الرواية السعودية.
الرواية النسائية وشرط الوجود التاريخي:
يذهب دارسو الرواية إلى أن بداية ظهور الرواية النسائية السعودية كان في أوائل الستينات الميلادية عندما بدأت سميرة خاشقجي تصدر رواياتها خارج المملكة. وليس هذا التاريخ مهماً في ذاته، بل أهميته تكمن في علاقته بتاريخ صدور رواية الرجل في عام 1930م عندما أصدر عبد القدوس الأنصاري رواية التوأمان. إذن، ثلاثون عاماً تفصل بين صدور رواية الرجل وصدور رواية المرأة. ورغم عدم اتفاقنا مع النظر للرواية وفقاً لهذا التقسيم، فإن الضرورات المعرفية تحتم ذلك. ما الذي يمكن أن نجده في هذا الفارق الزمني؟ إن هذا الفارق الزمني يؤكد حضور الرجل، ثقافة وكتابة في سياق الثقافة المحلية، في الوقت الذي لم تجد فيه المرأة فرصة الحضور لأساب اجتماعية محافظة، حيث لم يكن لها نصيب في مسيرة التعليم رغم ضعف هذه المسيرة وبدائيتها في بداية عهد البلاد بهذه المسيرة. وعليه، فإن التعليم يعد القياس الأنسب للبحث في تحيز المجتمع ضد المرأة. فالمرأة لم تحض بالتعليم النظامي إلا في الستينات الميلادية، وهي المرحلة التي تزامنت مع صدور الرواية النسائية. فكيف تكتب المرأة رواية إبداعية وهي غير مؤهلة للقراءة والكتابة أصلاً؟ فهل يستقيم ذلك مع طبيعة الأشياء؟ إن الرواية خاصة والأدب الفصيح عامة هو ناتج ثقافة القراءة والكتابة، ليس على المستوى الإجرائي، بل على المستوى المعرفي. فحركة التعبير الأدبي ليست حركة فردية تتم من طرف واحد، إذ لا بد من سياق اجتماعي وثقافي يتلقى ويتفاعل حتى تتحقق دائرة التواصل والتأثير. ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يجزم بوجود الشرط الثقافي والمعرفي بالنسبة للمرأة في تلك الحقبة، فضلاً عن أبجدية القراءة والكتابة. فكيف نوفق بين روايات صدرت في تلك الحقبة وأرخت لبداية الرواية النسائية وبين غياب تعليم الفتيات النظامي حتى ذلك التاريخ. ولعل الاحتجاج بكفاية التزامن بين صدور الرواية النسائية وبداية التعليم النظامي ليكون سبباً في التأريخ لبداية الرواية المسائية، لا ينهض، في الحقيقة، ليكون حجة على بداية الرواية النسائية. ذلك أن ظروف بداية صدور الرواية كان بعيداً عن السياق الطبيعي لنمو المجتمع. فقد جاء صدور الرواية الأولى لسميرة خاشقجي في حين كانت تجربة التعليم النسائي النظامي في المجتمع السعودي ما تزال في خطواتها الأولى. ومعلوم أن التأثير لأي مسيرة تعليم يبدأ مع مخرجات التعليم التي تحتاج إلى قرابة عشرين عاماً من بداية مسيرتها على أقل تقدير حتى يمكن أن تمارس ترف الكتابة والنشر وتعاطي الأدب وتذوقه. علاوة على ذلك، فإن التعليم حتى أوائل الثمانينات الميلادية لم يتجاوز الثانوي للكثير من الفتيات. كما أن تجربة الكاتبة سميرة خاشقجي الثقافية تجربة خارجية، حيث تعلمت واطلعت على جنس الرواية وجربت الكتابة وتلقت أصداء قراءة أعمالها. إضافة، إلى ذلك، لا يجب أن يغيب عن تفكيرنا أن صدور الروايات الأولى كان خارج المملكة العربية السعودية، وهو أمر يضاف إلى جملة الأسباب التي تؤكد صعوبة التأريخ لصدور الرواية النسائية بداية الستينات الميلادية التي تعد البداية الأولى لانطلاق التنمية الاجتماعية الموجهة للمرأة.
ما نود أن نصل إليه أن الروايات التي صدرت في الستينات حتى مطلع الثمانيات ليست نتاج البيئة الاجتماعية والتعليمة للمجتمع السعودي، بل نتاج تجارب نسائية فردية تنورت تعليمياً وثقافياً في بيئة خارج المجتمع السعودي. فرغم نسبة الأعمال إلى هوية كاتباتها، فهي نسبة تتوخى الهوية الوطنية، وليس هوية التكوين الثقافي والاجتماعي للفرد. فإذا كان الانتماء للهوية الوطنية رسمي، لا يشترط المعايشة والتفاعل، بل يكتفى بتسجيل الانتساب للهوية مع حرية اختيار مكان الإقامة داخل أو خارج الوطن وفقاً لظروف الفرد ونمط معيشته وارتباطاته، فإن الهوية الثقافية والاجتماعية بالنسبة للفرد تصبح حتمية لنسبة الأعمال الأدبية لسياقها الاجتماعي والثقافي.
