المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المعارك الدينية والأدبية للرافعي


Eng.Jordan
12-11-2012, 08:40 PM
الكاتب : محمود كحيلة - مصر
استهل مصطفى صادق الرافعي حياته الأدبية عام 1899م بكتابة الشعر.
وقد نشر شعره بالصحف والدوريات وهو لم يتجاوز بعد التاسعة عشرة من العمر, وبعدها بعدة سنوات أخرج ديوان (النظرات) ثم أخرج أول مؤلفاته الإسلامية في (إعجاز القرآن) والبلاغة النبوية, وهو كتاب (تاريخ آداب العرب), وتلتها كتبه الرائعة مثل (تحت راية القرآن) و(وحي القلم) و(أوراق الورد).

http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/20114316344847.jpg


وأضاف الرافعي إلى الآداب العربية فناً جديداً من فنون النثر لم يسبقه إليه أحد, وهو فن الرسالة الأدبية, وذلك بكتبه الثلاثة (رسائل الأحزان) و(السحاب الأحمر) و(أوراق الورد).
وقد كانت أصالة موهبته الأدبية وقيامها على أسس لغوية حقيقية إضافة إلى صدقه الكبير مع نفسه وابتغائه وجه الله في كل ما يجري به قلمــــه؛ سبباً في ذيوع صيته. كما أهلته لخوض معارك أدبية وفكــــرية ودينية مع فطاحل الأدب في زمانه.
فذات صباح جاءه البريد برسالة من صديقه الأديب الكبير محمد محمود شاكر يرجوه أن يرد على مقال منشور بجريدة (كوكب الشرق) يفضل فيه صاحبه تعبير (القتل أنفى للقتل) على قــــول تعالـــى (ولكم في القصاص حياة), وبكل غيرة وحزم وجدية كتب الرافعــــي مقالته في الرد تحت عنوان (كلمـــة مؤمنــــة في رد كلمـــة كافرة), وانطلق يدفع هذا الزيغ في العقيدة وهذا الخلل في المنطـــق بأساليب القابض على مفاتيح اللغة العربية والعارف بمواطن الإعجاز في القرآن الكريم.
فبعد استهلال بارع جامع مانع استخرج الرافعي من الآية الكريمة ثلاثــــة عشــر وجهاً من وجوه البيان المعجز مؤكداً في آخر الرد، أن هذا يعنـــي إسقاط الكلمة الغربية والدعوى المستند إليها ثلاث عشرة مرة.
ومن المعــــارك التي خاضها الرافعي معاركه مع الكاتب والأديب الشهير طه حسين الذي قرأ كتاب (تاريخ آداب العرب) للرافعي وهو ما يـــزال طالبــــاً للعلــــم بالأزهر ثم نشر مقالاً بأنه لم يفهم من هذا الكتاب حرفاً واحداً.
فأسرها الرافعـــي في نفســـه ولـــم يشفـــع لطه حسين عنده أنه عاد بعد أربعــــة عشر عاماً أي عام 1926م, وقال عن ذات الكتاب (الرافعــي قد فطـــــــن في كتابه لما يمكن أن يكون عليه تأثير القصص وانتحــــال الشعـــر عند القدماء، كما فطن لأشياء أخرى قيمـــة..), لأن طه حسين عاود الكرة وهجم مرة أخــــرى ينتقد كتاب الرافعــي (رسائل الأحزان) قائلاً: (إن كل جمـــلـــة في هذا الكـتاب تبعــث فـــي نفســـي شعوراً مؤلماً..), وكان الألم الحقيقي هو ما أصاب طه حسين من قلـــم الرافعــــــي الــذي اندفــــع إلى الثـــأر, وكتب لطه حسين ساخراً يقول: (لقد كتبت الرسائل في ستة وعشرين يوماً, فاكتب أنت مثلها في ستة وعشرين شهراً, وأنت فارغ لهذا العمل وأنا مشغول بأعمال كثيرة لا تدع لي من النشاط ولا من الوقت إلا قليلاً، ها أنا ذا أتحداك أن تأتي بمثلها أو بأفضل من مثلها..).
ويظهر أن معارك الرافعي كانت بسبب غيرته على الإسلام وعلى آرائه الفكرية والأدبية, ويبدو ذلك من خلال رسائله الشخصية التي كان يديم إرسالها إلى تلميذه وصديقه محمود أبو ريه التي كان يخبره فيها عن كل ما يجري من تطورات على حياته العائلية وسيرته الأدبية.
وفي واحدة من خطاباته رد على محمود أبو ريه الذي كان يعتبره صديقه وتلميذه: (أنبهك إلى أنك كررت في كتابك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم دون أن تتبع اسمه الشريف بصيغـــة الصلاة عليه, وهذا سوء أدب لا أقبله من أحد ولا أقر أحداً عليه).
ومن معارك الرافعي الأدبية والفكرية أيضاً ما جرى بينه وبين الكاتب والشاعر عباس محمود العقاد، فقد تناوله الرافعي في عمــــوده الذي كان ينشر بمجلة (العصور) تحت عنوان (السفود), وقد كان العقاد هو البادئ عندما اتهم الرافعــــي بأنه هو كاتب (التقريظ) أي الثناء والمديح الذي كتبه الزعيم سعد زغلول عن كتابه (إعجاز القرآن), بقوله: (إنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم) ليروج الكتاب بين القراء، وقد دافع الرافعي عن ذلك قائـــلاً: (وهل تظن أن قوة على الأرض تستطيع أن تسخر سعد لقول ما قال لولا أن هذا اعتقاده).
ثم اشتعلت المعركة بينهما واتخذت طابعاً عنيفاً حينما شن العقاد حملة على الرافعي في كتاب (الديوان) الصادر عام 1921م.
وقد شعر الرافعي بدنو أجله فأعلن نهاية المعارك الفكرية والأدبية في آخر مقالاته بعنوان (بعد الموت ماذا أريد أن يقال عني) والتي قال في متنها (بعد الموت يقول الناس أقوال ضمائرهم لا أقوال ألسنتهم إذ تنقطع مادة العداوة بذهاب من كان عدواً وتخلص معاني الصداقة بفقد الصديق, ويرتفع الحسد بموت المحسود, وتبطل المجاملة باختفاء من يجاملونه، وتبقى الأعمال تنبه إلى قيمة عاملها, ويفرغ المكان فيدل على قدر من كان فيه، وينتزع من الزمن ليل الميت ونهاره فيذهب اسمه عن شخصه ويبقى على أعماله, ومن هنا كان الموت أصدق ما يعرف الناس بالناس).