المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة هاوسهوفر والمؤسسات البحثية Think Tank


Eng.Jordan
01-20-2012, 08:05 PM
أ . محمد نصر
هاوسهوفر هو من قام بتحديد الأهداف الاستراتيجية والتكتيكية للجيوسياسية الألمانية قبل الحرب العالمية الثانية. والمقصود هنا أنه قام بوضع فكرة التوسع النازي على أرض الواقع بتحديد الأهداف المرحلية وأي البلاد يقومون بغزوها أولا في سبيل تحقيق هدفهم النهائي من وضع ألمانيا فوق الجميع.

وكان هاوسهوفر قد أكد على ضرورة اعتماد ألمانيا لاستراتيجية ذات اتجاهين حيال بريطانيا، حيث يجب أولا احتواء الكتلة البرية المركزية، واحتلال الشرق الأوسط من أجل قطع الطريق البحري على بريطانيا.

وقد أخطأ هتلر خطأ جيوستراتيجيا عندما غير نتيجة الحرب من خلال توجهه إلى حرب برية مع روسيا قبل أن يجهز على بريطانيا، وتخلى عن استراتيجية هاوسهوفر التي تؤكد على ضرورة إحكام السيطرة على الطرق البحرية المحيطة بالكتلة البرية المركزية وبالشرق الأوسط، بالرغم من اعتراض القائدين العسكريين ريدر و روميل. ثم كانت النتيجة الخسارة في روسيا و في الشرق الأوسط ثم سقوط الكتلة البرية الأوروبية في يد الحلفاء بعد الاكتساح الألماني في السنوات الأولى للحرب.

بالتأكيد لست نازيا أدعو إلى أن تكون ألمانيا فوق الجميع، وأرى أن هذا الكلام محض هراء، ولكن لا مانع من دراسة التاريخ للتعلم والاعتبار.

فما الذي أريد أن أقوله؟

أريد أن أقول أن الأمة التي تبحث عن الازدهار يجب أن تأخذ في اعتبارها المنهج العلمي الواقعي في التعامل مع كل أهدافها المرحلية و النهائية.

فكيف يمكن تطوير ذلك في أمة ناشئة؟

لاشك أن كل دولة لديها مؤسساتها الرسمية المختلفة التي تقوم بالدراسات البحثية المتخصصة في مختلف الميادين، فمثلا في مجال العلاقات الخارجية توجد مؤسسات مثل وزارة الخارجية، ومجلس الأمن القومي، والمخابرات العامة، وقيادة الأركان، وغيرها.

ولكن هل مستوى الكفاءات الرسمية و طبيعة العمل الرسمي البيروقراطي تسمح بإيجاد دراسات متكاملة؟ من خبرتي في هذا المجال، لا أظن.

ثم، أليس من الأفضل توسيع نطاق الخيارات أمام متخذ القرار بإدخال مؤسسات بحثية مستقلة تثري العمل العام بأفكار جديدة وغير تقليدية؟

لقد مثلت الولايات المتحدة نموذجا يسمح بتعدد الروافد التي تصب فيه مما أدى إلى توسيع قاعدة الاختيار أمام متخذي القرار، في حين كان الاتحاد السوفيتي يمثل نموذج البيروقراطية التي أدت في النهاية إلى تقلص مساحة الحركة و ضيق الرؤية أمام متخذي القرار، وإن كان هذا لا يعد السبب الرئيسي للسقوط السوفيتي،ولكنه على الأقل يعد نقطة ضعف.

ثم إن من سابق ملاحظتي، تتحول أغلب الأجهزة الرسمية بفعل الإيقاع الروتيني اليومي إلى تقديم ردود أفعال بغير رؤية واضحة واستراتيجية متكاملة تتسم بالعمق والشمول، وإن ظهر بحث استراتيجي من هذه المؤسسات ففي غالب الأمر ستجده يتسم بالصفات الحكومية العتيقة.

لذلك أجد أنه لا مناص من إنشاء مراكز بحثية Think Tanks في مختلف التخصصات، فمثلا في الكيان الصهيوني ستجد العديد من المراكز البحثية المتخصصة في الشئون العريية، بل وتجد في الولايات المتحددة من يتخصص حتى في شيعة العراق مثلا ليكون مرجعا لهم في مثل هذه الأمور، في حين يوجد عدد محدود من المراكز في عالمنا العربي، بل وتكاد تكون معدومة. لا يفوتني هنا أن أحيي مركز الزيتونة على أبحاثهم الرائعة الخاصة بالقضية الفلسطينية، ونتمنى أن يكون لدينا مراكز عديدة تتناول قضايا الأمة المختلفة.

نحن نريد مراكز بحثية متخصصة في جميع الشئون مثل: الكيان الصهيوني وتركيبه العسكري و المجتمعي وغير ذلك، ومراكز بحثية متخصصة تتعلق بالدول العربية، و الدول الإفريقية، ودول البحر المتوسط، والمنظمات الدولية المختلفة وغيرها من الدول و المناطق، ووضع رؤى منهجية لكيفية التعامل معها في إطار استراتيجية متكاملة تتعلق ببناء أمتنا بخطة مرحلية تعرف جيدا حدود قدراتها وتعرف وجهتها النهائية، ثم تضع خططا مرحلية تخدم تلك الأهداف.

أما سيناريو العك السابق، فلا يمكن الاستمرار فيه بحال من الأحوال، وهذا دور المؤسسات الأهلية التي أرى أنه يجب تشجيعها لتثري العمل العام، وتقفز به إلى آفاق عالية.


حقوق النشر محفوظة لموقع "المركز العربي للدراسات والأبحاث"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر