المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القبو الزجاجي


عبدالناصر محمود
12-03-2012, 07:18 PM
القَبْوُ الزُّجَاجِيُّ
ــــــــــــــــــــ

*ـ للدكتور / صابر عبد الدايم
ـ { رسالة إلى (( محمد الفاتح ))
قائد الفتوح الإسلامية في (( البلقان ))
- - - - - - - - - - - - - - - - - -

أيُّهَا الفَاتِحُ .. ضَيَّعْنَا مَفَاتِيحَ المدائنْ !!
ونسِينا البحرَ .. والموجَ وتهليلَ السفائنْ !!
ونسينا الخَيْلَ والرمحَ .. وأسرارَ الكمائنْ
سورةُ الفتحِ هَجَرْناها .. وبدَّدْنَا صَدَاها
وتراءَتْ في حنايانا أنينًا وحنينَا
كلّ أشجار الفتوحاتِ أرَاهَا
عارياتٍ من رُؤَاها
مِن ثمارِ المجدِ ..
في أوراقها جفَّتْ دماءٌ
كنتَ تُسقِيها شَذَاها
أيُّهَا الفاتحُ أقْبِلْ .. أنتَ ما زلتَ فَتَاها
انْزَع السيفَ مِن الغمْدِ فقد تهْنَا وتَاها !!
لم يزلْ سيفُكَ في القَبْو الزجاجيّ سَجينَا
نائمًا في غِمْدِهِ يحرسُ أسيافَ الخلافَهْ !!
وإلى جانبهِ سِيفُ عليٍّ (( ذو الفقارْ ))
ذلكَ الباتِرُ في كلِّ غزاةٍ : سيرةَ الكفرِ .. صداهُ وشغافُه
انظرِ الآنَ إليهْ ...
ليسَ إلاَّ أثرًا يشهدُه (( السُّيَّاحُ )) من كلّ القِفَارْ !!
وضعوهُ حِلْيةً للزَّهْو .. واللّهوِ بأزمانِ الفتوحاتِ الكبارْ !!!
أيُّهَا الفاتحُ .. ضيَّعْنَا مفاتيحَ المدائنْ !!
.. خالدٌ .. في عصرنا يُسْجَن في قبرٍ زجاجي ...
وللفاروقِ والصِّدِّيق ذياكَ المصيرْ !!
... هذه أسيافُهُمْ مَثْلُومَةٌ تَنعى إلينا
حَدَّهَا المغتال في جَوْفِ القبورْ !!
أيُّهَا الفَاتِحُ أمْسَى السيفُ ظِلاًّ
ووشاحًا ساكنًا فوقَ الصدورْ !!
إنَّهُ أضحى بقصرِ الحُكْمِ مرسومَ ضيافَهْ
إنَّهُ أصبحَ نَقْشاً فوقَ جُدرانِ الطُّلُولْ
كلُّ مَن يشهدهُ ..
يقرأ في جبهتِهِ عصرَ رواياتِ الأُفولْ
وأنا جئْتُ إلى قصرِكَ ضَيْفًا ما معي إلا الهَوِيَّهْ
إنَّهَا (( الله ولا ربَّ سواهْ ))
إنَّها (( لا إلهَ إلا الله .. محمدٌ رسولُ اللهْ ))
جِئْتُ والقلبُ بأبواب الفتوحات مُعلَّقْ
جئتُ .. لكنْ
بابُ (( إسلامبولَ )) في وجهيَ مُغْلقْ !!
صَدَّني عن بابِكَ العالي
انْكِشاريٌّ بلا هَوِيَّهْ
جاءَ مِنْ أرضِ الشَّتَاتِ الهَمَجِيَّهْ
جاءَ والصربُ تغذِّيهِ .. ويسقي من كُئُوسِ الروسِ نخْبَ البربريهْ!!
... قلتُ إنِّي ..
مِنْ جنودِ الفاتِح القائدِ حامي أرضِ كلِّ المسلمينْ
قال في القاعةِ لا يُوجدُ إلاَّ بعضُ أشلاءَ مِن العهدِ الطعينْ
إنَّهَا رائحةٌ مِن زَمَنٍ
كَانَ .. صُعودًا .. وانحدارًا .. وانكسارًا بين أيدي الخائنينْ !!
إنَّهَا أطلالُ تاريخٍ .. وأشباحُ رجالٍ ...
... سكنُوا القبوَ الرخامِيَّ السجينْ !!
رحلَتْ ذاكرتي في مُدُنِ الشعرِ .....
وأصغتْ لأميرِ الشعراءِ في شرودٍ وعَياءْ
(( اللهُ أكبرُ كمْ في الفتحِ مِن عَجَبِ
يا خالدَ التركِ جدِّدْ خالدَ العربِ ))
أيُّ فتحٍ .. يا أميرَ الشعرِ في عصرِ الفتوحاتِ العقيمهْ ؟
أيُّ فتحٍ ؟ خالدَ التركِ .. أتاتوركُ ..
... لقدْ ألقى بماءِ النارِ في وجهِ الخلافهْ !!
شوّه الوجهَ السماويَّ الجميلْ
جعَل البسفورَ ملهًى ...
والعرايَا ... فيهِ يسبحْنَ ويعبرْنَ مضبقَ الدردنيلْ !!
سفنُ الفتحِ ...
ويا للفتحِ أحالُوها مواخيرَ السُّكَارَى العابثينْ
والمحاريبُ
فضاءاتُ نحيبٍ .. حوَّمتْ فيها طيورٌ مِن عويلْ
يَنْعِقُ البومُ بأحشاءِ الثُّريَّات المطفأهْ
آهِ قدْ كانتْ لآلافِ المصلِّين مَنَاراتٍ ...
وللمقرورِ كانتْ مِدْفَأهْ
وهي كانت بقايا من قناديلِ الفتوحِ المرْجَأهْ ..

