المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العرب وأزمة المياه... حلول عاجلة أم كارثة مدمرة؟


Eng.Jordan
11-27-2012, 10:13 PM
http://www.middle-east-online.com/meopictures/biga/_144155_arab11.jpg

ينعقد هذه الأيام المؤتمر الدولي حول المناخ في العاصمة القطرية الدوحة، بهدف التوصل الى اتفاقية جديدة تحل محل بروتوكول كيوتو حول المناخ والذي سينتهي العمل به في بداية العام القادم.
ومن أهم القضايا المطروحة للبحث على جدول أعمال مؤتمر الدوحة التوصل الى تفاهمات وصيغ قانونية وأدبية ملزمة لجميع دول العالم وخاصة الدول الصناعية التي تعتبر المصدر الرئيسي للانبعاثات الغازية الدفيئة وخاصة غاز ثاني أكسيد الكربون، بهدف الحد من حجم تلك الغازات ومراعاة مخاطرها على البيئة وطبقة الأوزون، وعلاقتها بالتغيرات المناخية المدمرة، بالإضافة الى توسيع سبل المساهمة العلمية والمالية في البحث في تطوير مصادر الطاقة البديلة المتجددة.
ويأمل الجميع تحقيق خطوات عملية وملموسة لتدارك اتساع مخاطر ظاهرة التغيير المناخي، وتوحيد العمل والجهود في التوصل الى اتفاقية جديدة ملزمة للجميع، تساعد في تحديد حجم الغازات المنبعثة الى المستوى المقبول الذي يمكن تجنيب العالم مخاطر الدمار البيئي المرتبط بهذه الظاهرة.
إلا ان هذا الأمل مشوب بالتشاؤم والحذر الكبير في ظل المواقف المتحفظة من بعض الدول الغنية والصناعية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية والصين ودول اوروبية وأسيوية أخرى، بسبب مصالحها وسياساتها الاقتصادية والصناعية.
ولهذا ستبقى مخاطر التغيير المناخي تتهدد الدول النامية وخاصة الفقيرة منها ومن ضمنها بالطبع غالبية الدول العربية التي تواجه بالأساس مشاكل الجفاف ونقص المياه وتردي متزايد في النظام البيئي.
وقد شهدت المنطقة العربية خلال السنوات العشر الماضية تغيير كبير في انماط الهطول المطري وتراجع كبير في معدلاته مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة والمناخ الجاف، وهو ما يعني ان ظاهرة التأثيرات المناخية وصلت الى المنطقة العربية وهي في تزايد سنة بعد سنة.
ورغم ان المنطقة العربية لا تساهم بشكل مؤثر في ظاهرة انبعاث ما يعرف بغازات الدفيئة، إلا ان الدلائل العلمية تشير الى ان هذه المنطقة غير محمية من الأثار السلبية والضارة للمتغيرات المناخية الناتجة عن هذه الظاهرة البيئية المدمرة، خاصة ما يخص الموارد المائية العذبة المتجددة والمحدودة اساسا في كافة الدول العربية وفي مقدمتها الأراضي الفلسطينية.
وتعتبر ظاهرة التغيرات المناخية من اكبر وأخطر القضايا والتحديات البيئية والطبيعية التي اصبحت ابعادها ومخاطرها تشكل تهديدا حقيقيا لكافة دول العالم ومن ضمنها دول المنطقة العربية، حيث اصبحت آثار هذه الظاهرة تطال معظم قطاعات التنمية الرئيسية في كافة جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والصحية، وهي تحديات كبيرة وخطيرة تضاف الى التحديات والمشاكل البيئية والاقتصادية القائمة والمتفاقمة التي تواجهها معظم الدول العربية في سعيها الى تحقيق الأهداف الإنمائية المستدامة، والى تحقيق الأمن المائي والأمن الغذائي بالتوازي مع الحفاظ على الشروط الأيكولوجية والبيئية.
وتشمل التأثيرات المناخية اتساع مناطق التصحر والجفاف وتدهور في نوعية الأراضي، وتراجع كبير في الإنتاج الزراعي، قد يصل الى 60% بالتوازي مع تغيير كبير في انماط ومعدلات الهطول المطري قد يتجاوز النصف في بداية العام 2020، الأمر الذي يهدد الأمن المائي والغذائي.
ويزيد الى حد كبير كما اشرنا في تفاقم حدة ازمات ومشاكل نقص المياه القائمة، التي تواجه العديد من دول المنطقة العربية وفي طليعتها دائما الأراضي الفلسطينية، وقد تصل الأمور الى أزمات عطش ومجاعة في عدة دول عربية، خاصة الدول التي تعتمد بشكل كبير على الإنتاج الزراعي.
إن أهم المساعي لقادة العالم الذين شاركوا في قمة الأرض التي عقدت في البرازيل عام 2011 هو حث جميع دول العالم من اجل تحقيق التنمية المستدامة، من خلال التعاون والعمل المشترك في مواجهة التهديدات الناشئة عن ظاهرة التغيرات المناخية والتلوث الناتج عن النشاطات الصناعية المتزايدة، للوصول الى ما سمي بالاقتصاد الأخضر أي الاقتصاد غير المرتبط بالتلوث البيئي، والقضاء على الفقر وتعزيز الأطر المؤسسية المستدامة.
ظاهرة التغيرات المناخية هي ظاهرة إضافية ناتجة عن النشاطات البشرية وخاصة النشاطات الصناعية التي تقوم بها معظم دول العالم المتطورة والنامية، وهذه التأثيرات تضاف الى التأثيرات الطبيعية التي اصبحت بمجموعها تشكل تهديدا خطيرا للغلاف الجوي لكوكب ألأرض، وتعتبر الدول النامية والفقيرة الأكثر تضررا بظاهرة التأثيرات المناخية نظرا لما تسببه من أثار سلبية مباشرة على المناخ وارتفاع درجة الحرارة وعلى مواسم الأمطار ومصادر المياه الشحيحة أصلا في غالبية تلك البلدان، وبالتالي تلحق أضرارا بالغة في القطاع الزراعي والإنتاج الغذائي لشعوب تلك الدول الفقيرة التي يعتمد سكانها على الزراعة.
ويطلق كما هو معروف على الغازات المنبعثة من النشاطات الصناعية بالغازات الدفيئة وهي المتسببة لظاهرة الانحباس الحراري، وأهمها غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج بالدرجة الأولى عن احتراق الوقود الأحفوري، ويقدر حجم هذا الغاز المنبعث من المصانع الى الطبقات العليا من الجو بأكثر من 6 بليون طن سنويا، بالإضافة الى غاز الميتان والأوزون وغيرهما.
