المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمونا عربي يا إخواننا


Eng.Jordan
12-11-2012, 08:39 PM
الكاتب : محمد كشحت - الرياض

يقول أساتذة الإدارة (خصص للإعلان عن سلعتك ثلاثة أرباع ميزانيتك، وانزل لزبائنك بحملة إعلانية بلغة على مستواهم الثقافي والاقتصادي والاجتماعي ليفهموها).
هذه النصيحة يعمل بها رجال الأعمال في تسويق السلع, وأصبح التليفزيون يخرج علينا ليلاً ونهاراً بإعلانات وفنون دعاية على مستويات ثقافية ولهجات مختلفة.
ولكن العجيب أن الأساتذة ورجال الأعمال في بعض البلدان العربية ما أن يتقلدوا المناصب الحكومية فإنهم ينسون أو يتناسون هذه النصيحة, ويتحدثون مع الناس عن إنجازات الحكومة بلغة الاقتصاديين المتخصصين وبأرقام ونسب عن معدلات النمو، والميزان التجاري، وميزان المدفوعات، والموارد المخصصة لمياه الشرب والصرف الصحي، ونسبة الزيادة السكانية، وأنواع الدعم الذي تقدمه الحكومة للتخفيف من معاناة محدودي الدخل.. وغير ذلك من كلام لا يفهمه حتى المثقفون من أفراد الشعب.
فلماذا تتعالون وتتحدثون للناس بلغة المعدلات والأرقام والرسول قائدكم كان يتباسط مع الناس، تضيفون لكلامكم بعض كلمات إنجليزية أو فرنسية وكأن اللغة العربية فقيرة لا يوجد بمعاجمها مصطلحات تقدم المعنى المقصود أو أنها لم تعد في مستواكم الوظيفي. أم تراكم تتعمدون أن لا يفهم الناس فينفض الجمع دون أن يفهم شيئاً, ودون أن تصرحوا بما قد يسجل عليكم وتحاسبون عليه لاحقاً.
إن حالة الانفصام تتسبب بها بعض الحكومات عندما تفشل في استعراض إنجازاتها بسبب لغة الكلام -لا نقصد استخدام مسؤول لبعض كلمات أجنبية فحسب؛ ولكننا نعني فشلها في الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم, فالحكومات التي تهتم بشعوبها يكون لها خطابان : خطاب رسمي مدعم بالتقارير والأرقام والنسب يرفع للحاكم ورجاله، وخطاب آخر شعبي يقوم رجاله بإعداده لكي يخاطب به الحاكم شعبه باللغة التي يفهمونها.
والحكومات الفاشلة لا ينحصر تقصيرها في حق الناس فحسب, بل وفي حق الحاكم أيضاً, إذا قدموا له نسخة من الخطاب الرسمي ليحدث بها شعبه بلغة لا يفهمها الناس. رغم أن رجال الحكومة هؤلاء وهؤلاء جميعهم مخلصون صادقون يواصلون العمل بالليل والنهار في خدمة البلاد والعباد لكنهم أهملوا الخطاب الشعبي, فلم يستطيعوا أن يقنعوا الناس بما قاموا به من إنجازات, فالناس تكره الأرقام والبراهين العقلية وتسأمها ويتشككون فيها حتى وإن كان بينهم المتخصصون فإنهم ينضوون تحت فكر العامة من الناس, بينما يستهوي الناس الكلام العاطفي حتى لو اقتصر الأمر على دليل عاطفي واحد فإنهم لن يملوا الحديث عنه. فالخطاب بالعقل والمنطق قد يفهمه المتخصصون وهم لا يزيدون عن عشرين في المئة في أحسن الأحوال بينما الخطاب بالعاطفة يرضي ثمانين في المئة من الشعب, وينضوي تحتهم تحت الضغط الشعبي العشرين في المئة المتخصصون فيكون المجموع مئة في المئة.
ولكي يتحول الخطاب الرسمي إلى خطاب شعبي يتوجب اختيار كلماته وجمله لتعطي الانطباع أن من يخاطبهم يحس بإحساسهم ويشعر بشعورهم، يغضب لما يغضبهم ويفرح لما يفرحهم, ويحزن لما يحزنهم. يتألم لآلامهم ومصائبهم مصائبه, فيكون الاتصال الروحي أداة تأثير يستخدمه في استفزاز مشاعر الناس أو تهدئة ثائرتهم. إذا رأى الناس متحمسة لأمر يراه باطلاً أو غير صحيح لا يفاجئهم بمخالفتهم ولا يصدمهم بمعارضتهم لأن ذلك يبعد عواطف الناس عنه، بل ينقاد لهم في الخطاب ويشاركهم ويسايرهم ويستدرجهم إلى نقطة تتعادل فيها كل الأفكار، تلك النقطة التي تطيش فيها أحلام الصغار والكبار فيهجم بفكرته فيكون الحبل بينه وبين الناس ممدوداً فلا تتقطع الأسباب ويذهب التأثير. ويقدم الحقائق في صيغة قريبة واضحة من فهم الناس بكلمات توحي بالاعتدال والصدق فلا يسرف في مدح ولا ذم، ولا في وعد ولا وعيد، ولا لف ولا دوران ولا كلام مغلف يحمل أكثر من معنى، كلماته تقدم صوراً تثير خيالهم وتوضح لهم المبهم غير الواضح وتحتوي القرار الصائب.
يجب أن يشيد الخطاب بأسلوب يساعد على طلاقة اللسان واطمئنان النفس وقوة الشخصية والقدرة على مراعاة مقتضى الحال، كلماته توحي بالتودد للناس، وتصاغ عباراته بما يألفون من الكلام فيمتدح الفئة التي يخاطبها ويصفهم بأحسن صفاتهم فالناس تفهم الكلام المباشر الصادر من القلب.
أما خطاب الحاكم لشعبه فإنه ليس كأي خطاب, إنه خطاب الملك إلى الرعية وإن اختلفت المسميات -ملك أو أمير أو سلطان أو رئيس, لذلك يجب أن يبنى الخطاب الشعبي على الكثير من الدلائل العاطفية والوجدانية على اهتمامه بهم بشكل عام وبكل طائفة بشكل خاص وبمشاكلهم وهمومهم، ويضيف بعض آيات من القرآن أو كلمات من خطب الرسول صلى الله عليه وسلم فإن تأثيرها الوجداني تهتز له مشاعر المستمعين، ويقدم في كل خطاب من المنح والعطايا للطائفة التي يخاطبها شيئاً يستطيع الناس امتلاكه ويكون ذلك على مرأى ومسمع من الناس والإعلام لتتناقله وكالات الأنباء فيكون العطاء هو اللغة التي يتحدث بها الحاكم وهو الدليل على اهتمامه بالناس.