المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المنظور الحضاري وإستراتيجيات الترجمة


Eng.Jordan
12-11-2012, 08:28 PM
الكاتب : شوقي جلال -مصر
الحضارة فكرة أو مفهوم أو طريقة لتنظيم صورة الواقع، كيف أرى الواقع ذاتياً؟ وكيف يكون مفهومي مبرِّراً نظرياً لسلوكي إزاء الآخر؟
زعم المفكرون الغربيون على اختلاف أساليب المعالجة أن الحضارة نظرية عن التاريخ، تصف التغير ابتداء من ظرف حدوده بالبدائي وصولاً إلى التقدم الفكري والاجتماعي والعلمي والتكنولوجي الذي يجسده الغرب. وتمثل فكرة الحضارة مكوناً رئيساً لأيديولوجية دولة الحداثة الغربية. وهي فكرة نخبوية، إذ يلزم لتحديد معناها اختلاق تراتبات هرمية للمجتمعات وللطبقات الاجتماعية أو للثقافات أو السلالات. وهي الغاية والمنتهى وعندها نهاية حركة التاريخ.
وفي هذا المعنى يرى لويس هنري مورجان أن التعاقب التطوري للمجتمعات سارٍ من الحالة الهمجية وعبر البربرية وصولاً إلى حضارة معرَّفة وهي الغرب. ويمثل هذا في نظره قانوناً عاماً لتاريخ البشرية.
والحضارة حسب هذا التصور فكرة مختلقة راج تداولها، واستمدّت عامل التمكين والهيمنة والشيوع من قوة وهيمنة أصحابها المحدثين بحكم سلطانهم الموضوعي. وهي شأن كلمات كثيرة متخمة بالمحتوى الأيديولوجي راجت على الألسن وكأن لها مصداقيتها الموضوعية على الرغم من تباين وجهات النظر وأساليب التناول وتعدد المفاهيم، مثل كلمات التراث/السامية/الحداثة/التقدم/الثقافة/الذكاء.. إلخ.
بيد أن اختلاق فكرة الحضارة أو ما شاكلها يمثل موضوعياً نهجاً إنسانياً متنوع المحتوى عند النظر إلى الذات والآخر. وهو نهج مشترك تاريخياً بين المجتمعات، نجده عند الغرب على اختلاف عناصره في العصر الحديث، ونجده عند المجتمعات الأخرى في التاريخ السابق، وسوف يشهده التاريخ اللاحق. إذ لم يحدث أن اعترف غازٍ صراحة أنه جاء غازياً طامعاً؛ وإنما ادعى أنه صاحب رسالة أو مبشراً يحمل الخير ويكفل الحماية وأنه الأصدق والأكثر تقدماً.
إن ثنائية الأنا/الآخر المختلف والمغاير هدفها تأكيد الذات موضوعياً، عن طريق الحط من الآخر واستضعافه معنوياً ومادياً، أو لنقل نفيه جدلياً. ثمة من تذهب ثقافته إلى أنه شعب الله المختار أو خير الأمم أو أن الآخر شيطان أو أعجمي لا يفصح.. إلخ، وتنطوي هذه الثنائية ضمنياً على الخوف من الآخر، بأنه خطر قائم على نحو ما عبر هتنتجتون، لذا يجب إضعافه والسيطرة عليه أو إقصاؤه وتهميشه في السياسة والممارسات الثقافية.
وهنا يكون مفهوم الحضارة أو ما شاكله في تاريخ البشرية أحد الآليات الثقافية في الصراع لتأكيد التفوق والتميز والتمايز مثلما هو آلية سيكولوجية للوعي بالوجود الذاتي والدور المنوط بالذات في التاريخ خلال التفاعل بين المجتمعات.
ولفهم فكرة الحضارة كآلية ثقافية في الصراع، وقناع ثقافي؛ يلزم النظر إلى الإنسان في ضوء مسار التكوين التاريخي الاجتماعي التطوري، على نحو ما نجد عند علماء البيولوجيا والوراثة والبيولوجيا التطورية والاجتماعية وتطور اللغة وتطور الجهاز العصبي.. إلخ؛ ذلك لأن الامتداد الاجتماعي العلمي التقاني هو امتداد للطبيعة عبر الثقافة، امتداد تطوري جيني/ثقافي مشترك في محيط اجتماعي يؤكد أنانية الجينة ومن ثم الإنسان/المجتمع، والصراع من أجل البقاء، ويؤكد ضرورة السعي المجتمعي لبناء الموطن الملائم niche construction، فضلاً عن أن اللغة في نشأتها وتطورها تمثل القناع. ويتجلى هذا كله في سلوك الفرد/المجتمع/وفيما بين المجتمعات.
لهذا فإن الحديث عن الحضارة كآلية أنانية للانتصار في صراع البقاء بين المجتمعات يستلزم النظر إلى التاريخ التطوري للإنسان، وذلك لأن النوع البشري هو تلك المتوالية مترابطة الحلقات من الأنواع التي بلغت، حسب تصور البشر لأنفسهم، ذروتها في صورة الإنسان العاقل الهوموسابينس سابينس الذي تميز في مرحلة من تطوره بالذاكرة والقدرة على التراكم المعرفي، ومن ثم القدرة على صنع الأدوات وابتكار مصنوعاته الفنية استجابة لتحديات التكيف وطموحاً لمستوى حياة أفضل متضمناً صورة عن الذات وعن الآخر والمستقبل وما يقترن بذلك على سبيل التكيف من تغيرات مجتمعية.
ونعرف أن الثورة الثقافية في حياة الهوموسابينس سابينس لها أطوار في التاريخ، وهي عملية متصلة تراكمية، وتَحَوُّل متصل وعميق في البنية الأساسية للمجتمعات.
وغني عن البيان أن الأداة/التكنولوجيا حتى في أبسط أشكالها الأولية تحمل في طياتها ديناميكية فكر وفعل معاً؛ لأنها استجابة متطورة بتطور الفكر والفعل الاجتماعيين. إنها دالة على دينامكية الأداة والعمل في تفاعل مع الطبيعة، وتجلٍ لدينامكية اجتماعية في إطار شروط ومقتضيات توفِّر لها النشأة والحياة والتطور في سياق فعالية اجتماعية نسميها حضارة. التكنولوجيا ليست مجرد أداة بل إنها تجسيد لقوة وتجسيد لفكر، وتعبير عن دور مجتمعي وعن رؤية مجتمعية تبررها، وهي آلية لتوسيع قدرات الإنسان، ولهذا يراها كثيرون علة تطور الإنسان بيولوجياً وعصبياً وفكرياً واجتماعياً، إنها امتداد الوجود البيولوجي الوراثي من أجل تعزيز البقاء في ضوء التحديات.
ويتسق هذا مع مع ما ذهب إليه بويد وريتشيرسون في كتابهما الموسوعي بالغ الأهمية The Origin and Evolution of Culture إذ يقولان: (الثقافة جزء من البيولوجيا البشرية.. القدرات التي تسمح لنا باكتساب الثقافة هي مكونات متطورة للتكوين النفسي البشري. ومحتويات الثقافة متشابكة ومتداخلة بعمق مع الكثير من جوانب تكويننا البيولوجي.. مادا نتعلم، وماذا نشعر، كيف نفكر، وكيف تشكلت أجسامنا على مدى الأحقاب بسبب الفعالية المستمرة للتطور العضوي، والنتيجة أن جانباً كبيراً من التباين الثقافي البشري يمكن فهمه في ضوء التاريخ التطوري للبشر).
وثمة تعريف إجرائي للحضارة أراه الأنسب لنا لتحديد معالم الطريق إلى مستقبل (حضاري) أعني دخول حضارة العصر عصر الصناعة ومجتمع المعرفة، ويضيء لنا عناصر المنظور الحضاري لإستراتيجيات الترجمة؛ يقول هذا التعريف: (الحضارة إبداع الأدوات المادية قرين إطار فكري/قيمي استجابة لتحديات وجودية يفرضها الواقع المتجدد بتفاعله مع الإنسان/المجتمع، إنها واقع مكاني وامتداد زماني). وهذا تعريف فيه دينامكية إذ يدمج الانسان كأحد مكونات البنية الحضارية بسلوكه وفكره وقيمه (الثقافة)، ويتسق مع التعددية والتطور في الزمان والتنوع في المكان مع الاحتفاظ بخصوصية متطورة للثقافة مكاناً وزماناً.