ومن المتوقع ان تزداد وتتسع ابعاد وتأثيرات هذه الظاهرة في المستقبل مع ازدياد التوسع الصناعي للدول المتقدمة والنامية على السواء في حالة لم تتخذ إجراءات رادعة وقوية للحد من المخاطر التي تتهدد كامل نظام الغلاف الجوي.
وهناك محاولات وجهود كبيرة تقوم بها الأمم المتحدة ومؤسساتها المعنية، بالتعاون مع كبرى الدول المتقدمة والصناعية في هذا الشأن الهام، ودفعت هذه الجهود العديد من الحكومات لإعطاء هذا الموضوع حقه من الاهتمام، وذلك من خلال عقد المؤتمرات والندوات وتشجيع البحوث العلمية ونشر التوعية واتخاذ الإجراءات القانونية للحد من التوسع في أبعاد هذه الظاهرة، رغم ان بعض الدول الكبرى لا زالت تتحفظ بشدة على بعض تلك الجوانب الإجرائية القانونية المتعلقة بانبعاثات الغازات الدفيئة، من تلك الدول الولايات المتحدة الأميركية والصين.
وفي هذا الاتجاه يعمل العلماء والباحثون على بناء مفاهيم علمية متطورة تساعد على ضبط المعايير الملزمة لظاهرة انبعاث الغازات الدفيئة بما يسمح للنظم الأيكولوجية ان تتكيف مع ظاهرة التغيير المناخي في أقل الخسائر الممكنة للبيئة وبالتالي لبرامج التنمية المستدامة وخاصة ما يتعلق بتجنيب الزراعة والإنتاج الغذائي اضرار جسيمة، وفي نفس الوقت عدم اتخاذ قرارات يكون من شأنها شل او وقف الأنشطة الصناعية الحيوية التي قد تؤثر عملية توقفها على تحقيق التنمية المستدامة.
وتشمل التأثيرات المباشرة للتغيرات المناخية العديد من قطاعات التنمية، ولكن طبيعة تلك التأثيرات تختلف من بلد الى أخر، فبعض المناطق والبلدان اصبحت تشهد فيضانات وعواصف وأعاصير كبيرة وتلوث للبيئة وتقدم وزحف لمياه البحار والمحيطات الى مناطق الساحل والشواطئ السياحية، كما هو الحال في دول اوروبا وكندا وامريكا وغيرها من مناطق شمال الكرة الأرضية.
والبعض الأخر يشهد ارتفاعا كبيرا في معدل درجات الحرارة قد يصل في بعضها الى 5.8 درجات، ومواسم جفاف وانحباس شديد ومتكرر لمياه الأمطار، ودمار للزراعة وتراجع خطير في مساحات الغابات والمراعي الخضراء والغطاء النباتي واتساع مناطق التصحر وانتشار الأمراض الوبائية مثل مرض الكوليرا وغيره، كما هو الحال في المناطق الاستوائية ومناطق اسيا وإفريقيا بما في ذلك مناطق الشرق الأوسط وخاصة المناطق العربية.
التأثيرات المناخية على الموارد المائية في الأراضي الفلسطينية
اهم التأثيرات المباشرة للتغيرات المناخية على برامج وخطط التنمية المستدامة في الأراضي الفلسطينية (وخاصة على برامج وخطط الدولة الفلسطينية القادمة) تتعلق بالجوانب التالية:
• ارتفاع كبير نسبيا في درجات الحرارة قد يتراوح بين 1.8 وحتى 2.2 درجة مئوية، وهو معدل عالٍ جدا قد يترتب عنه اضرار بيئية كبيرة.
• بالتوازي مع ارتفاع درجات الحرارة، ستنخفض معدلات الأمطار بنسبة تتراوح بين 6 % وحتى 12%، واحتمال كبير في ازدياد شدة الهطول المطري وتغير في فتراته الزمنية الى مستويات اقل بكثير من معدلاتها العامة، علما بأن معدل الأمطار في الضفة الغربية سجل خلال السنوات العشر الماضية تراجعا بنسبة تجاوزت 28% عن معدلها الوسطي، وفي غزة سجل معدل التراجع للأمطار نسبة 32% وهذه مؤشرات تكفي لدق ناقوس الخطر.


• نتيجة للتغيرات المناخية وخاصة ما يرتبط بظاهرة ارتفاع درجات الحرارة وانحباس الأمطار، فإن أضرارا كبيرة ستلحق بالنظام الهيدرولوجي المتعلق بالجريان السطحي والتغذية الجوفية للأحواض المائية.
• كما ستتراجع مساحة الغطاء النباتي كما اشرنا وتتسع مناطق التصحر وتزداد معدلات التبخر والنتح كما سيتضاعف الجريان السطحي عبر السيول والأودية المتجهة الى داخل الخط ألأخضر، وتتشكل تيارات قوية من الفيضانات العارمة التي ستلحق أضرارا كبيرة بالزراعة والمباني والمنشآت الموجودة في طريقها، وكذلك ستتراجع معدلات التغذية الجوفية بشكل كبير.
• مع الزيادة في درجات الحرارة، ستواجه الأراضي الفلسطينية كذلك تغيير وتذبذب في معدلات درجات الحرارة خلال السنة، وستكون معدلات التذبذب مختلفة عن النمط الحراري السابق، وقد تكون انعكاسات سلبية على مجمل النظام المناخي.
• التغيرات المناخية ستحدث زيادة نسبية كبيرة في تكرار دورات مواسم الجفاف، وطول أوقاتها.
• وبالتالي، ستشهد الأراضي الفلسطينية نقصا شديدا في موارد المياه والمزيد من الأتساع في الفجوة القائمة لحجم العجز الكبير في المياه، وستزداد معه حدة أزمات العطش والجفاف القائمة في كافة مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة.
• سيحدث دمار للأراضي الزراعية المروية والبعلية، وبالتالي دمار لأكبر وأهم القطاعات التنموية للاقتصاد الفلسطيني، وهو ما يعني فشل مسبق لأي خطط وبرامج للتمية المستدامة، في حالة عدم وجود الحلول والمعالجات المسبقة والمبكرة كحلول بدائل المياه غير التقليدية.
• كما سيتأثر قطاع غزة مباشرة بالتغيرات المناخية باتساع مناطق التلوث والملوحة وارتفاع وزيادة معدلات تركيزها في المياه الجوفية، كما سيشهد القطاع اضرار بيئية وصحية ، نتيجة لمجمل التغيرات في العوامل الهيدرولوجية والمناخية.
