المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في مجالس العلامة محمود محمد شاكر


Eng.Jordan
11-30-2012, 10:50 PM
صدر حديثًا في الكويت كتاب تحت عنوان: قراءة أخرى في دفتر قديم.. من مجالس العلامة أبي فهر محمود محمد شاكر، للدكتور يعقوب يوسف الغنيم.
ومما هو جدير بالذكر أن هذا الكتاب قد سبقه كتاب آخر للمؤلف كان يتحدث عن الذكريات نفسها، وكان عنوانه: قراءة في دفتر قديم.. من مجالس العلامة أبي فهر محمود محمد شاكر - صدر العام الماضي - وبالتالي فقد جاء كتاب قراءة أخرى في دفتر قديم كجزء متكامل مع الكتاب الأول، ليضيف إلى المكتبة العربية إصدارًا مهمًا ومتميزًا، وقد آثر الغنيم كما يقول أن يكون عنوان الكتاب الثاني مقاربًا لعنوان الكتاب الأول، لأنهما من مصدر واحد، هو دروس العلامة محمود محمد شاكر..
يقول الغنيم في مقدمة كتابه:
من نعم الله تعالى على أنني استطعت بعد طول تردد تقديم الدروس التي تلقيتها أنا وزملائي عن أستاذنا العلامة الشيخ محمود محمد شاكر منذ سنة 1957، وكنت - بتوفيق من الله - قد كتبت ما كان يمليه علينا من دروس، فكانت كتابًا متكاملًا عندما أعدت نسخها وأضفت إليها بعض ما تذكرته من مجالس الشيخ، وأعددت لها بعض الحواشي التي لابد منها.
كان هذا الكتاب هو قراءة في دفتر قديم، وقد صدر في سنة 2011. وكنت قد وعدت بتقديم دروس أخرى من إملاء الشيخ غير ما جاء في ذلك الكتاب، لأن الدروس الأولى كانت عن قصائد عددها تسع وعشرون قصيدة من كتاب الأصمعيات لأبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، وكانت الدروس الأخرى التي وعدت بتقديمها هي الدروس الخاصة بكتاب الكامل في اللغة والأدب، لأبي العباس المبرد، وكان الشيخ قد قام بتدريسنا في فترة من فترات التوقف عن قراءة الأصمعيات المقدمة وخمسة أبواب من هذا الكتاب القيّم. وهذا الذي أقوم به اليوم هو الوفاء بما وعدت به، والأداء لواجب عليّ تجاه شيخي الذي لا يمكن أن أنسى فضله أو علمه.
الكامل في اللغة والأدب
يتناول الغنيم في كتابه دروس الشيخ محمود محمد شاكر في كتاب الكامل في اللغة والأدب مع شرحه له، ويقول الغنيم في تعريفه بالكتاب: إن المبرد لم يضع لكل باب عنوانًا يميزه عن سواه من الأبواب، ولكنه كان يكتفي بالأرقام، ذلك لأن أبواب الكتاب متشابهة، فهي عبارة عن أشعار وأخبار ومعلومات وبعض الإشارات، إلى شيء من النحو والصرف وعلم اللغة.
والمبرد هو إمام العربية في عصره، له عدة مؤلفات، منها: الكامل، والمذكر والمؤنث، والتعازي، وشرح لامية العرب، وإعراب القرآن، وطبقات النحاة البصريين، ونسب عدنان وقحطان، والمقتضب، وكلها كتب عالية القيمة، وأكثرها مطبوع، هذا فيما يخص المؤلف.
أما كتاب الكامل في اللغة والأدب فهو كتاب مهم في بابه، تحدث ابن خلدون عن الكتب الأدبية فقال: سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة، وهي كتاب الكامل للمبرد، وأدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لابي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتابع لها وفروع منها.
تناول الكتاب الحديث عن صفات كلام العرب، وما فيه من إيجاز وإطناب وتلميح، ومتى يكون أمر كل واحد منها مقبولًا لدى السامعين، فذكر أن الإيحاء قد يغني عند ذوي الألباب، ولكن الشاعر المفلق والخطيب المصقع والكاتب البليغ قد يقع في كلام أحدهم الكلام المستغلق.
ثم يأتي بأمثلة لبعض الكلام البليغ الموحي فيقول: إن من ألفاظ العرب البينة القريبة المفهمة الحسنة الوصف الجميلة الرصف قول الحطيئة:
وذلك فتى إن تأته في صنيعة ... إلى ماله لا تأته بشفيع
وشرح شيخنا لفظ المفلق فقال: إنه الذي يأتي بالفلق أي العجب، ولفظ المصقع، فقال: إنه الذي يصل كلامه إلى كل صقع، وذكر أن البيت الذي أورده المبرد نقلًا عن الحطيئة وارد بالفعل في ديوان هذا الشاعر.
ثم يستمر الغنيم في عرض شرح شاكر للكامل، ويورد أمثلة فيقول: قيل لمعاوية: ما النبل؟ فقال: الحلم عند الغضب والعفو عند المقدرة، ثم أورد حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فيه: ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا بلى. قال: من أكل وحده ومنع رفده وضرب عبده، ألا أخبركم بشر من ذلك؟ من لا يقيل عشرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنبًا، ألا أخبركم بشر من ذلك؟ من يبغض الناس ويبغضونه.
ويورد شرح وتفسير بعض الأحاديث والحكم، ثم يتناول مجموعة من الحكم والأخبار المتعلقة بها، فمن ذلك أنه نقل عن بزرجمهر، وهو كبير حكماء الفرس في عهد كسرى، ما يلي: من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان قبل وضيعًا، وبعد صيته وإن كان خاملًا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجة إليه وإن كان مقترًا..
