المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثورات العربية وأزمة الطبقة المثقفة


Eng.Jordan
12-11-2012, 08:10 PM
الكاتب : د. علي الخشيبان: الرياض

الطبقة المثقفة في عالمنا العربي كما يبدو لم تكن على علم بالتحولات التي يمكن أن تصيب مجتمعاتها، بل لم تكن تتوقع أن يحدث هذا التحول في الشخصية العربية. والأسباب متعددة وكبيرة، ولكنها تكشف أن التخلف الذي يعيشه العالم العربي شامل فهو ليس اقتصادياً أو سياسياً، بل ثقافي فكري، وهذا يقودنا إلى تساؤل مهم يقول: هل الربيع العربي قد شكل أزمة للطبقة المثقفة وكشف بعضاً من شخصيتها في هذا العالم العربي الغارق بالتخلف والمقدم على ثورات لم يتحدد بعد طعمها ولونها الحقيقيان؟.

الصورة الكبرى التي نراها اليوم في عالمنا العربي عقب الثورات العربية هي محاولات كبرى لتحسين شجرة التخلف ووضع بعض المحسنات والمقويات السياسية والثقافية والاجتماعية في حوض هذه الشجرة لعلها تنمو وتتحول إلى شجرة تطور بشكل طبيعي وهذا مستحيل في الطبيعة المجتمعية ومستحيل في الطبيعة الفيزيائية، كما أن القاعدة المجتمعية تؤكد أن التطور والتغيير لا يقوم إلا على أنقاض التخلف وليس في وسط أروقته.
نحن اليوم نمر بالقرب من نهاية العام الثاني من انطلاق الثورات العربية والصورة المناسبة لوصف حالة الثورات العربية يمكن رؤيتها عبر ما قامت به الثورات العربية من هجوم مباشر على فروع وأغصان شجرة التخلف بالتركيز على النظم السياسية فقط وإهمال الأنساق الاجتماعية الأخرى، فالثوار في العالم العربي اليوم جميعهم تسلقوا الفروع والأغصان السياسية في شجرة المجتمع التي هجموا عليها.
في مصر وتونس وليبيا أسقط الفرع السياسي بغصونه وأوراقه من شجرة التخلف وذهب الرؤساء، ولكن بقيت الشجرة قائمة بفروعها الأخرى.. تخلف اجتماعي واقتصادي وثقافي لم يكن جزءاً من الثورة، حيث لا يزال هناك جزء كبير من شجرة التخلف لم يسقط بعد، بل لم يقدم أحد على محاولة إسقاطه، فهل الثائر العربي يريد تغييراً سياسياً ولا يريد تغييراً ثقافياً في مجتمعه؟.
هذه المعادلة صعبة ولكن أيضاً لا بد أن نتساءل: هل الثائر العربي مؤمن بكل عناصر الثورة التي قام بها (يؤمن ببعض ويترك بعضاً)، أم اكتفى بقطع الأغصان السياسية وإسقاط الأوراق الحزبية من شجرة مجتمعه تحت شعار (إسقاط النظام)؟. وهل الإسلام السياسي بديل سياسي ناجح؟ ولماذا اختاره الشارع العربي الثائر بكل هذه البساطة؟.
كل هذه الأسئلة ستجعل الطبقة المثقفة في المجتمع أمام أزمة التفسيرات الصحيحة لنموذج الثورة العربية وبعدها الثقافي والنفسي، فالثائر العربي أثبت أنه حصان لا يمكن أن يركض سوى في ميادين المسافات القصيرة، وهذا ما سهل من عملية اختطاف ثورته فكرياً وثقافياً بل وتغيير مسارها.
عندما تقدم الإسلام السياسي في العالم العربي الصفوف كان الاعتقاد جازماً بأن الشارع العربي يرغب في هذا النموذج الديني، ولكن يجب أن نعيد الرؤية من زاوية مختلفة لمعرفة العربة التي أتت بالإسلام السياسي إلى الساحة السياسية.