ولمقاربة أكثر وضوحاً يمكن النظر في روايات سميرة خاشقجي وهدى الرشيد وهند باغفار الصادرة في فترة الستينات والسبعينات الميلادية، فهي أعمال تقدم دلالة حية على هذا النمط من الكتابات التي استفادت من التربية الثقافية الخارجية في تقديم هذه الروايات ونسبتها إلى الرواية السعودية بحكم انتمائهن الوطني لا الثقافي. فهن وغيرهن من الكاتبات المتقدمات زمناً، من أمثال فوزية أبو خالد وشريفة الشملان، قد بذلن مجهوداً كبير في التعليم والتثقف في بيئات أخرى وفرت لهن ما لم يجدنه في بيئتهن الاجتماعية المحلية. فسميرة خاشقجي، على سبيل المثال، تربت تعليمياً وثقافياً وقيمياً خارج المجتمع السعودي، ومعظم رواياتها تدور في سياق غير المجتمع السعودي مثل رواية (ذكريات دامعة) أو رواية (بريق عينيك). وحتى الروايات، مثل (قطرات من الدموع)، التي كتبتها عن المجتمع السعودي تعد كتابة من الخارج، أفكارها مسبقة وحوادثها جاهزة لتجيب عن قلق الكاتبة، لا أن تعالج التكوينات الاجتماعية بواقعية شديدة الخصوصية والصلة بالمجتمع في حركته اليومية. ولا تخرج رواية (البراءة المفقودة، 1972م) لهند باغفار، ورواية هدى الرشيد (غداً سيكون الخميس، 1977م)، وهما روايتان صادرتان في فترة السبعينات الميلادية، عن معالجة بعيدة عن أجواء البيئة السعودية، حيث تدور أحداث الروايتين في بيئتين خارجيتين. وفي المقابل، نلحظ في الروايات النسائية السعودية التي صدرت في فترة التسعينيات الميلادية وما بعدها تغيراً جوهرياً، حيث نلحظ عمق المعالجات الروائية وقدرتها على إحداث صلة بالواقع اليومي، صلة نرى أنها نتاج حركة طبيعية لسياق ثقافي بدأ تشكله في أوائل الستينيات الميلادية، حيث وضع تنوير المرأة في الحسبان لأول مرة. ويمكن أن نستحضر في هذا السياق مجموعة من الروايات النسائية التي تجيب على فرضية الرواية من داخل السياق الثقافي لا من خارجه. فالمتأمل في رواية ليلى الجهني (الفردوس اليباب، 1998م)، ورواية نورة الغامدي (وجهة البوصلة، 2002م)، ورواية (بنات الرياض، 2005م)، وهي الروايات الأولى لكل واحدة منهن، يلمس مدى أهمية التكوين الثقافي في توجيه مسار هذه الروايات، وجعلها ذات قيمة داخل سياقها الاجتماعي والثقافي. فهن وغيرهن كن نتاج تكون ثقافي عرفن أبعاده فدخلن في جدلية عميقة معه، ولم تعد هؤلاء الكاتبات وغيرهن متلقيات، بل أضحين منتجات للاختلاف. فحققت رواياتهن أعلى مقروئية ممكنة في سياق ثقافي واجتماعي آخذ في التغير.
أين يمكن الآن أن أصل بفرضية الرواية من داخل السياق الثقافي لا من خارجه؟ إن كل ما تقدم يدفعني لافتراض بداية مختلفة للرواية النسائية السعودية مختلفة عما ألفه الدارسون، واطمأن إليه النقاد. لأن من ضرورات النظر في تاريخية الرواية النسائية السعودية التأكيد على أن الرواية هي نتاج سياقات وتجارب وليس مجرد ظهور إصدار يحمل اسم كاتبة مواطنة يمكن أن يلغي حتمية العلاقة بين الرواية وسياقها. وعطفاً على وعينا بخصوصية تجربة الرواية النسائية السعودية ومدى صلتها بحركة المجتمع سواء في السياق التعليمي أو الثقافي، فلا يمكن أن تكون الرواية إلا مخاض تجربة مجتمع يبني كاتبتها ويسلحها بقدر من الحريات العامة، مثل حرية التعليم. إن البداية المفترضة للرواية السعودية التي ولدتها تجربة تعليم الفتيات النظامي يمكن رصد ملامحها مع بدء صدور روايات كاتبات الثمانينيات من أمثال أمل شطا في روايتها (غداً أنسى، 1980م)، ورجاء عالم في روايتها (4 صفر، 1987م)، وبهية بوسبيت في روايتها (درة من الأحساء، 1987م)، وصفية عنبر في روايتها (وهج من بين رماد السنين، 1988م)، وصفية بغدادي في روايتها (ضياع والنور يبهر، 1987م). ورغم قلة المنتوج الروائي وضعفه الفني باستثناء نسبي لرواية 4/ صفر، فإننا نتحدث عن ثمرة التجربة النسائية مع التعليم والتحول النسبي للمجتمع نحو الأخذ بأسباب التمدن. إن هذه الحقبة تمثل رمزياً، بالنسبة للمرأة، اللحظة التي بدأت تحيك خطابها الروائي وتعلن بدء إسهامها الثقافي والإبداعي. غير أن تنامي الرواية النسائية وحضورها الفاعل تأخر إلى أواخر التسعينيات الميلادية مع الموجة الجديدة من الروايات التي وصلت إلى ذروتها في المقروئية بصدور رواية (بنات الرياض) في عام 2005، حيث حققت أعلى مقروئية ليس بالنسبة للرواية النسائية فحسب، بل للرواية السعودية عموماً.
