المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وهم الكتابة


Eng.Jordan
12-11-2012, 08:15 PM
الكاتب : حسين يونس عبدو: سوريا

يشوب تعريف الكتابة الكثير من اللغط والجدل والتفكك, فتستمد روح الكتابة سيرورتها من ثنايا التفجر المعرفي, من ينابيع الغامض, فتكشف لنا عن سره الذهبي الباعث على الدهشة وتفك طلسمه المتعالي على المعرفة.
كما يمكنني توضيح الكتابة كلغة للفكر, لغة الشعور واللاشعور, لغة الحواس التي من بينها من دون أدنى شك حاسة النقص, هي لغة رهافة الإنسان, ومن ثم لغة الفعل ورد الفعل.
الكتابة لغة نصوع اللغة، متغلغلة في معارجها أنين الحروف، وتسيل في مفارقها دموع الأفعال الناقصة, تتراقص على جداولها غانيات التشكيل, وتغرد على أغصانها بلابل التنوين.
ثمة بالقرب من شاطئ الغربة شجرة حكمة الريبة, شجرة عارية تجذبني إلى أحضان أدواتها الاستفهامية فتعلمني ما لم أعلم وتؤوّل لي ما لم يؤوَّل.
سُئِل نيتشه ذات مرة: لماذا تريد التعبير عن مشاعرك؟
فأجاب: وهل أستطيع؟!
وكان الفارابي ينشد:
بزجاجتين أمضيت عمري
وعليهما عولت أمري
فزجاجة مُلئت بحبر
وزجاجة ملئت بخمر
فبذي أدون حكمتي
وبذي أزيل هم صدري
والأعمق ما صرح به هنري ميشو حين قال: «أكتب لكي أجوب مجاهل قارات نفسي، ولذلك أرسم، وأؤلف وأكتب. أتجول داخل نفسي. المغامرة هي أن تكون على قيد الحياة» .
مدونات الكتابة
عرفت كتابتنا المعاصرة أوهاج المدونات وعُرف كاتب المدونة بالمدوّن. والتدوين شكل جديد من أشكال الكتابة للتواصل مع العالم عبر مواقع التواصل الاجتماعي, لكن ما يؤخذ أحياناً على المدون ادعاؤه بامتلاك كلية الحقيقة، وما يزيد الأمر إرباكاً منحه المصداقية من قِبل بعض متواضعي الثقافة.
ثقافة التدوين
إن أكثر ما يقلقني هو أن تسود ثقافة التدوين في مجتمعاتنا وتأخذ الحالة الثقافية في بلادنا مسار التدوين. إن الاضطهاد السياسي والديني والجنسي والأيديولوجي الذي تدور أقدار مجتمعاتنا الشرق أوسطية في تيهه يضفي على المدون هالة من القداسة، فهو الفدائي الذي يعّبر عن لسان حال الجماعة المضطهدة.
علينا أن نميز -بكثير من الجدية- بين مساحة الحرية وادعاء امتلاك الحقيقة جلها دون الانتباه إلى عظمة (التكهّن) الذي يقف دعامة أساسية لانطلاقة أي عملية كتابية, فأيُّ تغيير مرجو لمدونات كتاب كثر يجدون فنون التعامل مع الوقائع بتكتيك الحرف إذ لا طائل من أي فعل تواطأ مع فاعله في احتكار الحقيقة، الحقيقة المجزأة أزلياً وادعاء الكل بامتلاك أجزائها (الجماعة وكلية الفرد حتى)، وإذا سلمنا بصحة ادعاء ما، رغم
الزخم في الجهات المدعية، فما هو الشكل المتشكل من تركيب أجزاء الحقيقة المملوكة والمفترضة أصلاً في عافيتها؟ وهل يمكن حل الإشكاليات التي سيثيرها الشك في غايات من تبنوا تلك الأجزاء؟
تأويل الكتابة.. تأويل القراءة
الكتابة في الشأن السياسي من غير المختصين في السياسية نتيجة اعتقاد غير ممتهن بإمكانية إحضار الحل الغائب قصداً وقسراً بفعل السياسة نفسها.. السياسيون الحقيقيون لا يدونون إلا مذكراتهم.
القراءة لعلوم شتى وللتاريخ ومعايشته من خلال أيام كفيلة لتخيل ما ستكون عليها الصور في سيرورتها بعد رحيل وشيك ,هي صور أكثر فداحة من على حالها الآن.
الكتابة تفرض على النص عجز الكاتب في إدراك هدفه واقعياً، وأحياناً يستعين بقناع الاسم الحركي لتحقيق الغاية ولو في سطور مدفوعاً بقوة المكبوت لاشعورياً.
القراءة تتطلب الكثير من الشعور بالنقص.
الكتابة عملية إخراج ما يخرج منها ليس سوى ما يدخل فيها معدلاً.
القراءة أن تشعر
الكتابة أن تترجم الشعور كلمات.
الألفاظ تدل على أفعالها ليصور المشهد بإخراج لانهائي ممهداً لآخر في استمرارية التوافق والتغاير بحنكة المصادفات.
وأنا أقرأ الرواية, لا أعرف كيف جرجرتني الشخصية إلى فراشها, لا أدري
كم من الوقت مضى حتى تناهت إلى مسامعي طرقات الباب الذي دُفع بقوة ليدخل إلى غرفتي كل مَن كان في البيت باحثين عني دون جدوى, كنت مستلقياً في حضن معشوقتي أعيش معها لحظات الحياة الحقيقية.
أمام تلك اللذة, اللذة التي من شأنها أن تنقلب إلى رعشات روحية عميقة, تحركت الرواية كحمامة أمام أعينهم فهرع الجميع بذعر, عند ذاك أذنت لي الحبيبة بالانصراف، فخرجت إلى الغرفة أنادي كل من يقف في الخارج, لم يجسر أحد على الدخول.
مع تداخل الأصوات المرتبكة نهضتُ من مجلسي ثانية, أغلقت باب الرواية التي غفت في جوفها معشوقتي بعد أن غطيتها بلمسات إنّ وأخواتها وواضعاً تحت شعرها الذهبي وسادتين لأخرج وسط ذهول الجميع بيد أني استأنفت طريقي منشرح الصدر كأني خرجت للتو من رحم أمي.