• ارتفاع منسوب البحر على امتداد شاطئ قطاع غزة تدريجيا بمعدل 20سم الى100 سم، الأمر الذي قد يعرض بيئة الشاطئ والبنية التحتية القريبة منه الى اضرار مستقبلية جسيمة.
• احتمال زيادة معدل الغازات الدفيئة وخاصة منها غاز ثاني أوكسيد الكربون في مناطق الغلاف الجوي القريبة في القطاع نتيجة للكثافة العالية للسكان، وما يرتبط بذلك من توسع إجباري في مختلف النشاطات الصناعية مستقبلا.
ويعاني الفلسطينيون بالأساس من أزمة مياه خانقة ومتفاقمة، وفي حالة اتساع وزيادة التغيرات المناخية على الموارد المائية في غياب وتعطيل الحلول السياسية لمسألة الحقوق المائية الفلسطينية، فإن الوضع المائي في الأراضي الفلسطينية سيزداد سوءا مع اتساع التأثير المباشر للتغيرات المناخية.
ويقدر حجم كميات المياه المتاحة حاليا لأغراض الشرب والمنزل والصناعة معا في كافة مناطق الضفة الغربية بحوالي 88.6 مليون متر مكعب، من هذه الكميات حوالي 39 مليون متر مكعب في السنة، يتم الحصول عليها من أبار مياه الشرب التي تمتلكها سلطة المياه الفلسطينية ودائرة مياه الضفة الغربية وبعض البلديات ومصالح المياه، وحوالي 1.8 مليون متر مكعب في السنة، يتم شراءها من أصحاب بعض الآبار الزراعية في بعض البلدات والقرى، وحوالي 4.4 مليون متر مكعب في السنة، تأتي من تصريف بعض الينابيع والعيون المتبقية.
اي ان إجمالي ما هو متاح للفلسطينيين من أبارهم وينابيعهم من المياه لاستخدامات الشرب والمنزل لم يعد يتجاوز 43.2 مليون متر مكعب في السنة، اما باقي الكميات وهي حوالي 45.4، فيتم شراؤها من الإسرائيليين من خلال نظام التزود بالمياه الخاص بشركة المياه الإسرائيلية "ميكوروت" وبأسعار تتراوح بين 3.5 ولغاية 4.5 شيكل للمتر المكعب الواحد.
ونظرا لقدم واهتراء أجزاء كبيرة من شبكات توزيع المياه، ولأسباب أخرى عديدة منها فنية تتعلق بحالات الأعطال والخراب التي تتعرض له أنظمة شبكات توزيع المياه وعدادات المياه، والتعديات والسرقات التي تحصل دائما على انظمة التزود بالمياه وغير ذلك، فإن معدل نسبة الفاقد من المياه المنتجة في الضفة الغربية لا يقل عن 38 % ، وهي نسبة عالية جدا مقارنة بحجم الإنتاج والتزود المتاح، لذلك ووفق الأرقام أعلاه فأن معدل ما يصل فعليا للفرد الواحد من كميات المياه المتاحة من جميع المصادر أي بما في ذلك المياه المنتجة ذاتيا والمياه المشترات من الإسرائيليين، لا يتجاوز 23 متر مكعب في السنة أي بمعدل لا يتجاوز 62 ليتر للفرد في الشهر، وهو ما يمثل 50 % من الحد الأدنى لاحتياجات الإنسان اليومية للمياه وفق معايير منظمة الصحة العالمية.
مع التذكير هنا الى ان العديد من التجمعات السكانية في مناطق عديدة من الضفة الغربية إما محرومة من خدمات التزود بمياه الشرب ولا تتوفر لديها مصادر مياه ولا شبكات للتزود وتوزيع المياه وتعتمد على شراء المياه من باعة الصهاريج المنقولة وهي مياه غير مراقبة وغير آمنة وأثمانها عالية جدا مرهقة للمواطن، او ان تلك التجمعات تمتلك الخدمات ولكن كميات المياه تصلها شحيحة جدا لا تكفي لسد الرمق، او ان المياه لا تصل الى تلك التجمعات نهائيا ولأشهر عديدة خاصة خلال فصل الصيف ، وتشمل هذه المناطق بعض القرى وبعض البلدات والأحياء في بعض المدن الكبرى.
وفي حال قرر الإسرائيليون وقف تزويد الفلسطينيين بالكميات المبينة أعلاه، لأي سبب كان فإن نصيب الفرد سيتراجع الى اقل من 12 متر مكعب في السنة اي ما يعادل 32 ليتر في اليوم، اي ان الفلسطينيين سيواجهون أزمة عطش حقيقية لا يمكن تحملها.
علما بأن تصريف الينابيع والإنتاج الفعلي للعديد من الآبار الزراعية، يشهد تراجعا مستمرا سنة بعد سنة، نتيجة للتغيرات المناخية ولحالات الضغط القصوى التي تتعرض له أحواض المياه الجوفية بالتوازي مع النمو السكاني والتوسع الحضري وبالتالي زيادة الطلب على المياه.
بمعني ان فرضية جفاف الينابيع والعيون ومعظم الآبار الزراعية وهي في غالبيتها أبار سطحية، أصبحت تشكل هاجسا كبيرا ومخيفا لحياة ومستقبل الفلسطينيين، وقد تجف خلال سنوات معدودة ، وقد تراجع معدل تصريف غالبية الينابيع خلال السنوات الخمس عشرة الماضية بنسبة تزيد على 65 % وهو مؤشر خطير، ومن ضمن تلك الينابيع مجموعة الفارعة والعوجة وفصايل وهي ينابيع رئيسية معروفة تاريخيا بغزارة مياهها ، كما ان المئات من الآبار الزرعية جفت تماما وأغلقت.
اما ابار مياه الشرب فهي الأخرى تواجه ظاهرة خطيرة تتمثل في تراجع مستوى سطح المياه ، بسبب السحب الزائد وتراجع كميات الأمطار وظاهرة التغيير المناخي ، وقد يؤثر هذا الأمر على سلامة تلك الآبار وانخفاض إنتاجيتها الى أكثر من النصف او توقفها كليا عن العمل، وهو امر حاصل لا محالة لأسباب هيدروليكية وهيدروجيولوجية، وقد سجل خلال السنوات الخمس عشرة الماضية هبوطا كبيرا في مستوى سطح المياه، تجاوز العشرين مترفي عدة ابار في حوض بطن الغول جنوب شرق بيت لحم، وكذلك في ابار مجموعة عين سامية شرق رام الله وأيضا في ابار نابلس.