4/ 2 ويبدو حال الرواية في حقبة السبعينيات الميلادية مشابهاً في ضعف الإنتاج الروائي وقلته وعدم قدرته على تحقيق اختلاق نوعي وإحداث تأثير في سياق الحركة الثقافية. فإلى جانب مواصلة إبراهيم الناصر إصداره لرواية (عذراء المنفى، 1977م)، فقد ظهرت أول رواية لعبد الله جمعان (القصاص، 1979م). رواية غالب حمزة أبو الفرج (الشياطين الحمر، 1977م). كما امتازت المرحلة بصدور ثلاث روايات بأقلام نسائية كما أشرت سابقاً؛ وهي رواية هند باغفار (البراءة المفقودة، 1972م)، ورواية عائشة زاهر أحمد (بسمة من بحيرات الدموع، 1979م)، ورواية هدى الرشيد (غداً سيكون الخميس، 1979م).
وباستثناء رواية (الشياطين الحمر) التي تتحدث عن أزمة اختطاف وزراء البترول العرب في فينا في عام 1976م، وقدمها الكاتب بواقعية تسجيلية مفرطة، فإن روايات هذه المرحلة على قلتها تركيز على قضايا المرأة في المجتمع السعودي من حيث إشكالية وجودها في مجتمع محافظ وضرورة حصولها على حقوقها الاجتماعية. وإذا كان هذا الأمر غير مستغرب بالنسبة للرواية التي كتبتها المرأة، وهو ما سنوسع الحديث عنه في الفصل الثاني (مضمون الخطاب الروائي)، فإن تركيز روايتي الناصر والجمعان على المرأة وتأكيد حقوقها ودورها في المجتمع، تعدان إشارة تنويرية لا بد من الاحتفاء بها. وأحسب أن هذه هي المرأة الأولى التي يلتفت فيها روائي إلى تقديم قضية المرأة في عمله بهذا الاهتمام الكبير. وقد نستثني رواية أحمد السباعي (فكرة، 1947م)، التي قدمت المرأة مساوية للرجل في القدرة على الإسهام في بناء المجتمع، رغم أن حضور المرأة (فكرة في الرواية) كان حضوراً رمزياً فلسفياً لما يتحقق وجوده في الواقع الاجتماعي بعد. ولذلك، فإن المرأة في رواية الناصر والجمعان واقعية الملامح تعاني من استبداد الرجل وتنشد الانتصار لحقوقها، والإسهام بوعيها في بناء المجتمع. فرواية القصاص تحتفي كثيراً بالمرأة المتعلمة، بل إنها تصبح سبباً في “في إيقاف الفتنة التي كادت تقع بسبب الأخذ بالثأر على الطريقة البدائية، … واللجوء إلى الحكم القضائي”[v] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_edn5)، حيث تنجح بعد أن هدأت النفوس بإقناع أهل الدم بالتنازل. إن الالتفاتة الذكية في الرواية هي تأكيد أهمية التعليم عموماً، وتعليم المرأة خصوصاً[vi] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_edn6)، وما ينتج عنه من دور تنويري مهم.
5. مرحلة الانطلاق:
تنطلق هذه المرحلة مع بدء الثمانينيات الميلادية، حيث تبدأ مسيرة التنمية الاقتصادية وما واكبها من طفرات اقتصادية واجتماعية. وتعد مرحلة الثمانينيات الميلادية هي مرحلة بداية انفتاح المجتمع وتحسن وضعه الاقتصادي وزيادة رقعة التعليم وتنوع قنواته وبداية مخرجاته التي أخذت تلامس حركة المجتمع. ونحن لا نشك في أن هناك عوامل خارجية كثيرة ساهمت في التحول من مجتمع محدود التجربة إلى مجتمع اتسعت تجاربه واحتكاكه بتجارب المجتمعات الأخرى. فتوافد آلاف العاملين من جنسيات مختلفة بغرض اقتصادي سواء في مجال الطب أو التعليم أو المهن والحرف المختلفة كان له مردود في خروج المجتمع من رتابة المشهد اليومي إلى آفاق أبعد عمقاً. بالإضافة إلى الخروج الكبير لشرائح اجتماعية إلى خارج الحدود لغرض الدراسة أو التجارة أو السياحة، وهو ما ترتب عليه من تفاعل للتجارب والقناعات واكتشافات معرفة وإنسانية عميق التأثير سلباً وإيجاباً في تكون المجتمع السعودي.
