المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التثقيف الذاتي وبناء الشخصية


Eng.Jordan
12-11-2012, 08:43 PM
الكاتب : عمار الجمعة - سوريا

يطالعنا الأستاذ الدكتور محمد عثمان الملا في العدد (409) من (المجلة العربية) بمسألة مهمة وهي مسألة التثقيف الذاتي وأثره في بناء الشخصية.
وأنا اتفق معه لما للثقافة العامة من دور في التأثير على شخصية الإنسان، وفي تكوين الخطوط العامة العريضة لتلك الشخصية، وكذلك في تكوين شخصيته الثقافية العامة، ولكنها لا تصقل –كما يرى الكاتب– نفسيته ومهاراته ومواهبه، ولعلها تشكل المفاتيح العامة التي يلج بواسطتها مساحات الحياة الثقافية والأدبية والعلمية والتقنية والإبداع الإنساني بأشكاله العامة ويأتي دور التثقيف الذاتي في تنمية الشخصية العامة، ليجعلها في مصاف الشخصية المتطورة. ويعرف التثقيف الذاتي: بأنه الرغبة الفردية في عملية زيادة الوعي والثقافة والمعرفة وذلك بجهد خاص وبالاعتماد على الوسائل المتوفرة. ويسهم التثقيف الذاتي في تكوين الشخصية الثقافية وبنائها، وذلك عن طريق تطور الفكر الثقافي والمعرفي، والذي يتناول بالاطلاع والبحث في جوانب المعرفة التي تختزن كل صنوف الثقافة والعلوم، مستخدماً كل الأدوات والمصادر التي تساعد في تنمية الوعي والثقافة ومنها الوسائل المقروءة مثل الكتب والجرائد والمجلات، والمسموعة والمرئية مثل الإذاعة والتلفزة وحضور المحاضرات والندوات وتبادل النقاش والحوار.
وتشكل القراءة المستمرة والجادة والهادفة أهم الوسائل الثقافية وأهم أدوات التثقيف وأهم روافد الثقافة والتنمية الفكرية، مع الاختيار الواعي لنوعية المقروء فرزاً وانتقاء، والتعمق في المقروء وتجنب السطحية والانفعالية والاستعراضية، فيشكل الإنسان أدواته الثقافية وأسلوبه وفكره ومفرداته التي ترافقه في جميع مناحي حياته، وبغض النظر عن اختصاصه العلمي والعملي فينطلق في مجالات الإبداع والابتكار، ويكسر مراحل الجمود والروتين وينمي الثقة بالنفس والقدرة على الفعل الدائم، ويصنع شخصيته ابتداء من مفرداته وانتهاء بكم المعرفة الراسخ في ذاكرته القريبة والبعيدة، ولتكون هذه الشخصية ذات نفع في بناء مجتمعها وتطوير قدراته.
ولا يُكتفى هنا بالاطلاع والمعرفة ثم الوقوف عند حد معين، لأن هذه المعرفة تحتاج إلى وقود معرفي سواء من أجل تنشيطها أو من أجل تطويرها وهذا يعني الاستمرار والاستزادة في اكتساب المعارف والعلوم.
وهنا لابد من وضع برنامج واعٍ وهادف وممنهج ومتناسب مع قدرات الفرد وإمكانياته ومتواشج مع الحركة الثقافية والعلمية والاطلاع المستمر على تجارب الآخرين، وتكوين أجواء محيطة مشجعة على العمل الثقافي، وعلى عملية التثقيف ومصاحبة المهتمين بهذا الشأن.
كما يمكننا في هذا الصدد أن نذكر ما للتثقيف الذاتي من دور حتى في حالة التخصص، وليس فقط في حالة الثقافة العامة، إذ تعتبر الدراسة التخصصية العتبة الأولى لدخول الحياة العملية ويأتي دور التثقيف الذاتي في العمل التخصصي لتنمية وتطوير المفهوم الثقافي التخصصي البدائي، ومن الأمثلة على ذلك مثلاً علم الهندسة، فقد ورد في تعريف الهندسة أو الإجازة في الهندسة بأنها علم قراءة المراجع، أي أن الدراسة بكامل سنواتها تعتبر ثقافة عامة إن جاز التعبير، وعتبة أولى لدخول الحياة العملية، وهنا يدخل دور التثقيف الذاتي في صقل الهوية الثقافية وتكوينها بل وتدقيقها (دخولها عالم الدقة والحرفنة)، والانطلاق إلى عالم التميز، إضافة إلى عوامل أخرى نفسية واجتماعية وأخلاقية تؤثر في تشكيل الشخصية الثقافية التخصصية وتنميتها.
إن الثقافة هي الأداة التي تمكننا من معرفة ما يجري حولنا، وتمكننا من التواصل الحضاري والمعرفي لحضارات ومعارف وعلوم وتراث الأمم الأخرى، وتنمي السلوك الفردي والمجتمعي باتجاهاته السليمة المفيدة، القائمة على السعي المتواصل لاستثمار الثقافة والمعرفة لبناء مستقبلي ينهض بالفرد و المجتمع، وتطوير المناخات التعاملية وتقبل النقد والإيمان بالآخر والمرونة والابتعاد عن الانفعالية واللامنطقية، واستخدام المفاهيم اللائقة بحالة الرقي العلمي والمعرفي، وانتهاج السلوك السليم في حل الأمور، وإيجاد الصيغ الموائمة لانتعاش مجتمعي وإنساني، وتمكن من وضع الخطط اللازمة لتطوير المجتمع، وإلغاء المفاهيم الخاطئة والوعي باحتياجات الفرد والمجتمع، والتقيد بالقوانين والأنظمة والبحث عن التغييرات الإيجابية، والإدراك السليم لمتطلبات الحياة، والرغبة في التغيير الإيجابي، والتفاعل مع الجميع والسعي لامتلاك الجديد المتميز، وتمكننا من قراءة حياتنا بأسلوب مختلف وبرؤية متمايزة، على عكس حالة الجهل والتي تعتبر انحرافاً بالحياة عن طريقها القويم وضعضعة لإمكانيات البشرية، فنحن في ساحة الثقافة نعرف تماماً ما نريد ونسعى له بعلمية وواقعية وببحث واعٍ عما يحقق سعادة الإنسان ويحقق طموحه.