ويخشى ان يفقد الفلسطينيون السيطرة على وضعية العديد من الآبار مستقبلا في حالة استمرار هبوط مستوى سطح المياه على النحو الحاصل، واحتمال توقفها عن العمل بشكل كامل.
التنمية الفلسطينية في خطر
بناء على ما تقدم، فإن تحديات كبيرة وحقيقية تتهدد كافة برامج وخطط التنمية الفلسطينية المستدامة، وخاصة تلك المرتبطة بموارد المياه ومنها السياحة والصناعة والزراعة والبيئة والصحة العامة وغير ذلك ، ولن يكون بمقدور الفلسطينيين تحقيق التنمية المستدامة في حالة استمرار اتساع فجوة العجز الكبير في مصادر المياه ، في ظل التهديدات المناخية القائمة والمتزايدة سنة بعد سنة.
الوضع المائي في الأراضي الفلسطينية حرج للغاية ويتطلب اتخاذ قرارات شجاعة وحاسمة حيث لم يعد من الممكن التأجيل والانتظار، وأصبح الوضع المائي مهدد بالمزيد من التردي والدمار في الضفة الغربية وقطاع غزة على السواء وكما أشرنا وأكدنا في العديد من المناسبات بأنه لا حدود للمياه وبأن الفلسطينيين يشاركون الإسرائيليين في كامل النظام الأيكولوجي والهيدرولوجي، وبأن التعاون الفني في مجال المياه هو أمر إجباري وليس اختياري للطرفين، وبأن الحفاظ على البيئة المائية وحماية مصادر المياه العذبة وتوفير الاحتياجات المائية لكل فرد هي مسؤولية مشتركة وفائدة مشتركة.
وبعيدا عن السياسة والمفاهيم السياسية، وضمن كافة الاعتبارات والحقائق العلمية والفنية المرتبطة بالأوضاع المائية الفلسطينية، ولطبيعة الشراكة الطبيعية في أحواض ومجاري المياه الجوفية منها والسطحية وفي محيط البيئة المائية، فإن كل المعطيات المرتبطة بتلك الحقائق تلزم الطرفين بالتعاون الفني المشترك المبني على اساس المسؤولية المشتركة والفائدة المشتركة كما اسلفنا وعلى احترام كل طرف لحقوق الطرف الأخر، معززا بمبدأي حسن النوايا وحسن الجوار.
وعلى الفلسطينيين ان يتجاوزوا المعيقات السياسية وان يطالبوا الجانب الإسرائيلي بالشروع في مناقشة قضايا المياه، للوصول بأسرع ما يمكن الى اتفاق نهائي يتم بموجبه تحديد حقوق وحصة كل طرف في الأحواض المائية المشتركة، بما في ذلك حوض نهر الأردن، وبالتوازي مع مناقشة قضايا الحقوق والحصص، يضع الطرفان خطة عمل للتعاون الفني في مجال تطوير مصادر مياه غير تقليدية إضافية لصالح الطرفين، منها مشاريع تحلية مياه البحر للضفة وغزة على السواء، على ان يكون الحرص الكامل لدى الطرفين بأن لا تعيق عملية المحادثات والتفاوض حول قضايا الحقوق مسألة التعاون الفني والعمل المشترك لمواجهة مخاطر نقص المياه ومواجهة مخاطر التغييرات المناخية على المدى القريب والبعيد.
التأثيرات المناخية على الموارد المائية في المنطقة العربية
يواجه العالم العربي كارثة جفاف شديدة تحدق بمستقبل بقاء الامة العربية واجيالها. وتشكل مشكلة نقص المياه اهمية كبرى وخطورة حقيقية تتصدر قائمة التحديات الكبرى وتتجاوز طبيعتها وابعادها القدرات التنموية المتاحة، ما لم تتوفر العلاجات السريعة والصحيحة القائمة على قواعد وأسس التخطيط السليم لتحقيق متطلبات الاستدامة والأمن ألمائي لكل دولة من دول المنطقة العربية.
ومعظم الدول العربية تعاني من ندرة المياه وتعتمد بنسبة 65% على الموارد المائية من خارج حدودها، كما بلغ عدد الدول العربية التي تقع تحت خط الفقر المائي 19 دولة منذ بداية العام الحالي نتيجة لازدياد عدد السكان وقلة نصيب الفرد من الموارد المائية عن ألف متر مكعب، وهو المعدل الذى حددته الأمم المتحدة لقياس مستوى الفقر المائي للدول.
كما بلغ عدد السكان العرب المحرومين من خدمات مياه الشرب النقية نحو 65 مليون نسمة يضاف إليهم 110 مليون نسمة أخرى محرومون من خدمات الصرف الصحي.
وتقع معظم الدول العربية تحت خط الفقر المائي، وتعتبر حصة الفرد من المياه اقل المعدلات في العالم، ففي عام 1960 كانت حصة الفرد في المنطقة العربية من المياه العذبة المتجددة والمتاحة للاستخدامات المختلفة تزيد على 4 آلاف متر مكعب سنوياً، أما اليوم فحصة الفرد لا تتجاوز 350 متراً مكعباً في السنة، وهي أدنى كمية متوافرة للفرد عالميا وينتظر أن تصل هذه النسبة إلى اقل من 200 مترا مكعبا في بداية العام 2015، بمعنى أن معظم الدول العربية (وربما جميعها) اصبحت تحت خط الفقر المائي وهذا يعني أن هناك أزمة مياه عميقة وشديدة الخطورة تتجه الى كارثة حتمية ستواجه غالبية الدول العربية.



وتصنف 90 بالمئة من المناطق العربية بأنها مناطق صحراوية قاحلة وتتميز بموارد مائية منخفضة ومحدودة وتبخر مرتفع تصل نسبته الى 88 %، وتعرف الموارد المائية الاجمالية العذبة والمتجددة بأنها حاصل مجموع المياه الجوفية المتجددة والموارد المائية السطحية الداخلية والموارد المائية السطحية الخارجية أي التي تأتي من خارج حدود الإقليم.
ويقدر حجم مصادر المياه العذبة والمتجددة أي المياه الطبيعية التقليدية في كامل المنطقة العربية بحوالي 338 بليون متر مكعب سنويا، 65% منها تأتي من خارج الحدود، وتتراوح معدلات الأمطار بين 18 مليمتر في السنة في مصر ودول الخليج العربي الى 800 مليمتر في لبنان أي بمعدل متوسط 156 مليمتر في السنة للمنطقة العربية، علما بأن 50% من الأمطار تسقط فوق السودان.