أين تقف الرواية السعودية من كل ذلك؟ إن في بعض تجلياتها ما يُعد استثماراً أمثل للتجاذبات وحدة الحركة وتوترها، وهو ما شهده المجتمع في الثمانينيات من صراع بين قناعات الإبقاء على تقاليد الماضي القريب وبين الرغبة في المواكبة والاندماج مع المستجدات المعاصرة والاستفادة منها. إن هذا الديالكتيك اليومي هو أحد أعمدة النشاط الروائي في حقبة الثمانينات التي استطاع كاتب حساس مثل عبد العزيز مشري من التقاط مفارقة التوتر بين حقيبتين، بل بين نمطين من التقاليد. ورغم أن واقع الرواية السعودية في حقبة الثمانييات لم يكن قد سجل الحضور اللافت الذي نشهده اليوم، فإنه يمكن اعتباره نقطة انطلاق نحو تسارع الإنتاج وتزايده لإحداث التراكم المطلوب لصناعة رواية تتعدد فيها الاتجاهات والنزعات وتتجدد فيها جدلية الصراع بين الفرد ومجتمعه.
ويسجل لهذه المرحلة والتي تليها بدء تسارع إيقاع الإنتاج الروائي وزيادة تراكمه، وتنوع موضوعاته وتطور تقنياته. فإذا كانت المرحلتين الأوليين (النشأة والتأسيس) قد ساهمتا في صياغة المشهد الروائي، فإنهما قد عجزتا عن تحقيق اختراق ملحوظ سواء في زيادة المنتج الروائي الذي ظل في خانة العشرات لأكثر من 50 عاماً[vii] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_edn7)، أو في تحقيق حضور لافت للرواية مقارنة بالشعر في مسيرة الأدب السعودي.
وإذا كانت الرواية السعودية في مرحلة الثمانينيات قد عبرت نفق التباطؤ، وتجاوزت هشاشة التجربة الفنية والفكرية، فإن ذلك لم يأت طفرة، بل اتسم بالتدرج في الحضور على أكثر من مستوى. ويمكن أن نعتبر روايات عبد العزيز مشري مرحلة انتقال من البطء في صناعة الفعل الروائي إلى إيقاع أكثر تسارعاً من ناحيتين؛ أولهما، التراكم الروائي الذي قدمه الكاتب، حيث قدم خمس روايات خلال عشر سنوات هي الوسمية، والغيوم ومنابت الشجر، وريح الكادي، والحصون، وصالحة، وفي عشق حتى. ثانياً، تقديمه لرؤية اتسمت بالبحث عن نقاء الإنسان في واقع متغير. وتبدو رواياته للوهلة الأولى معادية للتمدن، غير أنها في حقيقة الأمر، تطرح سؤال الهوية. فقد رمز لانهيار القيم في رواياته بأزمة العلاقة بين القرية والمدينة من حيث استقطاب الإنسان خارج فضاء حضوره التقليدي. لم يكن حضور المشري طارئاً في فضاء الرواية فقد بدأ كاتباً للقصة القصيرة حتى عام 1986 عندما أصدر أولى رواياته (الوسمية). ورغم الحضور الكثيف للمشري فقد ظل وحيداً في فترة الثمانينات إلا إذا استثنينا مجموعة من مجموعة من الكتاب والكاتبات منهم، رجاء عالم ورواية 4 صفر ، عبد العزيز الصقعبي ورواية رائحة الفحم 1988، وحمزة بوقري ورواية سقيفة الصفا 1984، وهي أسماء حضرت بتجاربها الأولى، حيث لم تترك أثراً كبيراً في المشهد الروائي باستثناء رواية 4 / صفر التي فازت بجائزة ابن طفيل دلالة على جودتها الفنية، رغم أنها الرواية الأولى للكاتبة. فقد كان المشري أكثر الكتاب حضوراً، وأكثرهم اهتماماً بموضوع محدد دارت حوله معظم رواياته، وهو موضوع العلاقة بين القرية والمدينة، وربما أكثرهم جودة فنية. لذا فهو يُعد كاتب هذه المرحلة بلا منازع عطفاً على ما تقدم.
6. مرحلة التحولات الكبرى
غير أن التحول المؤثر في مسيرة الرواية السعودية يأتي في فترة التسعينيات الميلادية وبداية الألفية الثالثة، من حيث احتلالها للمشهد الأدبي، ومن حيث قدوم أسماء من خارج الكتابة السردية التقليدية للإسهام في كتابة الرواية مثل تركي الحمد الأكاديمي، وغازي القصيبي الشاعر، ومن حيث تعزز تجارب سردية بشكل أكبر حضوراً مثل روايات عبده خال، وبروز أسماء روائية شابة مثل يوسف المحيميد، ومحمد حسن علوان، وعبد الحفيظ الشمري، وعبد الله التعزي، إضافة إلى ذلك، حضور المرأة بصفتها الروائية، مثل رجاء عالم، ونوره الغامدي، وليلى الجهني، ومها الفيصل، ونداء أبو علي، ورجاء الصانع، وبدرية البشر، وأميمة الخميس، وغيرهن.