يقول الغنيم: فسر لنا الشيخ المقتر بأنه قليل المال، وفسر المقتر بأنه البخيل، وأضاف أبو العباس: وكان يقال: عليكم بالأدب فإنه صاحب في السفر ومؤنس في الوحدة وجمال في المحفل وسبب إلى طلب الحاجة.
ويقول الغنيم في بداية الباب الخامس من كتاب الكامل: وهو آخر باب قرأناه على شيخنا، وقام بتدريسه لنا من هذا الكتاب القيم الذي لا حد لفوائده، فقد بدأ الباب بذكر أشعار في المديح، منها ما قاله رجل من سلامان ابن سعد هذيم من قضاعة، وقد كان جاور في جوار قبائل طيء:
كأن الجار في شمجي بن جرم ... له نعماء أو نسب قريب
يحاط ذماره ويذب عنه ... ويحمي سرحه أنف غضوب
ألفت مساكن الجبلين إني ... رأيت الغوث يألفها الغريب
وذكر المبرد أن الجبلين المذكورين في الشعر هما: سلمى وأجا، وهما لطيء والغوث: قبيلة من طيء..
الغنيم يتحدث عن الشيخ شاكر
يعدُّ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم من أعلام الكويت في المجالات الثقافية والبحثية، بفضل ما يتمتع به من ثقافة شاملة، وقلم واع، وقدرة على رصد أفكاره بكثير من التكثيف وبأسلوب شيق جذاب، وحرص على المعلومة وصدق في نقلها إلى الملتقى.. ولد عام 1941 في مدينة الكويت، وتخرج في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة 1961, وحصل على الماجستير والدكتوراه في النحو والصرف من نفس الكلية. عمل في بداية حياته العملية في مجال التدريس, ثم الإعلام, ثم وكيلًا لوزارة التربية, فوزيرًا لها، كما أن له مشاركات متعددة في مجالات الشعر والثقافة والتأليف.
يقول الغنيم عن محمود محمد شاكر:
ولا أظن أنني في حاجة إلى الحديث عن المرحوم محمود محمد شاكر وعن علمه وآثاره، فقد تناول ذلك عدد كبير من الكتاب، خصوصًا بعد وفاته، بالإضافة إلى ما كتب عنه من دراسات جامعية، بعضها منشور يستطيع أن يطلع عليه أي قارئ، كما أن مكانته العلمية معروفة شهد له بها إنتاجه، ونوه بها معاصروه، ويكفي أن نطلع على ما كتبه عنه الأستاذ يحيى حقي يوم أثار في مجلة المجلة المصرية موضوع ترجمة الشاعر الألماني جوته لقصيدة "تأبّط شرًّا"، اللامية الشهيرة، وهي التي تجد الحديث عنها في كتاب الأستاذ محمود شاكر: نمط صعب ونمط مخيف، الذي ضم فيه مقالاته التي كتبها حول تلك القصيدة، وما كتبه الدكتور يحيى الرخاوي في رثاء الفقيد تحت عنوان: دروس معه عبر خمسين عامًا، وكذلك ما كتبه الدكتور زكي نجيب محمود بعد اطلاعه على قصيدة القوس العذراء، التي اعتبرت قمة من قمم الشعر الحديث، المرتبط بالتراث العربي الأصيل... ولذلك، فإن من الأفضل في هذه الحالة أن أعود إلى العنوان الذي كتبته، وهو المتعلق بالدفتر القديم، وهذا الدفتر هو أحد أربعة دفاتر كتبت فيها ما كان يلقيه علينا الأستاذ في دروسه، ولم أترك شاردة ولا واردة في تلك الجلسات المباركة إلا وقيدتها، وحين أعود إليه الآن، فإنني أعود إلى منهل صاف من مناهل العلم، ازددت فيه علمًا، وعرفت فيه عددًا من الرجال الذين أعتز بهم، وأصبحت صلتي بهم كصلة النسب، لقد كانوا مقبلين على هذه الدروس، وقد أثرى نقاشهم وأسئلتهم تلك الحلقة الدراسية، مما كان يدفع الأستاذ إلى تقديم المزيد من ذلك البحر الزاخر بالمعرفة، مما تضمه جوانحه، فيسهم النقاش في تقديم المزيد من ذخائره.
واحتوى الكتاب، بعناوينه العديدة، على رحلة جذابة، اصطحبنا فيها الدكتور يعقوب يوسف الغنيم مع هذه الشخصية العربية النادرة، محمود محمد شاكر، المولود في مدينة الإسكندرية المصرية، في فبراير عام 1909، وكان والده وكيلًا للأزهر الشريف، ومن ثم انتقلت الأسرة إلى القاهرة، وتدرج محمود محمد شاكر في دراسته، إلى أن تخرج من المدرسة الخديوية الثانوية، ومنها التحق بالجامعة، التي لم يستمر فيها لخلاف كبير نشب بينه وبين الدكتور طه حسين، بسبب آراء الأخير في الشعر الجاهلي، وهاجر إلى جدة، التي أنشأ فيها مدرسة جدة الابتدائية، بناءً على طلب الملك عبدالعزيز آل سعود، واستمر في جدة حتى عام 1929، ثم عاد إلى مصر، وانصرف إلى كتابة المقالات في مجلتي الفتح والزهراء، وحصل على عدة جوائز، منها جائزة الدولة التقديرية في مصر، وجائزة فيصل العالمية عن كتابه "المتنبي".
وتعرض للأذى الشديد في عهد جمال عبد الناصر، وتوفي - يرحمه الله - في اليوم الثامن من شهر أغسطس لسنة 1997.