المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وحدة الثقافات


Eng.Jordan
12-11-2012, 08:12 PM
الكاتب : د. عادل نجيم: تونس

البشرية بصدد البحث حالياً، وأكثر من أي وقت مضى، عما يمكن أن يجمعها أو يميز بعضها عن الآخر، وذلك بسبب التقارب اللامسبوق التي تمثل عبارة العولمة ترجمة له. مع العلم أن مسألة اكتساب أسباب التميز أو التفوق رهان حضاري مهم وشرعي، وهو ذو تبعات عملية مهمة، فمن يمتلك التفوق يكون مؤهلاً أكثر من غيره ليلعب دوراً ريادياً ومهيمناً وبالتالي يتحول إلى مرجع يحتكم له الجميع.
معضلة الأسبقية الحضارية هذه لازمت البشرية، وكان للعلوم المختلفة فيها رأي، لكن التأمل لمجمل ثقافات ولغات العالم القديم والحالي يكتشف أن هذه التعددية ليست إلا ظاهرية وسطحية وأن أسبقية ثقافة عن أخرى أو لغة قوم عن غيرها مسألة كفيلة بالتمحيص وربما حتى المراجعة العميقة.
هذه الرؤية الأصيلة والمبتكرة هي الآن في شكل مسودة تدعو المتحمسين للمعرفة للتبني المادي والأدبي لتتحول إلى مشروع نشر أو شكل آخر من أشكال التوظيف. هذه المقاربة ترى أن تاريخ البشرية وحضارتها يكشف وحدة كل التعبيرات الثقافية سواء منها الحضارات الغابرة أو الحالية وكذلك كل اللغات سواء تعلق الأمر باللغات القديمة أو اللغات الحديثة. الملاحظ أن ما هو حالي من ثقافة ولغة هو نتاج لما هو قديم وتواصل طريف له وهو إما مغلف أو مهذب بشكل كبير مما يجعل التفطن لدلالته أمراً ليس بالهين.
بالطبع هذه الملاحظات الأولية تتطلب عدداً كبيراً من الشواهد والتعليلات يتجاوز بكثير مساحة هذه الورقة. لذلك ستكون الغاية هنا القيام بإثارة بعض الشواهد الأكثر دلالة حول هذه المسألة الطريفة من البحث المعرفي.
في البداية أشير إلى أن هذا الموضوع تناوله بعض الباحثين من جوانب متعددة منها الجانب اللغوي أو الديني أو البيولوجي أو التكنولوجي إلى غير ذلك. لعل أهم باحث تطرق للمسألة من جانب لغوي هو السيد علي فهمي خشيم وهو مؤرخ ليبي.
وبالنسبة لموضوع التعبيرات الثقافية نذكر رسماً داخل قبر وجدناه في منطقة عين دراهم بالبلاد التونسية، وهو يرجع للقرن الرابع قبل الميلاد. هذا الرسم يبين سفينة النبي نوح مع من ركب فيها وحملته زمن الطوفان، وهذا دليل جلي على وعي سكان شمال أفريقيا الأوائل بأصلهم المشرقي.
في عدة بلدان من قارة آسيا وفي منغوليا مثلاً هناك حفل سنوي بذكرى نجاة النبي نوح ومن معه من الطوفان يحمل اسم (نزام). وأعتقد جازماً أن تفسير هذه الكلمة
هو (نو) وتعني الماء و(زم) وتعني توقف الماء عن السيلان، وبذلك يكون معنى العبارة واضحاً وهي تخليد لهذه الذكرى المهمة من تاريخ البشرية واحتفال المنغوليين حتى اليوم بهذه الذكرى ليس إلا دليلاً على أصولهم المشرقية.
كمثال أخير نذكر المسرح المزدوج بروما والذي يسمى مسرح (الكوليزي) لذكرى تمثال ضخم كان بجانب المبنى. هذه التسمية ليست غير عبارة (الغليظ) محرفة، وهي تدل على ضخامة الجثة. هذا التمثال ليس إلا تمثال البشر الأول وهو آدم، وتذكر السير أنه ضخم الجثة مقارنة بحجم البشر حالياً، وقد توارثت عدة حضارات مسألة صنع تماثيل للأجداد الأوائل مثلاً تماثيل جزيرة تسمى (باك). كذلك تبنى عدة ملوك وحكام هذه العادة لدرجة صار من الصعب فهم منشئها وأصولها. وجود هذا الصنف من التماثيل في روما وأهميته في حضارة أهلها دليل على طبيعة وعيهم بأصلهم الذي يتدرج حتى آدم جد البشرية الأول. دليل أخير على أهمية وحدة الثقافة يتجلى من خلال الأهمية الكبرى التي يوليها اليابانيون للشجرة ويسمونها (بونزاي) وهو ليس إلا تعظيماً وتخليداً لشجرة الجنة. مع الملاحظ أنه يمكن أن ننطق هذه العبارة بشكل مغاير قليلاً ليتجلى لنا أصلها فنقول (من زاي) وهي تفيد معنى (من الجنة) لكن طول الزمن بدل نطقها وبالطبع طمس مدلولها بشكل صار يصعب التفطن له وكشفه. هذا دليل من اليابان على وحدة الأصل.
رغم كثرة تفرعات هذا الملف العلمي لنتوقف عند بعض الأمثلة ذات الدلالة. لنأخذ أمثلة عن وحدة اللغات قديمها ثم حديثها ثم عن وحدة التعبيرات الثقافية وبالتالي الحضارات التي أنتجتها.
لنتوقف عند اللغة اليونانية ولنأخذ كلمة (ديموس) التي توجد في الجزء الأول من كلمة (ديمقراطية)، هذه العبارة ليست إلا كلمة (دهماء) وهي عبارة عربية قديمة وهي نفسها تحريف لكلمة (عامة) والمقصود بها غالبية الناس. هذا بخصوص الملاحظة والتفسير أما فيما يتعلق بتقديم المبررات لهذه الظاهرة فالأمر معقد وطويل. الملاحظ كذلك أن هذه الكلمة ليست الوحيدة ذات الأصل المشرقي والعربي. لنذهب إلى اللغة اللاتينية الآن ولنذكر المثل التالي. يتكون المجتمع اللاتيني من عدة فئات منها فئة (السناتوريس) وهم كبار المجتمع سناً وقدراً وسلطة وهذه العبارة ليست غير ترجمة للكلمة العربية (المسنون) أو على الأرجح (المسنون الشيوخ)، لكن تحريف نطقها يجعل التفطن لأصلها العربي ليس هيناً. لكن هذا التفسير ليس ممكناً بالنسبة للإنجليزية التي هي ذات أصل بروتوني غالباً مع ذلك فهي تحتوي على عدة كلمات مشرقية الأصل. لنأخذ مثلاً فعل نام وهو بالإنجليزية (سليب) وهو يترجم فكرة سلب روح الفرد أثناء النوم وهي فكرة جددها الإسلام. هذه الشواهد ليست إلا بعض الأدلة القليلة على الصلة الوثيقة بين اللغة الإنجليزية والعربية. أي تفسير نقدم لهذه الظواهر اللغوية غير ارتباط الأصول القبلية البريطانية مع الأصول القبلية المشرقية منذ عهود قديمة.
بالطبع من المجدي جداً إنجاز منتجات علمية وثقافية مختلفة مثل البرامج والأفلام وغيرها للتعريف بهذا الحقل المعرفي وتثمين سبل استغلاله بغاية إعطاء مغزى إيجابي للعولمة ووحدة الأصل ودون شك وحدة المصير.