كل ذلك يطرح تساؤلاً حول طبيعة التحول. واضح أن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت عميقة الأثر في السياق الروائي إلى حد بعيد. ففي مطلع التسعينيات فوجئ العالم بغزو الكويت ووقوع المنطقة بأسرها في دوامة حرب الخليج التي ما زالت تداعياتها تتلاحق وتتجدد سياسياً وعسكرياً واقتصادياً حتى يومنا هذا؛ مما جعلها حرباً تفضي إلى حرب أخرى وربما إلى حروب أخرى. كما أن هناك حدثاً لا يقل أهمية وهو انفتاح المجتمع بشكل لافت منذ أوائل التسعينيات من خلال الفضائيات التلفزيونية والإنترنت. أما الحدث الأبلغ تأثيراً ليس على المجتمع السعودي فحسب، بل على العالم العربي والإسلامي قاطبة فهو أحداث 11 سبتمبر في 2001 وما ترتب عليها من تبعات على العالم العربي.
ماذا يمكن أن يكون حال الرواية في واقع مضطرب ومتغير، هل يمكن عزل حضورها اللافت عما يجري، والقول بأنها طفرة فنية فقط؟ إن قولاً مثل هذا يصلح أن يكون مدرسياً صرفاً ينظر للظواهر بمعزل عن الحراك الاجتماعي. إن شرط التغير قد وقع، والرواية ليست إلا استجابة في بعض حضورها لهذه التغيرات القسرية. فإذا كانت الرواية تعمل في بيئة محافظة، فإنها تتمرد لا ملغية للمحافظة، بل مسائلة لضروراتها ومنطقية ممارستها. من هنا يعلو صوت الروائي ضاجاً بالشكوى ليس على سبيل الخطابية والحماس، بل على سبيل استبطان التجارب الفردية لشخوص أعماله وربطها بالكليات الاجتماعية في علاقة حتمية.
فما معنى أن يترك الشاعر غازي القصيبي فضاءه الشعري متسللاً إلى خيمة الروائيين، مقدماً للمكتبة الروائية السعودية العديد من الروايات مثل شقة الحرية، والعصفورية، و7 وغيرها من الروايات التي إن لم تكن صادمة، فهي لم تكن تقليدية لا في موضوعاتها ولا في تقنياتها السردية. كما أن قدوم تركي الحمد وهو المفكر وصاحب الرأي والأكاديمي ليكتب رواية أشبة بالسيرة أو سيرة أشبه بالرواية. لا فرق لأن الغاية كانت لديه تحريك سكون المجتمع المحافظ. وقد فعل حتى غدت راوياته تمثل النموذج في كسر التابوهات الاجتماعية. فجاءت ثلاثيته (أطياف الأزقة المهجورة 1996- 1998) بأجزائها الثلاثة (العدامة، الشميسي، الكراديب) فاتحة في القول الروائي المحلي. فالعدامة جاءت كاشفة لحركة التنظيمات اليسارية في المملكة في فترة الستينيات، والشميسي تماهت مع الذات في صبواتها وتجرأت على تقديم العلاقة بين الرجل والمرأة بطريقة غير مألوفة في العرف الاجتماعي المعلن. أما ثالثة الأجزاء فكانت الكراديب وهو جزء يقدم تجربة البطل هشام العابر خلف قضبان السجن السياسي.
هذان الاسمان، القصيبي والحمد غير الروائيين أصلاً، سيبقيان طويلاً في ذاكرة المشهد الروائي، فهما اللذان صنعا إيقاع الرواية المتسارع، وحرضا جيلاً من الكتاب والكاتبات على جرأة غير معهودة في الطرح الروائي. فالروائي لم يعد يحاذر مخاطر الكتابة، بقدر ما يسعى إلى تقديم رؤيته بعيداً عن حسابات المجتمع المحافظ.
ويشكل عبده خال في هذه الحقبة اسماً لامعاً في كتابة الرواية المختلفة ذات النكهة الشعبية والأسطورية وخاصة في روايته الأولى (الموت يمر من هنا، 1995م). عندما ظهر عبده خال على المشهد القصصي بمجموعته القصصية الأولى (حوار على بوابة الأرض، 1987م) كان جيل محمد علوان وجار الله الحميد وعبداللة باخشوين وحسين علي حسين قد استقرت أدواته الجمالية والفكرية في كتابة القصة القصيرة، ولم يبق إلا تتويجها بكتابة الرواية، لكن أياً من هؤلاء الكتاب لم يتقدم لكتابة الرواية. غير أن عبده خال، وجيله من بعده، يخرج عن المألوف ويقدم مشروعه الروائي الذي ازداد جرأة ونضجاً فنياً مع تزايد أعماله حتى بلغت ست روايات. عبده خال كتب القصة وعينه على الرواية وظل يصدر قصصه القصيرة حتى فاجأ المتابعين بكسر الجمود الروائي بإصدار رواية الموت يمر من هنا في عام 1995م. وقبل أن يأخذنا الظن بأنها ستكون تجربة يتيمة، فإن عبده خال اندفع يكتب رواية متطورة متوازنة بين حاجته للكم من ناحية، ومراعاته للجودة السردية من ناحية أخرى حتى توجها برواية (الطين، 2001م) التي تعد من بين الروايات المهمة في مسيرة الرواية السعودية.