الثورات العربية وثوراها تختلف كثيراً عن مثيلاتها في العالم من الناحية الثقافية، ولم يطرح المثقف العربي نموذجاً فكرياً أو استقرائياً في أطروحاته عن آليات الثورة والتكوين النفسي للثائر العربي.
سبب الاختلاف في الشخصية العربية الثائرة يكمن في برنامج الثورة الذي قدمه الثوار العرب، فقد كان الشعار الرائج في الثورات العربية يقوم على فكرة (إسقاط النظام) وليس تغيير النظام، لأن في إسقاط النظام مهمة قصيرة المدى تنتهي بزوال الرئيس؛ أما تغيير النظام فيتطلب برنامجاً سياسياً يغير الخريطة المجتمعية بكاملها للدولة.
الطبقة المثقفة تحولت في مرحلة الثورات العربية إلى مروج لفكرة (سقوط الأنظمة) كما الثوار، وتحولت من طبقة مثقفة إلى طبقة ثائرة، لذلك أصبح النسق الثقافي في دول الثورات العربية بلا قائد يوجهه، وثبت فعلياً أن الثائر العربي بكل طبقاته السياسية والاجتماعية والثقافية هو نوع من الأحصنة التي لا تجري لأكثر من ميل في سباقات السياسة.
عندما سقطت الأنظمة السياسية في دول الثورات العربية لم تسقط على برامج سياسية وثقافية وفكرية وحزبية جاهزة وقادرة على تقديم برامجها، بل سقطت على أرضية المجتمع حيث لم يكن هناك سوى الجماعات الإسلامية والتيارات الفكرية الإسلامية التي اعتادت خلال العقود الماضية أن تعمل وبشكل مستمر مع القاع الاجتماعي حيث شكلت ثقافة مختلطة بين البعد العقدي العاطفي القائم على المساعدة والعون الاجتماعي، والرغبة في إدارة المجتمع من قمته إلى قاعه بذات المنهجية، والمتابع للمشروعات الانتخابية في دول الثورات العربية وبرامجها وشعاراتها يدرك الضعف الكبير في الثقافة السياسية فيما بعد الثورة.
لم يكن مفاجئاً أن يلجأ الناس في دول الثورات العربية إلى انتخاب الإسلام السياسي، بل يجب القول إنه لم يكن أمام المجتمع سوى هذا الطريق.
الإسلام السياسي لم يكن هو الحل فقط أمام المجتمعات بل هو الخيار الوحيد والموثوق عاطفياً وغير الملطخ بتعاون جهري مع الأنظمة، لذلك وبصورة محسنة في الواقع الاجتماعي تقدم الإسلام السياسي دون اعتراض أو مرور على أجهزة التحليل الثقافي.
بمعنى دقيق تقدم الإسلام السياسي بشكل محصن اجتماعياً فهو يحمل العصا العقائدي بيد حيث لا أحد يستطيع أن يعترض على منهج ديني مهما كانت درجته الاجتماعية، بينما في اليد الأخرى جزرة اجتماعية تقوم على المساعدات المباشرة، هذا التقدم جعل الطبقة المثقفة أمام خيار صعب في معرفة المستقبل وتوقع مساراته للشعوب العربية الثائرة على رؤسائها.
الطبقة المثقفة ليس أمامها سوى خيارات صعبة لأنها اكتشفت أنها لم تكن قادرة على التأسيس لتلك الثورات فكرياً، ولم تكن قادرة على مساعدة المجتمعات العربية على تبني نموذج سياسي بديل، لأن الفكرة الثقافية التي بنيت في مجتمعات الثورة العربية قامت على أن سقوط تلك الأنظمة مهمة مستحيلة، فلذلك تراجع الجميع عن منهج التوقعات المستقبلية للحالة السياسية مما جعل المثقف العربي وطبقة في أقل درجات الأهمية المجتمعية وبخاصة فيما بعد الثورات العربية.