المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وَصْفِي التَّل: أَشْكَلَةُ المَفْهُوْم – غَائِيَّةُ المَنْهَج * د. أُسَامَة حَسَن عَايِش


Eng.Jordan
11-28-2012, 09:43 AM
عندما يستحضر المؤرخ جزيئات التاريخ من رحم الثرى المؤنسن، زمنا وأرشفة، يستنبت مفاهيم الذات التاريخية، تأثيرا وتشكلا. وفي خضم الذكرى الواحدة والأربعين، 28/11/1971، لتوثيق أطوار الغياب لشخصية وصفي التل، كشخصية مؤثرة في تأطير المعنى الانتمائي الوجودي للوطنية الأردنية، لا بد من ضرورة الاتكاء على الركاز المنهجي المعرفي، والبعد الموضوعي العلمي للبحث في شخصيته من وجهة النظر التاريخية النقدية، وأبعادها الفكرية والاجتماعية والسياسية، وذلك بعيدا عن الأدلجة وإساءة قراءة التاريخ. وبالرغم من صعوبة المنهج بحثا عن الحقيقة وجذورها، إلا أنه يُؤسس لمفردات الوعي التاريخي، قراءة وتدوينا، ويُجَذِّر للموضوعية العلمية فكرا وغاية. ومن وجهة نظري المتواضعة، بصفتي أرَّخْتُ لشخصية وصفي التل بحثا علميا موثقا، وتفكيكا منهجيا نصيا، أميل إلى الاعتقاد أن شخصيته إشكالية جدلية، في تفردها نسقا، واستفهامية مؤدلجة، في دراستها عمقا. الإشكالية الجدلية في تأثيره وتغييبه، ومعنى التغييب هنا يطغى على مفردة الغياب. والاستفهامية المؤدلجة هي غيرية وليست ذاتية. وللتوضيح أقول: إن أشكلة المفهوم وغائية المنهج المتسق بشخصية وصفي التل تكمن في جدلية التداخل بين الفرد التاريخي وبين حالة وعي الذات، الذي هو أساس الشخصية ومحور البحث فيها. وعندما تُختزل المادة التاريخية كمصدرية وثائقية، تتناقض المنطلقات وتتباين الآراء. لقد أمعنتُ في قراءة شخصية وصفي التل كمقاربة وثائقية مؤرشفة لفلسفة التاريخ السياسي، ولكن وفق محاولة حداثية احتلت فيها خطوة المزج المنهجي أهمية أولية. أي أنها محاولة ثلاثية الأبعاد لإدراك التاريخ وعيا من منظور سايكولوجي نفسي، ومنطلق سوسيولوجي بنيوي، ولكن بتمركز تاريخي تحقيبي. إنَّ خصوصية النسق الأسري لوصفي التل انبثق من ثنائية البيئة والنشأة الاجتماعية، ويعتبر المؤثر العراري الأبرز في شخصيته، خاصة بتمثله لفلسفة البساطة اعتقادا وسلوكا، والنتاج الأدبي نثرا وإبداعا. لقد أفردتُ دراسة مستقلة فصلا لنتاج وصفي التل القلمي كدراسة تحليلية. ولا نُجانب الصوابية إذا اعتبرنا شخصيته بصفتها الأنا العرارية والذاتية الأردنية. ويقصد بالأنا علميا مركز الشخصية محورة قبل أن تتشكل الذات الكلية أبعادا. أما الذاتية فهي تكامل الشخصية هيكلة، وهي حصيلة الفرد الكلية كتاريخ شخصي وموقف فكري ورؤى سياسية وأنساق اجتماعية ثقافية وطنية.