والطلب على المياه بالعالم العربي في تزايد كبير نتيجة النمو السكاني واتساع المناطق الحضرية والتطور الصناعي وما شابه، ويقدر حجم الاحتياجات المائية حاليا بحوالي 270 بليون متر مكعب أي ما يقارب 79% من إجمالي المياه المتاحة، علما أن حجم المياه غير التقليدية المستخدمة والمنتجة من محطات التحلية ومياه الصرف الصحي المعالجة والمعاد استعماها بالإضافة الى المياه الجوفية الضاربة الى الملوحة وصلت الى حوالي 42 بليون متر مكعب.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار مخاطر اتساع الملوحة العالية للمياه الجوفية بسبب عمليات الضخ الزائد وتقدم مياه البحر والتلوث الزراعي والصناعي، ندرك من خلال ذلك طبيعة وحجم التحديات التي اصبحت تواجه المنطقة العربية وشعوبها وتشكل خطرا حقيقيا في حدوث الكارثة الكبرى بتحول معظم المناطق العربية الى مناطق صحراوية قاحلة كافة مصادرها المائية مالحة او ملوثة، عندها ستكون الحياة فيها صعبة جدا إن لم تكن مستحيلة فلا حياة في أراض لا ماء فيها.
ولدى العراق والسودان ومصر أعلى موارد مائية سنوية بين البلدان العربية، مقدرة على التوالي 75و65 و58 بليون متر مكعب في السنة، إذ ان أكثر من 50 بالمئة من الموارد السطحية خارجية، مما يولد مزيداً من الضغوط على وضعها المائي.
وتبين أن الجزائر ولبنان وموريتانيا والمغرب والصومال وسوريا وتونس واليمن تأتى في المرتبة الثانية من مجموع الموارد المائية، وهى بين 8 بلايين و30 بليون متر مكعب في السنة ولدى بقية البلدان العربية موارد مائية تقل عن 5 بلايين متر مكعب في السنة.
ورغم أن مجموع الموارد المائية الجوفية السنوية في المنطقة العربية يبلغ حوالي 35 بليون متر مكعب، فإن أكثر من 50 بالمئة من المياه في شبه الجزيرة العربية هي مياه جوفية، ونتيجة لعدم وجود انهار في معظم الدول العربية وخاصة دول الخليج العربي فإن احواض المياه تعتبر المصدر الرئيسي والوحيد للمياه العذبة والمتجددة، ونتيجة للضغط والسحب الزائد من الأحواض الجوفية فإن نسبة عالية جدا من مناطق تلك الأحواض قد وصلت الى حالة من الاستنزاف والملوحة العالية والتلوث العضوي وغير العضوي، وبالتالي فإن حدوث دمار كامل للطبقات الصخرية الحاملة للمياه الجوفية لم يعد مستبعدا.
لهذا لا نبالغ اذ قلنا اننا قد دخلنا في مرحلة الخطر الحقيقي وان العالم العربي اصبح يعيش كارثة جفاف شديدة تحدق بمستقبل بقاء الامة العربية واجيالها وكل وجه من وجوه الحياة، وتشكل مشكلة نقص المياه اهمية كبرى وخطورة حقيقية تتجاوز طبيعتها وابعادها عن أي مشكلة أخرى، ما لم تتوفر العلاجات السريعة، ما يجعلها تأتى في سلم اولويات المشاغل.
وتواجه جميع البلدان العربية وضعاً مائيا هشاً، ماعدا العراق الذى لديه حصة مائية تزيد على 2900 متر مكعب للفرد في السنة. ولبنان وسوريا يواجهان حالياً إجهاداً مائيا يقل عن 900 متر مكعب للفرد في السنة، فيما تواجه بقية البلدان العربية شحاً مائياً (أقل من 120متر مكعب للفرد في السنة).
وتهدد الوضع المائي في المنطقة العربية ضغوط بيئية واجتماعية واقتصادية وتلاحظ تأثيرات سلبية كثيرة لتغير المناخ على نظم المياه العذبة وفق دراسات حديثة، هذه التأثيرات ناتجة أساساً عن زيادات ملحوظة ومتوقعة في تقلب درجات الحرارة والتبخر ومستوى البحر والتساقطات.
وسوف تواجه مناطق جافة وشبه جافة كثيرة انخفاضا في الموارد المائية نتيجة تغير المناخ. ومع نهاية القرن الحادي والعشرين يتوقع أن يزداد تدفق الأنهار الواقعة في مناطق مرتفعة، بينما يميل التدفق من الأنهار الكبرى في الشرق الأوسط وأروبا وأمريكا الوسطى إلى الانخفاض، لكن مقدار التغير غير محقق إلى حد بعيد.
وعلاوة على ذلك، سوف يوسع ارتفاع مستوى البحر مساحة المياه الجوفية المالحة، ما يؤدى إلى انخفاض في توفر المياه العذبة للبشر والنظم الأيكولوجية في المناطق الساحلية، إضافة إلى ذلك، سوف تنخفض إلى حد بعيد القدرة على سد النقص في المياه الجوفية في بعض المناطق التي تعانى أصلاً من إجهاد مائي.
التوقعات المتعلقة بتغير المناخ في العالم العربي
تؤكد الاتجاهات السريعة الحالية للزيادة السكانية أن الجزائر وتونس ومصر والمغرب وسوريا والأردن والأراضي الفلسطينية تشهد نقصاً حاداً في الموارد المائية، والعراق وحده قد يكون في وضع أفضل نسبياً وتقليدياً، وهناك اعتماد كبير على المياه السطحية والجوفية في جميع بلدان المنطقة، حيث يستهلك 60 الى 90% من مصادر المياه في الزراعة، ويزداد الطلب على المياه في كافة بلدان المنطقة، فيما تنخفض الإمدادات المائية بشكل مطرد.
ويتفاقم نقص الموارد المائية نتيجة عوامل تتعلق بإمكانية الوصول إلى المياه وتأتى نوعية وأوضاع مجمعات المياه والبنية التحتية والسياسة والنزاعات في رأس قائمة أولويات استراتيجيات تأمين الوصول إلى المياه في المنطقة.
وحالياً تتأثر نوعية الموارد المائية في المنطقة العربية بالتلوث والتوسع المديني والفيضانات والاستخدام المفرط للموارد المائية. ويتوقع أن يزيد تغير المناخ مستويات ملوحة البحيرات والمياه الجوفية نتيجة ازدياد درجة الحرارة.
