المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محمد في الفكر الغربي الحديث


Eng.Jordan
12-11-2012, 07:49 PM
الكاتب : إدريس الكنبوري: المغرب


إن المتأمل لما كتب عبر محطات التاريخ الإنساني عن شخصية نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم يدرك أنه لم تحظَ شخصية في التاريخ البشري العريض بمثل ما حظيت به شخصية النبي الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام من الاهتمام والإشادة والتمجيد من كافة الأعراق والشعوب والطوائف والملل، وفي شتى اللغات. وبالرغم من وجود من حاولوا الطعن في نبوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, والتشكيك في رسالته بسبب الحقد على الإسلام وإطباق الجهل بالإسلام على أصحابها والبعد عن الموضوعية العلمية في البحث والتدقيق؛ فإن التيار العام ظل يسير في ناحية التقدير الحقيقي لشخصية محمد صلى الله عليه وسلم في تاريخ البشرية، وفضل رسالته على الإنسانية، بشكل يتوخى الإنصاف والموضوعية بعيداً عن أحقاد القرون الوسطى.
وباطلاعنا على ما قيل في النبي صلى الله عليه وسلم من طرف المفكرين والمستشرقين والفلاسفة الغربيين المنصفين نجد أن هؤلاء يمثلون كبار مفكري الغرب وأعمدة الفكر والفلسفة فيه، وقد حاولوا الوقوف على عظمة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، منبهرين بشخصيته العظيمة ونبل أخلاقه وطهارة حياته وخلوها من كل ما يثلم أخلاقه القرآنية، والبعض منهم اكتفى بوضع شخصية نبي الإسلام في إطارها الحقيقي الذي يعرفه المسلمون أجمع، دون أن يلمس الإسلام ودعوته شغاف قلوبهم، والبعض الآخر ممن ظلوا بعيدين عن الإسلام تعرضوا للشخصية العامة للنبي كواحد من الأبطال والعباقرة الذين أثروا في مسيرة التاريخ، لكن فئة من هؤلاء كان اطلاعهم على خصائص شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وفضائلها مدخلاً إلى البحث في الإسلام، ومن ثم إلى إعلان إسلامهم علناً على الملأ.
عظمة النبي في عيون الغربيين
فهذا المؤرخ الأوروبي (جيمس ميتشنر) يقول في مقال تحت عنوان (الشخصية الخارقة) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «... وقد أحدث محمد عليه السلام بشخصيته الخارقة للعادة ثورة في الجزيرة العربية، وفي الشرق كله، فقد حطم الأصنام بيده، وأقام ديناً خالداً يدعو إلى الإيمان بالله وحده».
ويقول الفيلسوف الفرنسي (كارديفو): «إن محمداً كان هو النبي الملهم والمؤمن، ولم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العالية التي كان عليها، إن شعور المساواة والإخاء الذي أسسه محمد بين أعضاء الكتلة الإسلامية كان يطبق عملياً حتى على النبي نفسه».
أما الروائي الروسي والفيلسوف الكبير تولستوي الذي أعجب بالإسلام وتعاليمه في الزهد والأخلاق والتصوف، فقد انبهر بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم, وظهر ذلك واضحاً على أعماله، فيقول في مقالة له بعنوان (من هو محمد؟): «إن محمداً هو مؤسس ورسول، كان من عظماء الرجال الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد, ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية. وهو عمل عظيم لا يقدم عليه إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثله جدير بالاحترام والإجلال».
كارلايل يرد على النصارى والملحدين
ومن هؤلاء الفيلسوف الإنجليزي الشهير توماس كارلايل (1795-1881م)، فقد خصص في كتابه (الأبطال وعبادة البطولة) فصلاً لنبي الإسلام بعنوان (البطل في صورة رسول: محمد-الإسلام)، عد فيه النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من العظماء السبعة الذين أنجبهم التاريخ. وقد رد كارلايل مزاعم المتعصبين حول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يزعم المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمداً لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية ومفاخر الجاه والسلطان.. كلا وايم الله!، لقد كانت في فؤاد ذلك الرجل الكبير, ابن القفار والفلوات، المتورد المقلتين، العظيم النفس, المملوء رحمة وخيراً وحناناً وبراً وحكمة وحِجى وإربة ونُهى؛ أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. كيف لا وتلك نفس صامتة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين». وبعد أن يتعرض بالتحليل والتفسير لعظمة نبي الإسلام ونبوته وتعاليمه السامية، يقول: «وإني لأحب محمداً لبراءة طبعه من الرياء والتصنع».