لقد كانت مرحلة التسعينيات وخاصة أواخرها وما بعدها مرحلة روائية خصبة اندفع فيها الكتاب الأحدث سناً إلى تقديم روايات مهمة على صعيد التطور التقني من أمثال عبد الله التعزي وروايته (الحفائر تتنفس، 2001م)، ومحمد حسن علوان وروايته (سقف الكفاية، 2002م) ويوسف المحيميد وروايته (فخاخ الرائحة، 2002م)، وعبد الحفيظ الشمري وروايته ( فيضة الرعد، 2002م)، وإبراهيم شحبي وروايته (أنثى تشطر القبيلة، 2002م) وغيرهم. كما أن هناك كتاباً استسهلوا كتابة الرواية، فقدموا أعمالاً تتسم بالضعف الفني، ربما أغراهم على كتابتها الحضور الإعلامي الذي حظي به كتاب الرواية، بالإضافة إلى غياب جدية المتابعة النقدية. فالنقد كان حاضراً، غير أنه كان في غالبه صحفياً مجاملاً وغير جدي في طروحاته وقراءاته.
لا يكتمل الحديث عن تجربة الرواية إلا بالحديث عن دور المرأة في كتابة الرواية. فالحضور الفعلي للكتابات النسائية الروائية بدأت في حقبة الثمانينيات الميلادية من خلال كوكبة من الأسماء التي دخلت المشهد الروائي لأول مرة، من أمثال: أمل شطا، ورجاء عالم، وبهية بوسبيت، وصفية بغدادي، وصفية عنبر. ثم توقف إسهام المرأة تقريباً حتى مرحلة التسعينيات الميلادية عندما بدأت رجاء عالم في تقديم تجربتها المختلفة من حيث الكم وطريقة التناول وطبيعة الموضوعات الأثيرة لديها وخاصة رغبتها الدائمة في اكتشاف ميتافيزيقية الواقع إذا جاز التعبير. فهي تنطلق من الواقع من أجل أسطرته كما في رواية (مسرى يا رقيب، 1997م)، أو في رواية (خاتم، 2003م). ويمكن للقارئ أن يتوقف أيضاً أمام التجارب الأحدث مثل تجربة ليلى الجهني في رواية (الفردوس اليباب، 1998م)، ورواية نورة الغامدي (وجهة البوصلة، 2002م)، ورواية مها الفيصل (توبة وسُليى، 2003م)، ورواية نداء أبو علي (مزامير من ورق، 2003م)، ورواية رجاء الصانع (بنات الرياض، 2005م)، ورواية بدرية البشر (هند والعسكر، 2006م)، ورواية أميمة الخميس (البحريات، 2006م)، وغيرها من التجارب الروائية.
هل نستطيع أن نقول إن الرواية في مرحلة الإيقاع المتسارع قد امتلكت زمام المبادرة في التوجيه وبث رسائلها التنويرية بعيداً عن سلطة المجتمع المحافظ، أم أنها خطوة في طريق طويل تجاهد فيه الرواية لتغيير المفاهيم وتأكيد قدرتها على النفاذ إلى عمق المجتمع؟ إن قولاً مثل هذا على إطلاقه يبدو متسرعاً أو غير مدرك لحقيقة العلاقة بين المحافظة والرواية. فالعلاقة ضدية دائماً، لأن الثقافة المحافظة لها اشتراطاتها التي تجتمع فيها عوامل الديني والسياسي والقبلي، وأي من هذه العوامل لا يمكن أن يتنازل عن اشتراطاته طواعية. وفي المقابل فإن الرواية لا تصبح رواية مؤثرة في سياقها الخارجي إلا إذا جاءت وفقاً لاشتراطات الفن الروائي ذاته ووفقاً لرؤية وموقف كاتبها من قضايا مجتمعه.
المفارقة التي يلحظها المتابع للرواية في السعودية هي أنها بدأت إصلاحية وانتهت كاشفة ومتقاطعة مع الواقع وأقل مثالية في نظرتها للمجتمع. كما أن المراقب لا بد أن يلاحظ أن الرواية التي بدأت توفيقية في رؤيتها، مهادنة في تقديمها للواقع، إصلاحية في رسالتها، كانت أقل حضوراً من الناحية الفنية. أما في لحظة صبوتها وبحثها عن فهم تركيبة المجتمع وتركيزها على أزمة الفرد وقلقه في مجتمع محافظ، وقدرتها على حشد الإثارة والاختراق، فقد اتسمت بتطور فني ملموس. غير أن هذه الجرأة النسبية التي وصلت إليها الرواية في السنوات الأخيرة حرمتها من التواجد داخل البلاد. فكثير من الروايات صدرت في الخارج إما لضعف سوق النشر هنا أو لعدم قدرة المؤسسات الثقافية من ناحية، والرقابة من ناحية أخرى على تقبل الطرح الروائي الجديد. ورغم تعدد الأسباب حول ظاهرة النشر في الخارج، فإن السؤال يبقى، إلى متى تظل هذه الكتابات مغتربة عن قارئها في الداخل؟
الهوامش والمراجع [i] الحازمي، منصور. فن القصة في الأدب السعودي الحديث. الرياض: دار العلوم، 1981، (ص 36).