إذن الاستجابة الإبداعية تكنولوجياً وعلمياً وفكرياً وثقافياً وما يتصف به المجتمع من دينامكية؛ هي المعلم الرئيس المميز للحضارة التي هي عملية إبداعية ممتدة في الزمان الوجودي البشري.
إننا إذا قلنا الحضارة العربية أو الإسلامية أو المصرية أو الصينية أو الغربية فإن الأنظار تتجه مباشرة إلى فترة الثراء المتمثل في الإبداع الذاتي التكنولوجي والعلمي والفكري دون فترات الركود والجمود.
الإستراتيجية خطة مجتمعية متعددة المراحل وصولاً إلى هدف. ويتحدد الهدف ومراحل الخطة بناء على دراسة علمية تتضمن إدارة الإمكانات المادية والبشرية والمعرفية، وتشتمل هذه على إمكانات الذات اللوجستية من حيث العناصر المساهمة لتعبئتها وتطويرها ومن بينها الإنسان ودراسة العناصر أو القوى المحيطة وما تمثله من تحديات وطبيعة المستوى الحضاري وعناصره ومقتضياته ووعي الذات بالتاريخ. وإستراتيجية الترجمة هي إحدى مكونات الاستجابة الشاملة للتحديات.
والترجمة جهد مجتمعي نقدي انتقائي نشط لاقتناص معارف عالمية وتوطينها في تكامل مع إبداع محلي، وتجسيد واستثمار المُنْتَج في واقع محلي مكافئ وحافز لماراثون حضاري بفضل الارتقاء اقتصادياً/تعليمياً/علمياً/ثقافياً.. إلخ. إنها إجمالاً إحدى آليات إثراء رأس المال البشري وآلية لتمكين المجتمع Societal empowerment وتأكيد الذات حضارياً.
والشرط الأول والأهم أن تمثل إستراتيجية الترجمة جزءاً متكاملاً مع إستراتيجية أشمل هي إستراتيجية النهوض والتطور الحضاري على الصعيد الوطني؛ هذا وإلا سيكون نشاط الترجمة مهما كانت كثافته نشاطاً في فراغ. ويبين بوضوح من واقع حديثنا عن الحضارة، ومن واقع العالم؛ أن ما يمكن أن نسميه الماراثون الحضاري بين المجتمعات في الإطار الشبكي العالمي أو العولمة هو ماراثون من أجل دخول عصر مجتمع المعرفة الفصل الثاني من عصر الصناعة.
وغني عن البيان أن مصر لا تملك رؤية عن مصر المستقبل، وكذلك هو حال جميع البلدان العربية بمعنى أن أياً من البلدان العربية لا تملك إستراتيجية نهضة وتطوير حضاري، وتفتقد إرادة وعزم اقتحام ماراثون المجتمعات لدخول عصر الصناعة وتوطين –وأكرر توطين- العلم والتكنولوجيا، ناهيك عن دخول مجتمع المعرفة.
وغياب هذه الرؤية المستقبلية، ومن ثم غياب إستراتيجة شاملة للنهوض والتطوير الحضاري مصادرة لفكرة وضع إستراتيجية للترجمة، إذ في أي اتجاه نسير؟ وعلى أي أساس نختار؟ ولأي هدف نعبئ القوى وكيف؟ أو بمعنى آخر لماذا نترجم؟ وماذا نترجم؟ ومن ينهض بالترجمة؟ ولمن نترجم؟ وكيف نستثمر نشاط الترجمة بدلاً من أن يكون جهداً مهدراً مهما كان متدنياً؟
وإذا افترضنا نظرياً توافر مثل هذه الإستراتيجية الوطنية أو القومية الأشمل فإن وضع إستراتيجية للترجمة في ضوء تعريفنا للحضارة وفي ضوء تجارب المجتمعات وقانون صراع الوجود، والهدف المنشود وهو الانتساب إلى حضارة عصر الصناعة ومجتمع المعرفة؛ نرى ضرورة:
- مراجعة الذات من حيث الطاقة والإمكانات لإنتاج الترجمة واستثمارها عبر مؤسسات علمية وثقافية وكذلك القراء. معنى هذا: التخطيط في تكامل مع الإستراتيجية الأشمل.