النبي المحرر
ولقد وقف الكثير من المفكرين والمستشرقين والفلاسفة الغربيين عند جوهر رسالة الإسلام الخالدة التي جاءت لتحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وتحرير البشرية جمعاء من الشرك والفوضى والعنف والتوحش الذي كان سائداً قبل مجيء الإسلام، ومن ثم نظروا إلى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كرسالة للبشرية بأسرها، لأنها رسالة للتحرر والانعتاق وتكسير قيود الظلم والهوان. من هؤلاء المستشرق الأمريكي إدوارد رمسي الذي قال: «جاء محمد للعالم برسالة الواحد القهار، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فبزغ فجر جديد كان يرى في الأفق، وفي اليوم الذي أعادت فيه يد المصلح العظيم محمد ما فقد من العدل والحرية أتى الوحي من عند الله إلى رسول كريم، ففتحت حججه العقلية السديدة أعين أمة جاهلة، فانتبه العرب، وتحققوا أنهم كانوا نائمين في أحضان العبودية».
ويقول الفيلسوف والشاعر الفرنسي لامارتين: «إن ثبات محمد وبقاءه ثلاثة عشر عاماً يدعو دعوته في وسط أعدائه في قلب مكة ونواحيها، ومجامع أهلها، وإن شهامته وجرأته وصبره فيما لقيه من عبدة الأوثان، وإن حميته في نشر رسالته، وإن حروبه التي كان جيشه فيها أقل من جيش عدوه، وإن تطلعه في إعلاء الكلمة، وتأسيس العقيدة الصحيحة لا إلى فتح الدول وإنشاء الإمبراطورية؛ كل ذلك أدلة على أن محمداً كان وراءه يقين في قلبه وعقيدة صادقة تحرر الإنسانية من الظلم والهوان، وإن هذا اليقين الذي ملأ روحه هو الذي وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة وحجة قائمة حطمت آلهة كاذبة، ونكست معبودات باطلة، وفتحت طريقاً جديداً للفكر في أحوال الناس، ومهدت سبيلاً للنظر في شؤونهم. فهو فاتح أقطار الفكر، ورائد الإنسان إلى العقل، وناشر العقائد المحررة للإنسان ومؤسس دين لا وثنية فيه».
وقضية الفتوحات
لقد شاع في الفكر الغربي ولدى المتأثرين بتعاليم الكنيسة النصرانية ورواسب الأفكار الشعبية المنحرفة التي روجتها أوروبا عن الإسلام ونبيه وعن المسلمين إبان وبعد الحروب الصليبية؛ أن الفتوحات الإسلامية قامت على السيف والقهر والتسلط والقسر، ولم تقم على الكلمة الطيبة والدعوة الرفيقة والعقيدة الواضحة، لكن فئة عادلة من مفكري الغرب لم يقتنعوا بهذه الشائعات ورحلوا يتأملون في تلك القدرة العجيبة للمسلمين على نشر دينهم بتلك السرعة المدهشة، وذلك الزحف للدخول الكبير للناس أفواجاً في دين الله، فعادوا إلى رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ليجدوا أنها تقوم على الدعوة اللينة لا على القسر الخشن.
فالمفكر (لورد هدلي) يقف مندهشاً عند معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى من المشركين في معركة بدر الكبرى، ملاحظاً فيها ذروة الأخلاق السمحة والمعاملة الطيبة الكريمة، ثم يتساءل: «أفلا يدل هذا على أن محمداً لم يكن متصفاً بالقسوة ولا متعطشاً للدماء؟ كما يقول خصومه، بل كان دائماً يعمل على حقن الدماء جهد المستطاع، وقد خضعت له جزيرة العرب من أقصاها، وجاءه وفد نجران اليمنيون بقيادة البطريق، ولم يحاول قط أن يكرههم على اعتناق الإسلام، فلا إكراه في الدين، بل أمنهم على أموالهم وأرواحهم، وأمر بألا يتعرض لهم أحد في معتقداتهم وطقوسهم الدينية».
ويقول الفيلسوف الفرنسي (وولتر): «إن السنن التي أتى بها النبي محمد كانت كلها قاهرة للنفس ومهذبة لها، وجمالها *** للدين المحمدي غاية الإعجاب ومنتهى الإجلال، ولهذا أسلمت شعوب عديدة من أمم الأرض، حتى زنوج أواسط إفريقيا، وسكان جزر المحيط الهندي».
أما العالم الأمريكي مايكل هارت فهو يردّ نجاح النبي صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته، وسرعة انتشار الإسلام في الأرض؛ إلى سماحة هذا الدين وعظمة أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام. وقد اختاره هارت على رأس مئة شخصية من الشخصيات التي تركت بصماتها بارزة في تاريخ البشرية. ويقول: «إن محمداً هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح مطلقاً في المجالين الديني والدنيوي، وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً».