وعلاوة على ذلك، أدى ارتفاع تركيزات الملوثات في الأنهار إلى ازدياد تلوث المياه الجوفية، ويتوقع أن يزداد ارتشاح الكيماويات الزراعية إلى المياه الجوفية نتيجة تغيرات في جريان مياه الأمطار التي تغذى المجمعات المائية.
وتواجه مجمعات المياه حالياً جفافاً متكرراً تصحبه حالات هطول مطرى غزير مفاجئ تتسبب بانجراف ترابي خطير وعمليات تصحر. وفي ظروف التغير المناخي سوف يشتد تدهور مجمعات المياه وعمليات التصحر.
ويتوقع حصول تأثيرات من المرتبة الأولى لتغير المناخ على النظم المائية المتوسطية، مثل فصول شتاء أكثر رطوبة وفصول صيف أكثر جفافاً، وفصول صيف أكثر حرارة وموجات حر، وأحداث مناخية أكثر تقلباً وتطرفا، هذه التأثيرات قد تحدث زيادة في التبخر من الاجسام المائية والأتربة الطبيعية والاصطناعية، مما يخفض الامدادات المائية المتوفرة.
ووقد أجريت عدة دراسات من قبل باحثين مصريين لتقصى تأثير التغيرات المناخية في النتح (التبخر)، على أساس تغيرات في درجات حرارة الهواء وفق سيناريوهات مختلفة. وأشارت الدراسة إلى أن التغيرات المناخية في المستقبل ستزيد الطلبات المحتملة على الري في مصر بنسبة 6 إلى 16 في المئة نتيجة الزيادة في النتح مع نهاية القرن الحادي والعشرين.
تأثير الجفاف
الجفاف من الكوارث الخطيرة المتعلق بالمياه والتي تهدد المنطقة العربية بالمقاييس الزمنية الحالية والمستقبلية (من الناحية المناخية)، ويمكن تعريف الجفاف بأنه "انخفاض مؤقت في توافر المياه أو الرطوبة أدنى كثيراً من الكمية المعتادة أو المتوقعة لفترة محددة.
أما من الناحية المائية، فالجفاف هو "فترة من الطقس الجاف على نحو غير معتاد تمتد وقتاً كافياً لكى يسبب انعدام التساقطات خللاً مائياً خطيراً، ما يحمل دلالة على حدوث نقص في الرطوبة فيما يتعلق باستعمال الانسان للمياه.
وتؤثر موجات الجفاف في الإنتاج الزراعي الذى يروى مطرياً وفى الامدادات المائية لأغراض منزلية وصناعية وزراعية. وقد عانت بعض المناطق شبه الجافة وشبه الرطبة في العالم من موجات جفاف أكثر شدة وتستمر سنوات عدة، ما سلط الضوء على إمكانية تعرض هذه المناطق لمزيد من حالات الجفاف المتوقعة في المستقبل نتيجة التغير المناخي.

وازداد تكرار الجفاف خلال السنوات الأربعين الأخيرة في المغرب وتونس والجزائر وسوريا، وتغير في المغرب من سنة جفاف في فترة 5 سنوات قبل العام 1990 إلى سنة جفاف كل سنتين، وفى لبنان، حدث تغير في أوضاع نقص المياه من حيث توافر الموارد المائية في العقد الأخير.
وفي بلدان المغرب العربي، حدثت عشر سنوات جفاف خلال العقدين الأخرين من أصل 22 سنة جفاف في القرن العشرين، وقد اشتملت على سنوات الجفاف المتتالية الثلاث وهى 1999 و2000 و2001. كما أن الجفاف حدث متكرر في الشرق الأوسط، حيث شهد نواقص مائية مزمنة وعانى من نواقص حادة منذ ستينات القرن العشرين. وكانت موجات الجفاف الأخيرة في سوريا أسوأ ما تم تسجيله خلال عقود.
إن مناخناً أدفأ، مع ما يرافقه من تقلب مناخي متزايد سوف يزيد خطر حدوث فيضانات وموجات جفاف ويحتمل أن تزداد المناطق المتأثرة بالجفاف، كما يحتمل أن تزداد حالات التساقط المطري، من حيث التكرار والشدة، وسوف يتفاقم خطر حدوث فيضانات وستكون هناك الفيضانات وموجات الجفاف ويشكل نقص المياه العائق الرئيسي في معظم بلدان المنطقة، وتشير الدراسة محاكاة أجرتها الهيئة الحكومية المشتركة لتغير المناخ إلى أن شح المياه قد يتفاقم إلى حد بعيد نتيجة تغيرات الأنماط المناخية في المستقبل.
كما تسببت مواسم الجفاف المتكررة منذ العام 1980 وحتى الوقت الحالي بتراجع كبير وخطير في مستوى المياه الجوفية في الأراضي الفلسطينية وفي الأردن وسوريا، مما أدى إلى جفاف عدد كبير جدا من الينابيع الهامة ومن الآبار الزراعية في مناطق الضفة الغربية وفي مناطق غور الأردن والشونة وسهول حوران، وهو مؤشر خطير ينذر بفقدان مصادر المياه الجوفية التي تتغذى منها تلك الينابيع والآبار، وهذه كارثة حقيقية خاصة بالنسبة للفلسطينيين حيث تعتبر المياه الجوفية المصدر الوحيد المتاح لهم في الضفة الغربية وقطاع غزة على السواء
وبالتالي فإن الوضع المائي صعب للغاية حيث لم تعد الموارد المائية المتاحة تكفي لتلبية ادنى متطلبات الحياة اليومية من المياه لدى معظم دول المنطقة العربية، ويتوقع تقرير صادر عن البنك الدولي أن يشهد مؤشر حصة الفرد مزيداً من الانخفاض إلى حوالى 65 مترا مكعبا عام 2025، وان المنطقة ستعانى من عجزا مائيا يصل الى 300 بليون متر مكعب بحلول عام 2030، مع العلم أن عددا من دول المنطقة دخل فعليًا في مرحلة الندرة الشديدة، كما هو الحال في اليمن والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة وغيرها.
وأشارت دراسات حديثة للأمم المتحدة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تحتل مراكز متقدمة من بين عشرين دولة في العالم -معظمها من الدول العربية- تعانى من نقص مزمن في المياه.
وتشير هذه الدراسات إلى أن كمية المياه المستخدمة سنويًا من مختلف المصادر في دول الخليج العربي في تزايد مستمر؛ حيث تبلغ نسبتها للأغراض البشرية 17 بالمائة و7 بالمائة للأغراض الصناعية.
ويزيد من حدة أزمة نقص المياه، التي يمكن أن تواجهها منطقة الخليج، أن تلك المنطقة تعانى من جفاف في أغلب فصول السنة، ومن قلة وعدم انتظام تساقط الأمطار، وانخفاض المناسيب.
إن قضية المياه لها شق سياسي يتعلق بدول الجوار وخاصة تركيا وإسرائيل وبعض الدول الافريقية. فإسرائيل تسيطر على الينابيع المتجددة في الأراضي المحتلة والجولان وجنوب لبنان وهناك مخطط إسرائيلي لا زال قائما لسحت مياه نهر الليطاني، وكذلك هناك أزمة مائية بين دول العراق وسوريا، وتركيا التي تسعى إلى استغلال مياه دجلة والفرات واستهلاك قدر أكبر من حصتها، من خلال تنفيذ مشروع "غاب" الذى يتضمن بناء 21 سداً سعة تخزينها حوالى 186 بليون متر مكعب وذلك على حساب حصة سوريا والعراق.
لقد أصبحت المياه قضية استراتيجية وأنها منذ القدم تشكل مصدرا من مصادر الصراع والنزاعات ومن بين هذه الصراعات إقامة حدود مائية تعتمد في المقام الأول على الحد المائي وليس على الأرض، واستخدمت في ذلك مختلف السبل ومنها احتلال الأرض وسحب المياه من أنهار اليرموك ونهر الأُردن وبحيرة طبريا كما أدخلت مياه نهر الليطاني في حساباتها، واحتلت جنوب لبنان واستولت على أكثر من 1290 مليون متر مكعب من مياه حوض الأُردن والليطاني.
الصراع على المياه بين العرب وجيرانهم
إن قضية المياه مازالت محل صراع بين دول المصب العربية ودول المنابع، وتلك الصراعات تهدد الدول العربية بالوقوع تحت خط الفقر المائي وذلك نتيجة لخضوعها لمحاولات الاستحواذ التركية والإسرائيلية، وهو ما يتطلب مزيدا من التعاون العربي وتكوين استراتيجية عربية للمياه.
وتركيا ترفض الحديث عن حقوق مياه لجيرانها العرب سوريا والعراق وتعتبر ان كامل مياه النهرين الدوليين دجلة والفرات من حق تركيا وحدها باعتبارها صاحبة المنابع لمعظم التصريف السنوي للنهرين، وتعتقد إن ما تقوم بتخصيصه لجيرانها العرب ليس إلا مكرمة وحسن جوار، بمعنى ان احتمالات وقف تقديم تلك المكرمة وارد في كل وقت بحكم ان تركيا لا تعترف بأية حقوق مائية للسوريين والعراقيين في مياه دجلة والفرات.
كذلك الأمر بالنسبة للمصريين، حيث يجري في الخفاء تحريك دول أعالي حوض النيل وخاصة أثيوبيا وغيرها للمطالبة في إعادة التحصيص، بمعنى تهديد قائم وصراع مستمر ودائم لمصر وأمنها المائي خاصة وأن مياه نهر النيل هي بمثابة شريان الحياة بالنسبة للمصريين.
وعلى جبهة ساخنة ثالثة من جبهات الصراع على المياه ، تشكل عمليات السيطرة والنهب الإسرائيلي لمياه حوض نهر الأردن والأحواض الجوفية للضفة الغربية للأراضي الفلسطينية دوافع وأسباب قائمة لاندلاع حروب مياه جديدة في المنطقة، في ظل التهديدات الخطيرة التي تواجه الموارد المائية في المنطقة العربية وفي ظل رفض الدول والأطراف المجاورة للعرب الاعتراف بحقوق المياه لأصحابها من الدول العربية المجاورة.
ولعل ما يترافق من مشاكل تسهم في تعميق الازمة هو عدد السكان مدفوعا بالمعدلات وتزايدهم بنسب نمو عالية تزيد عن باقي الأمم على سطح الارض.
فعدد السكان في العالم العربي حوالى 388 مليون نسمة ونسبة النمو اكثر من 3% ومن غير المتوقع ان تحافظ هذه النسبة على مستواها بل ستزيد ومما سيترتب عليه زيادة عدد السكان الى حوالى الى 500 مليون نسمة عام 2020.
ولا يجب ان ننسى ان نسب الوفيات منخفضة وان معدل متوسط العمر ارتفع الى حوالى 66 سنة بعد ان كان 45 في عام 1960 مما سيسهم في زيادة مضاعفة بعدد السكان في العالم العربي الذى يعتبر من الأمم الناشئة لان نسبة جيل الشباب عالية جداً، وبالتالي فان زيادة السكان تعنى زيادة الطلب على الماء ومن المعروف ان الموارد المائية محدودة جداً وهي في طريقها الى النضوب.
ومن العوامل الاخرى التي ستسهم في تفاقم الكارثة، هو عدم الاكتراث الشامل، بكل مستوياته، فالحكومات قد تنفق الكثير من الأموال على شراء أسلحة او اقامة استثمارات غير موثوقة العائد الا انها تتجاهل الاستثمار في توفير المياه، او في البحث عن "مصادر بديلة" للمصادر التقليدية.
والمواطن العادي لا يدرك خطورة هذه الازمة طالما انه يرى ان بإمكانه ان يشرب ويغتسل وان الماء متوفر في بيته ومكتبه وعمله، وبالتالي فلن يبالي في هدره باستخدامه بشكل غير عقلاني.
والمشكلة هنا ثقافة يومية يجب ان تتحمل الحكومات ومؤسساتها مسؤولية اعادة توجيهها للتنبيه الى خطورة ما سنؤول اليه، وما هو الثمن الذى سيدفعه ابناؤنا لقاء هدرنا لهذه الثروة.
ما الحل؟
ويقول خبراء انه لابد من خلق هذه الثقافة لتكون جزءا من يوميات الانسان العربي تسهم في تطويرها المدارس والجامعات والبلديات والمراكز الاجتماعية وغيرها ليصبح الاقتصاد في استخدام المياه عادة اجتماعية تدفع الى احترام الاشخاص الذين يوفرون في استخدام واستهلاك الماء من جهة، وعدم تقبل الذين يهدرون الماء والعمل على ايقافهم عند حدهم من جهة أخري.