• * * * * * *

أيُّهَا الفاتحُ ... (( إنّا .. قدْ فتحْنا لك فتحَا ..
كانَ ـ بالحقِّ ـ مبينَا )) ..
وأبو أيُّوبَ فوقَ السُّور ما زالَ يكبِّرْ
اللهُ أكبرُ ... اللهُ أكبرُ ... اللهُ أكبرُ
غَلَبَ الرومَ ... وأشجارُ الفتوحاتِ تُهَلِّلْ
والنواقيسُ تلاشتْ
والجيادُ الصافِناتُ المؤمناتُ
في ميادين الوَغَى تَصْهَلْ .. بالفتحِ تُحمحمْ
وَعَلى الشاطئ تختالُ المآذنْ ...
وتصلِّي وتسلِّمْ
إنَّهُ الماءُ يسبِّحْ
والنُّجَيْمَاتُ تسبِّحْ
وَالفَنَارَاتُ تُسَبِّحْ
والمجاديفُ تسبّحْ
إنَّهُ اللهُ ... فسبِّحْ باسمِ رَبِّكْ
إنَّهُ حامي الحِمَى حارسُ دَرْبكْ
أيُّهَا الفاتحْ .....
في ظلِّلكَ ظلَّ السَّيْفُ مِصبْاحًا مُضيئاً
حارسًا شرعةَ ربِّكْ ..
هل أعودُ الآنَ مِن وَهْمِي .. ؟ أعودْ .....!!
وأعودُ حامِلاً في القلبِ مشكاةً حزينهْ !!
ضوءها الدُّرِّيُّ مِنْ نيرانِ أشلائي يمتاحُ الوقودْ !!!
نَقْشُهَا الساكنُ في القلبِ تواريخُ لأمجادٍ طَعينَهْ
وفضاءَاتُ غماماتٍ وأسرابُ بروقٍ ورعودْ
أيُّهَا الفاتِحُ (( إسلامبولَ )) يغزوها الجرادْ
ووجهُهَا الأبيضُ ألقَوْا فوْقَهُ قارَ الفَسَادْ
سَلَبُوها العِرْضَ ... والأرضَ وباعُوها جِهارًا في المزادْ
جاءَها من كلّ فَجٍّ أزرقُ النَّابِ ..
وَمَصَّاصُ الدماءْ
أحمرَ الرغبةِ في عينيْهِ أمواجُ الدهاءْ
أصفرَ البسمةِ في خطوَتِهِ ريحُ الفناءْ
أطلقَ الريحَ ... العقيمْ
أيا صوفيا في مهبِّ الريحِ شيخُ جِذرٍ في الأرضِ موصولٌ بأسبابِ السماءْ
صُورةُ العذراءِ في محرابِهِ تَغْشَى وجوهَ العابدينْ
مُتْحفًا صارَ لأجسادٍ عُرَاهْ ...
يصلبونَ العمرَ إثْمًا في مساءاتِ الجُنونْ
خطفتْني الريحُ ألقتْني (( بوَادٍ غيرِ ذي زرعٍ )) ..
سَرَاييفُو ...
جبَالٌ من جليدٍ ودماءْ ...
وتلالٌ من عِظامٍ وفَناءْ ...
... أيُّهَا الفاتح (( إسلامبول )) يغزوها الجرادْ
في سراييفو وبيهاتشَ وفي الشيشان في القِرْم
وُحوشُ الصربِ تغتالُ الطفولهْ ...!!
في دماءِ التائبينَ الراكعينَ الساجدينَ الشهداءْ
هُمْ يخوضُونَ ويَلْهونَ بأجسادِ النساءْ
ويُبيدون الرجولهْ !!
يزرعونَ الرَّحِمَ المؤمنَ كُفرًا .. وشياطينَ عذابْ
في خلايا الطُّهْرِ يُلقونَ المنايا ... شكّلتْها نُطَفٌ
تقذِفها في الرَّحِم المؤمنِ أصلابُ الكلابْ !!
والصناديدُ الصِّلابْ
حُرِّقوا في دارِهم .. لا جُرْمَ إلاَّ أنْ يقولوا : ربُّنَا الله ..
حمَلوا القبرَ على أكتافِهِمْ
لا جُرْمَ إلاَّ أنْ يقولوا رَبُّنَا اللهْ
أكَلُوا المَيْتَةَ والعُشْبَ وماتَتْ شَمسُهُمْ
لا جرمَ إلاَّ أنْ يقولوا رَبُّنَا اللهْ
شهدوا أعضاءَهم تسقُطُ مِن أجسادِهِم لا جُرْمَ إلاَّ أنْ يقولوا رَبُّنَا اللهْ
بالمناشيرِ يُشَقُّون
ويقولونَ ربُّنَا اللهْ
بالوحوشِ الطائراتِ القاصِفاتِ
يُمْطَرون ويقولون رَبُّنا اللهْ ..
بالنُّجُوم المرْسَلاتِ العاصفاتِ يُصْعَقُون وينادُونَ رَبُّنَا اللهْ
بالجواري الذارياتِ الحامِلاتْ
نُذُرَ التِّيهِ وإشعاعَ المَواتْ
يُنْسَفُون وَيَصيحُون رَبُّنَا اللهْ
إنّهم يَحْيَوْنَ في الموتِ الشهادهْ
لهُمُ الحُسْنى خلودًا وزيادهْ