لقد ذكر الحازمي “سنفاجأ للأسف بقلة المحصول وضآلته من الناحية الفنية، إذ أن مجموع الأعمال الروائية المحلية، مع التساهل كثيراً في تطبيق المصطلح الفني على معظمها، لا يتجاوز العشرين رواية. فإذا أحسنا الظن وافترضنا أن بعض الإنتاج قد أفلت من قبضة الباحث فإننا لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن نتساهل في العدد إلى أكثر من ثلاثين عملاً قصصياً طويلاً” (ص 36).
[ii] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_ednref2) السباعي، أحمد. أيامي. (ص 216). يورد د. منصور الحازمي هذا النص في سياق حديثه عن العوامل التي أدت إلى تخلف الإنتاج الروائي في المملكة، (انظر كتاب فن القصة في الأدب السعودي الحديث للحازمي، الرياض، دار العلوم، 1981، (ص 71 – 72).
[iii] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_ednref3) القحطاني، سلطان سعد. الرواية غي المملكة العربية السعودية، نشأتها وتطورها، من 1930 إلى 1989: دراسة تاريخية نقدية. الرياض: مطابع شركة الصفحات الذهبية، 1998م، (ص 126).
[iv] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_ednref4) المصدر السابق، (ص 136).
[v] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_ednref5) المصدر السابق، (153).
[vi] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_ednref6) المصدر السابق، (153).
[vii] (http://aljasra.org/archive/cms/?p=140#_ednref7) الحازمي، منصور. فن القصة في الأدب السعودي الحديث، (ص 31 -32).
صورة الذات / مرآة التطور
“قراءة في تطور السرد القصصي النسائي المصري المعاصر”
أ. د/ سوسن ناجى رضوان
(1)
يظل الحديث الحياة عن العامة ، والعمل غير مكتمل دون الحديث عن المشاعر الخاصة والأحاسيس والعلاقات الحميمة ، إذ لا يوجد حد فاصل بين القضية العامة ، والقضية الخاصة ، ولايمكن فهم ما هو عام إلا في علاقته بما هو خاص ، ولافهم ماهو خاص إلا إذا أحطنا بما عام وهكذا
ووجه التناقض أو النقص يبدو متى فصلنا بين العام والخاص ، متى جزأنا المعرفة والفكر الإنساني ففصلنا بين السياسة ، والدين ، والفن والأخلاق حينئذ تغيب الحقيقة والنظرة الشمولية إلى الإنسان والحياة ويسود التناقص ، والانقسام في جوهر العلاقات الإنسانية بين الأفراد فيستحيل البشر إلى صنفين : سيد وعبد ، مالك ومملوك ، حاكم ومحكوك ، رجل وامرأة، ويكون الشكل الهرمي هو القالب الذي يبدى جوهر علاقات غير متكافئة 00
وصورة التناقص في واقعنا الاجتماعي كثيرة : تبدأ من بيئة تفصل بين حياة خاصة وحياة عامة ، وتنتهي بأنماط من رجال ونساء يفصلون أيضا بين الفعل والقول ، بين العقل والوجدان ، بين الخارج والداخل وتكون ذات الفرد – بازدواجيتها في مناخ كهذا – بمثابة المرآة التي تعكس انقسام قيم ، وفكر ، وقوانين مجتمع بأكمله00
والمرأة في هذا الواقع / المجتمع تعيد صياغة الشكل الهرمي للعلاقات – بطريقة غير واعية – في علاقتها مع ذاتها ، ومع الآخرين بتبني عقيدة وقيم هذا الواقع ، أو كما ترى” سوزان جوبار” أبرز ناقدات النقد النسائي الجديد في الغرب” في مقالها” الصفحة البيضاء” إن المرأة تتبنى منظوراً عن الذات تكون بمقتضاه المفعول به ، والرجل يكون هو الفاعل ، وذلك نتيجة لعوامل التربية ، والمنظور الذكورى للمرأة”وبدل أن تقاوم المرأة تلك النظرة الموجهة إليها من قبل الرجل فإنها تتمادى فيها وتتبناها00
وتظل صورة الذات كما توضحها ” سوزان جوبار” محددة من خلال منظور الرجل ، بل تكون بمثابة النص المكتوب ، أو الصفحة البيضاء التي يسطرها الرجل فتظل بمثابة التمثال لا المثال ، والمصنوع لا الصانع” ويكون تصور المرأة لذاتها – مجرد- نتاج لعملية تفاعل طويل بين ما هو واقعي وما تسقطه هي – على واقعها من تصور ذاتي ، أي أنها صورة تمر بمصفاة الذاتية ، وتصطبغ بلونها ، وفى الوقت نفسه لا تفلت من منظور الرجل والمجتمع ، بل تظل مجرد انعكاس وامتداد لهما