ومن خلال قراءة ما كُتِبَ ويُكتب عن شخصية وصفي التل وأدوارها التاريخية، أقول ما كُتِبَ ويُكتب وليس ما يبحث ويُنقد، يُلاحظ أن شخصيته استوطنت اللاوعي الجمعي الأردني كحالة وجدانية نظرية تمازج فيها الشعور بالمثال، وكحالة سياسية ارتقت إلى المؤانسة الاجتماعية عمقا وتأثيرا. هذه الوضعية لها بعدان: الأول محورية التمركز حول الثرى - الوطن. فبالرغم من مرور ما جاوز الأربعة عقود على ذكراه، إلا أنه ما يزال حاضرا في الفكر السياسي الأردني، والنمذجة التاريخية للفردانية المؤثرة. ومن هذه الرؤية تحديدا، ينظر إليه بصفته الأشد التصاقا وتأثيرا بالسياسة والمجتمع الأردني. ولذلك، فقد فرض نفسه طوعا على التشكل البنائي لنمائية الدولة الأردنية. فشخصيته متقاطعة الأبعاد جذرا، تمازج فيها السياسي القيمي بما هو فكري معرفي، والاجتماعي الفلسفي بما هو عسكري نظري. أما البعد الثاني فهو اعتقادية التاريخ وجزيئاته المنهجية. لقد أضعفت الحالة الوجدانية الرؤى العلمية لدراسة شخصيته بتجرد، هذا فضلا عن أنها أحادية الجانب بالمفهوم الجغرافي للإقليمية السياسية، مما جعل ما اصطلحتُ على تسميته علميا بالأقلمة المفاهيمية تطغى على حالته الوجودية وسيرته الشخصية، ورسَّخ بالنتيجة المنحى الجدلي لدراسته وبحثه. إن قراءة الذات التاريخية، وإعادة القراءة الممنهجة لشخصيته الجدلية لا تعني تنظيرا عبثيا، بل تحييدا أوليا، وأمانة علمية موضوعية لما هو شائع وبين ما هو مغيب.

لقد أوجد وصفي التل مفهوما ارتقائيا للهوية الوطنية الأردنية، بصفتها انبجست من/ وفي الواقع الاجتماعي الأردني، والرؤية السياسية التي استندت في جذورها التكوينية إلى التاريخ الحديث، والذي بدأ مع تكوين الإمارة الأردنية في 1921 ميلادية، بصفتها شكلا من أشكال الكيانية السياسية. إن هذا النتاج الدلالي للهوية الوطنية الأردنية، الذي أطَّرهُ في منهجه السياسي، جاء منسجما مع الخصوصية الاجتماعية للذات الأردنية، ومتوافقا مع معطيات الفكر السياسي الذي اختطه لنفسه، والذي يستند في أصله إلى القيمة الأنوية لمعنى المواطنة الأردنية، عقيدة وعروبة، وذلك بصفتها معيارا أخلاقيا وجوهريا لتجسيد مبدأ الحق للشخصية الأردنية، وخاصة للبسطاء المهمشين من أفراد المجتمع، مفهوما فلاحيا وأصلا بدويا كنمط معيشي تطوري. وفي الدلالة اللغوية والتاريخية يقصد بالهوية الذات المُجَذَّرَة، بما تحويه من جوهر وجودي وماهية وظيفية. إن هذا الوعي بمقومات الهوية الوطنية الأردنية، بعمقها الوطني القيمي وليس الإقليمي الجغرافي، هو من الخصوصيات الذاتية لفلسفة وصفي التل السياسية، فكرا وممارسة.