• * * * * * *

أيُّها الفاتِحُ إنِّي طالعٌ مِن هؤلاءْ
إنَّهم مِن شجرِ النارِ يجيئُون ومِنْ شمسِ الهدى والكبرياءْ
إنَّهم ضوْءُ التجلِّي
... والخيولُ العادياتُ المُورياتْ ..
إنْ أتَى الطوفانُ واجتاحَ النهاراتِ وإيقاعَ البقاءْ
إنَّهم أحفادُكَ الغُّرُّ الميامينْ ...
يقودونَ سِباقَ الشهداءْ
أيُّهَا الفاتِحُ إنّي ... جَمْرةٌ مِن هؤلاء ..
ماتَ الشجرُ اليابِسُ
واستيقظَ فيَّ الفارسُ ... والواحدُ بالألْف ...
ألفيتُ ظِلالَ الوَحْي ..... والتوحيدِ تَمتدُّ وتُلْقي
شُهُبَ الحقِّ وأقمارَ الإباءْ

• * * * * * *

أيُّهَا الفاتحُ .. هلْ ضاعتْ مفاتيحُ المدائنْ ؟!
... المحاريبُ فراغاتٌ وأشلاءُ مآذنْ !!
والمصلُّونَ .. يُغَلُّون .. ويَصْلَوْن سعيرَا !!
أتُرَانا
نفتَحُ الآنَ كتابَ الماءِ .. نغتالُ الهَجِيرَا
أتُرَانَا
... نعلنُ الآنَ اكتشافاتِ الفتوحْ
نقبضُ الآنَ على الجَمْرِ ونغتالُ السَّفُوحْ
أمْ تُرانا ...
لمْ نزلْ نغدُو خِمَاصًا .. وكمَا كُّنا نروحْ !!
ومفاتيحُ المدائِنِ
لمْ نزلْ نبكِي عليها ونَنُوحْ
سورةُ الفتْحِ هجرْناهَا ..
ومزّقنْا صَدَاها ..
وتراءَتْ في مآقينا دماءٌ وقُروحْ
كلُّ أشجارِ الفتوحاتِ أراها
عارياتٍ مِن رُؤَاهَا
من ثمارِ الفتحِ ...
... في أوراقِهَا جَفّتْ دماءٌ
كنتَ تسقيها شَذاها
أيُّهَا الفاتحُ أقبلْ .. أنتَ ما زلتَ فَتَاهَا
انزعِ السيفَ مِن القَبْو الزجاجيّ
فقد تُهْنا وتَاها .....!!

___-------___________--------_______