- دراسة علمية عن الثغرات المعرفية في الفكر/الثقافة لبيان الاحتياجات المجتمعية لعلوم وتكنولوجيا العصر وتوطين العلم والتكنولوجيا من خلال تكاملهما مع الإبداع المحلي واستيعاب الواقع. وهذه مسألة حيوية نظراً لأننا نترجم وتبدو الترجمة إضافة وافدة من الخارج وليس لها مقابل محلي تتكامل معه وتثريه. كذلك اعتدنا استيراد التكنولوجيا طالما هي ميسورة بما نملك من مال، والنتيجة تخلفنا زمنياً، وعجزنا عن إنتاجها وعن صيانتها ناهيك عن تطويرها. وهذا الفراغ يعني أن الترجمة جهد مهدر، بينما تؤكد تجارب الشعوب اقتران الترجمة بالإبداع المحلي وتوطين العلم والتكنولوجيا.
- ضرورة توافر دراسة علمية عن عدد المتعلمين وعدد القراء واهتماماتهم وسبل تطوير وحفز الاهتمامات. إن الترجمة كتاب أي معرفة ومترجم أي قدرة على الاستيعاب والتوصيل معاً. ثم قارئ أي قدرة على الاستيعاب والاستثمار. وغني عن البيان أننا نعاني من زيادة نسبة الأمية الأبجدية وغلبة الأمية الثقافية العلمية والأمية الحاسوبية، وهذه جميعاً عقبات تحول دون التقدم والتأهل لعضوية مجتمع المعرفة. إن حضارة العصر هي حضارة الإنسان العام المشارك إيجابياً في إدارة شؤون المجتمع عن علم ورسم معالم المستقبل، وهذا جوهر الديمقراطية.
- وضع تنظيم مؤسسي للمترجمين مع توفير ضمانات من حيث المستوى المالي والتعامل مع الناشرين.
- الارتفاع بمستوى تأهيل المترجمين من حيث الإلمام بالقواعد المنهجية للترجمة والكفاءة اللغوية والثقافية والالتزام والقدرة على التفاعل الفكري العلمي والثقافي عامة دون انحيازات، والشغف لاكتساب أسس النهوض والتقدم والتحرر من نير الانغلاق؛ ذلك لأن المترجم نافذة حضارية للمجتمع إلى دائرة الفكر الحر.
- التخطيط المرحلي والنوعي لنشاط الترجمة بحيث ينتفي الطابع الفردي العشوائي لاختيارات الترجمة، ودون مصادرة حقوق دور النشر الخاصة أو الأفراد في إصدار ترجمات أخرى تأسيساً على مبدأ الحرية.
- وضع خطة لإعداد قواميس عربية متعددة التخصصات، وتوفير قواميس للغات الأجنبية وترجمة الموسوعات العالمية في التخصصات المختلفة والمستويات المختلفة للأطفال/الناشئين/الكبار.
- وضع خطة للنهوض بالطفل وتكون الترجمة رافداً داعماً للخطة في مجالات الثقافة العلمية والفنية والحضارية عن حضارات الشعوب لينشأ مدركاً التنوع الثقافي والحضاري ومدركاً للآفاق العلمية ومتحلياً بالتسامح.
- إعداد خطة متطورة لإعداد مترجمين مؤهلين للعصر الرقمي.