الفضل على الإنسانية والعالم
من الحقائق المسلم بها أن الإسلام جاء ديناً للعالمين، لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور ومن الباطل إلى الحق ومن الجور إلى العدل ومن الفجور إلى التقوى، وكان له الفضل الكبير على الفلسفات والأفكار والقوانين والشرائع الأرضية التي استمدت منه روح العدل والمساواة والتسامح والاعتدال والحرية والأخوة الإنسانية.
وقد أقر العديد من فلاسفة الغرب بهذه الحقيقة في وقت مارى فيها آخرون وأشاعوا ترهات غير منطقية وغير موضوعية عن الإسلام، ونسبوا ما جاء به من تعاليم وتشريعات إلى نواميس سابقة عليه، وإلى القانون الوضعي الروماني، وهي ترهات كفى الغربيون المنصفون المسلمين مهمة الرد عليها بأسس علمية. كما أثبت الباحثون المسلمون عوارها وتساقطها وإغراضها. يقول الفيلسوف والكاتب الإنجليزي المعروف برناند شو: «إن أوروبا الآن ابتدأت تحس بحكمة محمد، وبدأت تعيش دينه، كما أنها ستبرئ العقيدة الإسلامية مما اتهمها بها من أراجيف رجال أوروبا في العصور الوسطى»، ويضيف قائلاً: «ولذلك يمكنني أن أؤكد نبوءتي فأقول: إن بوادر العصر الإسلامي الأوروبي قريبة لا محالة، وإني أعتقد أن رجلاً كمحمد لو تسلم زمام الحكم المطلق في العالم بأجمعه اليوم، لتم له النجاح في حكمه، ولقاد العالم إلى الخير، وحل مشاكله على وجه يحقق للعالم كله السلام والسعادة المنشودة».
ويفند المؤرخ الأوروبي روبرت بريغال مزاعم الغربيين عن تأثر الإسلام بالتشريعات اليونانية الرومانية، فيقول: «إن النور الذي أشعلت منه الحضارة في عالمنا الغربي لم تشرق جذوته من الثقافة اليونانية الرومانية التي استخفت بين خرائب أوروبا، ولا من البحر الميت على البوسفور (يعني بيزنطة)، وإنما بزغ من المسلمين، ولم تكن إيطاليا مهد الحياة في أوروبا الجديدة، بل الأندلس الإسلامية»، إلى أن يقول: «إن هذه الحقيقة التاريخية لا يمكن للغرب إنكارها مهما أوغل في التعصب، واستخف به العناد. إن دَين أوروبا لمحمد رسول الإسلام غريب ألا يجد محل الصدارة في نسق التاريخ المسيحي».
أما وليام موير المؤرخ الإنجليزي فيقول في كتابه (حياة محمد): «لقد امتاز محمد عليه السلام بوضوح كلامه، ويسر دينه، وقد أتم من الأعمال ما يدهش العقول، ولم يعهد التاريخ مصلحاً أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل نبي الإسلام محمد».
هذه مقتطفات من مواقف فلاسفة ومستشرقين أوروبيين وغربيين في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم، أردنا منها إثبات أن أبناء الحضارة الغربية يقرون بدور الإسلام في بنائها وتشييد صروحها، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته الحميدة وفضله المتصل إلى يوم القيامة على البشرية في جميع أقطار المعمور، ذلك أن التعصب الأوروبي المسيحي لم يكن خطاً صاعداً باستمرار، وإنما وجد هناك منصفون أكدوا الحقيقة بلا لف أو دوران. ولكن الثقافة الغربية السائدة والمتشبعة بقيم التعصب والعناد والتمركز الحضاري حول الذات سعت إلى حجب هذه الحقائق وإخفاء هذه الأصوات حتى لا يتمكن الشخص الأوروبي العادي من الاطلاع على ما أثبته أبناء جلده من الكبار في حق الإسلام ونبيه ورسالته العالمية الخالدة، وذلك كله بهدف تحقيق غرضين، الأول إبعاد الأوروبيين المسيحيين عن الإسلام الذي دلل على قدرته على التغلغل في النفوس وملامسة صوت الفطرة في الإنسان، فهو يخيف الغرب المتوجس من تراجع عدد معتنقي المسيحية في العالم، رغم ما ينفقه من الأموال والوقت لتنصير الشعوب، والغرض الثاني ضمان استمرار الصراع بين الغرب والإسلام والقطيعة بينهما لمصلحة الصهيونية والماسونية التي تعتبر نفسها المتضرر الأول والرئيس من أي تقارب أو حوار بين الإسلام والغرب. وصدق الله العظيم إذ يقول: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد. ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم، ألا إنه بكل شيء محيط). (فصلت:52-53).