اعتقد وصفي التل بأن الهوية الأردنية، وطنا وشأنا خصوصيا، وليس شأنا عنصريا أو إقليميا، يجب أن تكون كلاً غير قابلة للتجزئة. ومن هنا جعلها من الأسس الراسخة لتعزيز بنية الكيان السياسي الأردني، ومحورا استناديا في بنائية الدولة الأردنية، واستعادة سيادتها التاريخية التي كانت مهددة في حقبة ما من حقب التاريخ المعاش. لقد انبثق ادراكه هذا من فهمه بأن من اهم وظائف الهوية الوطنية حماية النظام السياسي، ببعديه الاجتماعي والاقتصادي، وليس الاصطدام معه أو تقويضه. ومما يجدر التنويه إليه أن وعيه لمسألة الهوية الوطنية الأردنية لا يتعارض أو يتنافى أو يلغي أو ينتقص من هوية الدولة الأردنية، عروبة وقومية. وفي الزاوية الأخرى لثنائية الهُوية – الوجود، أوجد وصفي التل مفهوما متمازجا لثنائية الدولة – المجتمع. لقد اعتقد بصوابية الطرح الذي يرى بأن الوظيفة السياسية لوجودية الدولة سوسيولوجيا تتجسد لأجل تحقيق غايات أخلاقية قيمية لإنتاج مفاهيم الولاء والانتماء، مع انه المسوَّق تبريريا إبعاد الاعتبارات الأخلاقية عن الممارسة السياسية. وانطلاقا من هذه الرؤية، اعتَقدَ أنَّ أخلاقية الغاية وطنيا تفرض أخلاقية الوسيلة سياسيا، بمعنى أنَّ الغاية تُقَرِّر الوسيلة ولا تُبررها.

وبالرغم من وجود صعوبة مُعاشة لإحداث تمازج بين القيم الأخلاقية والوظيفة السياسية، أي صعوبة تجسيد القيم الأخلاقية في مفردات النظام السياسي تراتبيا، إلا أنَّ وجودها كقيم معنوية لا يكفي لمنح النظام السياسي القدرة المطلوبة لفرض وجوده، كمأسسة سياسية متمازجة اجتماعيا، وكضمانة تاريخية لديمومة بقاء الدولة وتطورها. إنَّ جوهر الإدراك الوصفي لشرعية البقاء السياسي يتمثل في فهمه للعدالة الاجتماعية وتأسسها وفق مبدأ المساواة، وذلك بمنح كل ذي حق حقه.

ومما يُعَمِّقُ من أشكلة المفهوم في شخصية وصفي التل ماهية وعي النزعة الفلسطينية في ذاته وفكره، وأثر ذلك على جذورية العلاقة الأردنية الفلسطينية بأطوارها المختلفة، تداخلا وتباعدا، اتفاقا واختلافا، تباينا وتناقضا. آثرتُ من وجهة نظر المؤرخ المتخصص أن أَنْحَت مصطلحا لغويا تاريخيا يحوي في جوفه أبعادا سياسية اجتماعية لحقيقة العلاقة بين وصفي التل والعمق الفلسطيني في شخصيته التاريخية، وجودا ماديا وتمثيلا سياسيا وفداءً عسكريا استراتيجيا. هذا المصطلح اللغوي التاريخي يكمن في الآتي: الفَلَسْطَنَة الوَصْفِيَّة. لقد نشأ فلسطينيا في حقبة ما من تاريخه الشخصي، كما تشكل مقاوما في دروبه العسكرية فوق الجغرافيا الفلسطينية المجتزأة استعماريا. وعندما استحضرَ المفردة الفلسطينية في ممارساته السياسية، فقد تولدت من تجربته الشخصية فوق الثرى الفلسطيني محاربا، ولكن بعيدا عن امتهان الذات خطابا مؤدلجا، وبعيدا عن أزقة الارتزاق حرفة. لقد آمن بأن الأرض الفلسطينية، على قداستها، فُقدت واقعا وضُيعت قيادة، إلأ أنها يجب أن تسترجع يوما ما دام لها رجال أشداء يعبدونها أملا وعزما وتصميما. إن الوجود الفلسطيني في هيكلة وصفي التل الفكرية يُستشف وثائقيا من خلال تدوينه لمؤلفه النقدي الذي جاء تحت مسمى: «فلسطين دور العقل والخلق في معركة التحرير». لقد اعتقد جازما أن التغلب على واقع النكبة الفلسطينية لن يتم ما لم تقود العقلنة الأخلاقية القضية الفلسطينية، وضرورة تَمَثُّل طريق يقظة العقل والوعي التاريخي للوجود العربي فلسطينيا، مشددا على أن صراع الوجود العربي تاريخيا مع الأيديولوجيا الصهيونية هو من حتميات التاريخ.

يستوقف الباحث المدقق قناعة وصفي التل الفكرية بأن تسوية المُشْكِل الفلسطيني خُطِّطَ له بأن يكون تسوية سياسية دولية يحافظ على وجود الكيان الصهيوني، بالرغم من المتاجرة السياسية لمفاهيم المقاومة والفداء. ومن هنا مارس سجالا ثنائيا مع الرؤية الفلسطينية الأخرى، عندما كان على رأس الحكومة الأردنية متنفذا، غَلُبَ عليه صراعا سياسيا بين هواجس التمثيل للمواطنة الأردنية، وبين محاولة اجتزاء السيادة من الحياض الجغرافي للدولة الأردنية. أما موقفه من فلسفة الفداء كاستراتيجية مقاومة فاعلة ومؤثرة، فقد اختزله بوجوبية أن يكون موحدا منظما منضبطا لكي يحقق الهدف والغاية، وليس منقسما مشتتا فوضويا، مشددا على أن من الأخطاء الجذرية لمفهوم الفداء المُقَاوِم أن يتداخل سوسيولوجيا مع العمق الأردني معاشيا، أو الصدام المسلح مع المؤسسة العسكرية الأردنية، أو الانتقاص من هيبة الدولة وشرعية الحكم. لقد أخذ على عاتقه تصويب الرؤية السياسية مع الجانب الفلسطيني، مقتنعا بدور سياسي للكيانية الفلسطينية المعنوية كمأسسة تنظيمية تجهد في اثبات حقها التاريخي المُغْتَصَب، ومُتشبثا بالحق الفلسطيني المُقَاوِم ضد التقيض التاريخي المُغْتَصِب للأرض والإنسان والتاريخ، ولكن بأهمية أن يكون فاعلا في العمق المُحْتَل للأرض الفلسطينية، بعيدا عن المدن الأردنية المعيشية ومعاقل الدولة الأردنية السيادية.

عندما يحاول الباحث أن يؤرخ لشخصية وصفي التل اتساقا ومنهجية البحث التاريخي العلمي، ببعديها النقدي والتفكيكي، يدرك أن هناك الكثير من الجزيئات الخصوصية المهملة. بمعنى، عليه أن يقرأ ويبحث ويؤرشف ويدون لتاريخ يُجْتَنَى من بين غبار الأوراق وصدأ الأيام وغِيَر الأزمان. وما بين القراءة والتدوين، هناك سقطات وإساءة قراءة تؤثر على تاريخ ما أسقطه التأريخ قصدا. وفي المنحى الآخر، علينا أن نَعِيَ أنَّ الذات الماورائية لشخصية وصفي التل تعني في أحد مفاهيمها التوليدية غربة الأبجدية صمتا، وأَنَّة اليراع تاريخا، واصفرار الوثيقة تغييبا. إنَّ الأشكلة المفاهيمية لشخصيته الحاضرة في حضرة غيابه بحاجة إلى عميق الدراسات العلمية والبحوث التاريخية التي يجب أن تتصف منهجيا بالحيادية العلمية وأخلاقية المعرفة. فالرؤية التي آثرتها تأريخيا لشخصيته وتجذيرا لفلسفته انبثقت من البحث واستندت إليه. وهي في حقيقتها العلمية المجردة ما هي إلا وجهة نظر مُؤَرَّخَة قابلة للحوار والاستقصاء والنقد والقراءة وإعادة القراءة، تتفتق من ذاتيتها العلمية نسبية الصواب والخطأ.

التاريخ : 28-11-2012