هكذا تتأثر صورة الذات بالتخطيط الاجتماعي – بطريقة غير واعية وبدل أن يتعلم النساء كيف يكن ذواتهن ، فإنهن يلقن منذ الطفولة أن يكن أخريات ، وينتج عن هذا ضياع للسمات الحقيقة للذات الأنثوية وتحدد ” سيمون دى بوفوار” الجنس الآخر ” ملامح انحماء الذات الأنثوي واستبدال أخرى بها في إطار المجتمع ، في قولها ” أنا لاأولد امرأة ، لكنى أتعلم أن أكون كذلك “0
وفى مجتمعاتنا تتبنى المرأة تلك الصورة المرسومة لها سلفا عن ذاتها ، ويتبع هذا ضياع ملامحها الفردية كشخص مختلف” ولما كانت الفردية تمايز واختلاف في “الأنا” عن الآخر” كان ضياعها مءشراً دالاً على انزواء “الأنا” وذوبانها في الآخر” لتصبح مجرد ” موضوع” تابع للرجل “الذات”0
ولما كانت تلك الأنماط مجرد صورة يقوم المجتمع برسمها تبعا لحاجته” الاقتصادية” وحاجات كل مرحلة من مراحل تطوره – لذا- كانت هذه الصورة متغيرة بتغير حاجيات هذا المجتمع ، وبتغير خط تطوره ، تتغير صورة الذات ، وتتبدل إلى أخرى00
إن تحقق الذات الأنثوية لايكون إلا مع تحرر صورة الذات ، وتحرر
صورة الذات لا يكون إلا بخروجها من الداخل إلى الخارج ، أي تحررها ضمنيا من منظورها التقليدي وذلك بإلغاء انقسامها وازدواجيتها الكائنة بين التفكير والإحساس ، أو بين الذات والموضوع0
و صورة الذات لديهن تتأثر بموقع الكاتبات عبر منحنى تطور الواقع في مصر ، ونمثل لهذا التطور بمواقع المرأة / الكاتبة في ثلاثينات هذا القرن ثم موقعها في الفترة التالية لثورة يوليو (1952) وإذا كانت هاتان الفترتان تمثلان صعودا وتقدما في مسيرة المرأة المصرية ، إلا أن الفترة التالية لثورة (1952) شهدت تحولا جذريا في واقع المرأة المصرية ، حيث أصبح هناك إقبال على تطور هذه المرأة على كافة المستويات 0 في حين أن فترة الثلاثينات شهدت بدايات افتتاح الجامعة المصرية ، لالتحاق الفتيات بمختلف الكليات 0وهكذا فالمراحل التي تطورت فيها ” صورة الذات ليست منفصلة تماما ، فبذور التطور لم تزدهر سوى في الخمسينات ،– ورغم بداية التحاق المرأة / الكاتبة بالجامعة المصرية – فقد كانت بمثابة المقدمة والنبت ، لذا ظلت الذات في تلك الفترة أسيرة أيديولوجيا الفكر السائد عن دور المرأة /الرجل في المجتمع وانبنى على هذا تبنى الكاتبات لفكر الرجال /، الكتاب في تلك الفترة مما أثر سلبا على صورة الرجل السيد فقد ظلت أسيرة ” هذا الذات المسجون في الدائرة التقليدية والتي تحدد بدورها أنماط الرجل / النساء في قوالب تقليدية – تفصل بين الرجل والمرأة وتنظر إليهم من منظور ثنانى ، يستمر في تبرير هيمنة الرجل وتوريث الشكل الهرمي داخل الأسرة 0
ونمثل لتلك الظاهرة بتصورهن للرجل/ الآخر(1) 0 حيث جاءت صورته في كتابات ابنه الشاطئ ، وسهير القلماوى وجميله العلايلى وهى كتابات قصصته نشرت ابتداء من ثلاثينات وأربعينات هذا القرن امتداداً لصورته في كتابات الكتاب الرجال في حين أن كتابات فترة الخمسينات (جاذبية صدقي، صوفي عبد الله 00) تعكس ملامح متباينة ” لصورة الرجل ، والقضية المستثارة في قصص هؤلاء هي قضية امرأة – بالدرجة الأولى – قبل أن تكون قضية أو مشكلة رجل
ونمثل لذلك بظاهرة اختفاء الرجل السيد المتسلط في كتابات : ابنة الشاطئ سهير القلماوى ، جميلة العلايلى ، وهى كتابات قصصية نشرت ابتداء من الثلاثينات والأربعينات) ، في حين أنها بدأت تظهر في كتابات صوفي عبد الله جاذبية صدقي ، نجيبة العسال، أليفة رفعت ، سعاد حلمي إحسان كمال ( وهى كتابات قصصية نشرت ابتداء من فترة الخمسينات إلى مابعدها )
فصور الرجل في كتابات : ابنة الشاطئ ، سهير القلماوى ،جميلة العلايلى الثلاثيات امتداد لصورته في كتابات الكتاب الرجال ، والقضية المستثارة في تلك القصص قضية رجل يعانى صراعا تقليديا بين العاطفة والواجب ، وليست قضية امرأ