كما أنه من الضروري أن تقوم الحكومات العربية بإعادة النظر في طرق استخدام المياه، خاصة في الزراعة التي تستهلك حوالى 87 في المائة من المياه العذبة المتاحة؛ وذلك بغية ترشيد الاستعمالات، والحد من الهدر والتصحر والملوحة، ومن التلوث الذى يصل في بعض الحالات إلى حوالى 50 في المئة.


ولابد ان تسعى الدول العربية الى تطوير وسائل الري الزراعية لاستخدام تقنيات توفر هدر الماء في اساليب الري التقليدية بتبني وسائل الري بالتنقيط والرذاذ، والامتناع عن الزراعات التي تستهلك كميات كبيرة من الماء اذا امكن توفيرها من خلال الاستيراد بعد النظر الى سلم ومصفوفة الاولويات، أي معرفة ما اذا كانت تكلفة استخدام الماء لإنتاج ذلك المحصول الزراعي اكبر من استيراده ام العكس؟ وهل الاهمية الاستراتيجية لهذا المحصول تستحق التضحية بالمياه المستهلكة لإنتاجه؟ بناء على الجواب ربما يكون مفيدا اتخاذ قرارات بعدم زراعة بعض المحاصيل. ولا سيما ان استيراد بعض المحاصيل خير من استيراد المياه
وادى النمو الاقتصادي وتحسين الحالة المعيشية الى زيادة استعمال المياه وحتى الافراط في استعمالها وانعكس تأثيرها أكثر في 70% من المناطق التي تعانى من مشاكل المياه.
وتستعمل في الدول المتحضرة حوالى 70% من المياه في مجال الزراعة وحوالى 20% للصناعة وحوالى 10% للحياة المنزلية، بينما تستعمل المياه في دول الشرق الاوسط مابين 85% والى اكثر من 95% للزراعة من مجموع المياه الموجودة والباقي منها ما بين 5% ـ 15% تستعمل لأغراض الصناعة والحياة المنزلية.
ويقول خبراء انه لا بد من الاسراع بإقامة محطات لتحلية مياه البحر والمياه غير العذبة لاستخدامها في قطاعات الزراعة والصناعة على الاقل، بدلا من هدر الموارد المائية العذبة. ولا بد أيضا من الاسراع بإقامة محطات تعتمد الطاقة النووية لتحلية المياه نظراً لرخص استخدامها على المدى الطويل ولاستقرار هذا المصدر للموارد المائية بشكل عام
وقدرت كلفة مشاريع التحلية من عام 2000 ولغاية 2010- بحوالي 11 مليار دولار على الأقل؛ حيث تبلغ في السعودية 2.4 مليار دولار، وفى الإمارات بنحو 2.3 مليار، فيما تتوزع المشاريع الباقية على كل من البحريين ومصر والكويت وعمان وقطر.
ويدفع التفاقم المتسارع لمشكلة نقص المياه الى الاسراع الى تبنى استراتيجية وطنية تراعى معطيات هذه الازمة وتبحث سبل حلها من خلال اقامة مراكز للأبحاث ومعاهد وكليات جامعية لدراستها والتنبؤ بمستقبل الاحتياطات المائية من خلال أبحاث ميدانية تتبنى حلولا ومقترحات تتناسب وحال كل دولة عربية على حدة، وتستشرف مستقبل الموارد المائية في حال تم استخدام الوسائل الحديثة التي تبنتها الدول المتقدمة.
والضرورة تتطلب ان ننظر بإمعان لبرامج استخدام وتقنين المياه في الدول الاوروبية التي تتعامل مع قضايا المياه بحذر بالرغم من كونها تعتبر من الدول الغنية بالموارد المائية الا انها مع ذلك تعقد المؤتمرات والندوات الدولية لمناقشة المخاطر الناجمة عن نقص المياه، وما هي المقترحات والبدائل المتاحة لمعالجتها؟ وكيف يمكن استخدام موارد مائية في دول اخري؟ وهل من الضروري عقد اتفاقات من الآن بخصوص توفير هذه الثروة المائية؟ ومتى؟ واين؟
ومن الواضح ان الدول ذات المياه الغزيرة تولى اهتماما كبيرا بالموارد المائية، وهى أقل حاجة لها، بينما لم يبدر الكثير من الاهتمام من الدول الفقرة بالموارد المائية بالرغم من انها تقف على اعتاب كارثة تصحر.
وربما تراهن بعض الحكومات العربية على ما لديها من ثروات، الا ان اتجاه هذه الثروات المحتوم نحو النضوب يضاعف أهمية المياه ويجعل أهميتها الاستراتيجية أكثر خطورة بما لا يقاس مع أي خطر استراتيجي آخر.
وقد تجعلنا الحاجة الى المياه من بين افقر الدول في العالم، لنكون "صومال" واسعة تنتظر المساعدات.
وكل المؤشرات تقول: اذا لم نتحرك الآن ونغير هذه المعطيات فإن كارثة الجفاف والعطش القاتل لا محال قادمة.
مما تقدم، نرى أن العرب امام تحديات حقيقية كبيرة تتطلب بل تفرض اعتماد توجهات وسياسات جديدة تحسبا لكافة الاحتمالات وخاصة الاحتمالات الأسوأ، على اعتبار ان الدول الصناعية لن تحترم ولن تلتزم بأية اتفاقيات تتعلق بتخفيض نشاطاتها الصناعية التي تشكل مصدرا للانبعاثات الغازية، لأن ذلك سيلحق بها ضررا اقتصاديا ليس باليسير، بمعنى ان مخاطر التغيير المناخر مستمرة ومتزايدة، وعلى الدول العربية ان تسرِع في إجراء الدراسات والبحوث العلمية الدقيقة حول الأثار المترتبة عن ظاهرة التغير المناخي في كافة الجوانب وخاصة ما يخص الموارد المائية والجفاف والتصحر والأعاصير وارتفاع درجات الحرارة وغير ذلك.
كما ان على الدول العربية ان تعيد النظر في سياساتها واستراتيجياتها المتعلقة بقطاع الموارد المائية، ضمن مفاهيم جديدة تقوم على اعتبارات المقاييس العلمية لطبيعة وأبعاد ظاهرة التغير المناخي، واعتماد التكامل في التخطيط الشامل البعيد المدى مع الإدارة المثلى والحكيمة وبناء القدرات المؤسسية المتطورة في مواجهة التحديات الخطيرة التي وصلت اثارها إلى المنطقة العربية واصبحت تدق ناقوس الخطر الكبير الجفاف والعطش والمجاعة.
فضل كعوش ـ الرئيس السابق لسلطة المياه الفلسطينية