- دراسة علمية عن محتوى القراءة السائدة بين العامة والخاصة والإطار الثقافي الحاكم ومدى تلاؤمه مع الهدف النهضوي، وكذلك طبيعة التنشئة الاجتماعية وأثرها السلبي في خلق حافز لمغامرة المعرفة، ومن ثم العمل على تطويرها. ونلحظ أن التوجه السائد ليس قراءة كتب العلم ولا سلوك مغامرة المعرفة والطموح العلمي وإنما الغالب الأعم قراءة كتب ما بعد الحياة دون كتب الحياة، هجرة إلى الغيب دون صنع الحياة، وهذا واقع يفسد أي توجه للتوسع في الترجمة العلمية بل يفسد أي جهد لوضع إستراتيجية تطوير حضاري.
- يقترن هذا برفع مستوى التعليم وتطويره ليتلاءم مع مقتضيات حضارة العصر، والاطلاع على المستحدث من المعرفة، مع ضمان تعدد اللغات حتى لا يقع القارئ والبلد أسيري ثقافة/فكر/ لغة بعينها.
- المساهمة في تطوير الإطار الثقافي الذي نعيش أسارى له منذ قرون، ويتنافى مع منجزات ومدخلات التفكير العلمي كمنهج ونهج، أي أسلوب تناول، وذلك لبناء عقل جديد ملائم لعالم جديد قابل للتطوير والمنافسة.
- ضرورة العمل على توافر قاعدة معلومات تشمل ذاكرة المجتمع في مجال الترجمة (الترجمة والمترجمين) في الماضي والحاضر والتوسع الأكاديمي في هذا المجال.
وثمة قضية وثيقة الصلة بالترجمة، وحظيت باهتمام كل المجتمعات التي تحررت من نير الاستعمار الغربي؛ ألا وهي إعادة كتابة التاريخ وتحرير العقل من أسر الإطار الفكري للغزاة. وظهرت في الغرب وفي العديد من البلدان المستقلة حديثاً مثل الهند والصين مدارس فكرية تؤكد هذا المنهج وتقدم دراسات علمية تنقد وتنقض دراسات المستعمرين الذين صاغوا تاريخ المستعمرات بما يدعم وجودهم ويحرم المستعمرات من تاريخها الموضوعي، ويدعم هذا الاتجاه أكاديميون ومفكرون كثيرون في الغرب الآن أيضاً.
ويعيدنا هذا إلى تعريفنا للحضارة وثنائية الأنا والآخر، وكيف عمد الغرب مثل من سبقه من غزاة إلى الحط من تاريخ الآخر، بل إلى نفيه، مثال ذلك أن جعل تاريخ الهند هو تاريخ شركة الهند الشرقية، وليس تاريخ شعب الهند لبناء ذاته حضارياً في الماضي. ولهذا حفل الفكر العالمي بجهود ثرية لإعادة كتابة التاريخ من جديد بما في ذلك تاريخ الغرب ذاته محرراً من الأفكار الفكرية الاستعمارية. وجدير أن نذكر هنا جهود مفكرين مثل إداور سعيد وأندريه جوندر فرانك وبيتر جران ونيللي حنا في مصر ورؤوف عباس وعاصم الدسوقي.
وإذا كان المنظور الحضاري يعني اعتبار التاريخ وطريقة النظر إلى مسألة ما أساسين لحل قضية حضارية تعددت بشأنها الرؤى؛ فإن هذا يعني أننا في مجال الترجمة يتعين أن نحرص على ترجمة الدراسات التي تمثل رد اعتبار للتاريخ المصري والحضارة المصرية نظراً لما تعرض له هذا التاريخ وتلك الحضارة من انتهاكات متوالية وتغييب متعمد باسم الأكاديمية حيناً وباسم المقدس أحياناً، مما أدى إلى ما يمكن أن نسميه انسلاخ الأنا المصرية. وغير خافٍ أن وحدة الأنا التاريخية أو الوعي بالذات تاريخياً شرط جوهري لإعادة بناء الإنسان والاعتزاز بالانتماء ليكون قوة فاعلة.
وهكذا تكون الترجمة أداة لنقل المعارف وآلية تصحيح للوعي وإعادة بناء الإنسان المسؤول والإيجابي، وبذا تسهم الترجمة قرين الإبداع المحلي في خلق ثقافة تحقق الانتماء وتدعم جهد المواطنين في ظل إستراتيجية شاملة للتطوير الحضاري.