المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقل العربي أيديولوجي


Eng.Jordan
12-11-2012, 09:08 PM
الكاتب : شايع الوقيان - الرياض


يمكن القول مبدئياً إن هناك عقلاً يخلق ويبدع الحقائق، وهناك بالمقابل عقل يكشف عن الحقائق. ونسمي الأول عقلاً إبداعياً، والثاني عقلاً علمياً.
العقل العلمي هو ملكة ذات نشاط سلبي، تعمل على تهيئة وتطهير العقل لكي تنعكس فيه الحقائق الموجودة وجوداً مستقلاً عن الإنسان كما تنعكس الصور على المرآة، كحقائق الرياضيات والمنطق ونحوهما من المبادئ العلمية اليقينية. وهذه هي صفة الكشف التي هي في الوقت عينه الوظيفة الأساسية المناطة بهذا العقل.

إن إبداع المناهج والطرائق التي ترمي إلى التطهير وإزالة العوائق الموجودة أمام العقل هو نشاط متعلق بالعقل الإبداعي ذاته. وعليه نقول إن التقدم العلمي الذي وقع لبعض الحضارات كان تقدماً منهجياً أكثر من كونه تقدماً علمياً.
وهذا يؤدي بنا إلى الوقوف مطولاً عند العقل الإبداعي الذي يخلق الحقائق، ويبدع المناهج. وهو ما تتفاوت فيه الأمم، ويتفاضل فيه الأفراد.
فعلى سبيل المثال فإن الحقيقة الرياضية أو العلمية التي (اكتشفها) الحسن بن الهيثم أو الخوارزمي ليست بذات (هوية) لا فردية ولا ثقافية، وإنما هي ملك مشاع للبشرية جمعاء. وما انتقال العلم العربي القديم إلى الحضارة الأوروبية بسلاسة ودون عوائق إلا دليل على صحة ما نقول، فالعلم هنا لا يحمل معه أي شحنات تاريخية أو ثقافية. وكذلك فإن انتقال المنطق اليوناني إلى العرب كان أسهلَ من انتقال الشعر اليوناني، وربما أنه لم ينتقل أساساً. فأخملُ الفلاسفةِ اليونانيين صيتاً معروف لدى العرب أكثر من هوميروس أعظم الشعراء اليونانيين.
وبناءً على ما سبق، ومادمنا نتحدث عن (عقل عربي) بهذا الصيغة التي تستبعد الجانب الذاتي أو الفردي، كما تستبعد كل ما ليس عربياً، فإن أي حديثٍ عن هذا العقل يجب ألا يَعتدَّ كثيراً بما يلي: الإبداع الفردي المحض الذي لم يلقَ قبولاً جماعياً أو ثقافياً، إضافة إلى العلم العربي الذي أشرنا إليه سالفاً؛ إذْ الحقائق العلمية ملك مشاع للبشرية ولا يختص بها قومٌ دون قومٍ.
قد يستنكر البعض ما أقوم به من استبعادٍ للحسن بن الهيثم والرازي وبقية العلماء الذين نفاخر بهم الأممَ والشعوب. وهذا الاستنكار مبرر، ولكن فلنلاحظ ما يلي: إذا كان ابن الهيثم لم يفعل سوى أن اكتشف الحقيقة التي توجد وجوداً مستقلاً عن العقل والتاريخ والثقافة، فلن يبقى له من فضلٍ إلا المنهج الذي جاء به للوصول إلى تلك الحقائق المتعالية. على أن إبداعه لهذا المنهج وترتيبه للخطوات الملازمة له، هو إبداع فردي من النوع الذي قلنا عنه أنه لم يلق قبولاً اجتماعياً، وبتعبير آخر: لم يتغلغل في أعماق الثقافة العربية، أو في بنية العقل العربي.
إذا استبعدنا ما ينطوي عليه تاريخ العقل العربي من حقائق علمية ورياضية، وإذا استبعدنا ما كان وحسب إبداعاً فردياً لم يتحول إلى مبدأ اجتماعي وثقافي عام، فإن ما يبقى لدينا هو العقل العربي الذي يمكن التوصل إلى (بنيته) من خلال رصد التحولات التاريخية التي نشأت هذه البنية وتماسكت في ظلها، بل وصارت لاحقاً هي الخيط الناظم لهذه التحولات، وهي تحولات وتطورات كان سببها في الأغلب الأعم بواعث أيديولوجية وسياسية، أو صراعية بوجه عام. هذا المحتوى السياسي – الأيديولوجي للعقل العربي ترافقه بالضرورة الآليات والمناهج التي (اختلق) أو (اكتشف) من خلالها مضمونه الفعلي والممكن. وحينما وصف محمد عابد الجابري العقلَ العربي، أو جانباً كبيراً منه، بأنه عقل فقهي، فقد كان يستند إلى الآليات التي يعمل بها هذا العقل، وليس إلى المحتوى ذاته، وهي آليات القياس التي ليست فقهية بطبيعتها، ولكنها، عربياً، نشأت أول ما نشأت في علم الفقه وأصوله.
إن رسوخ المحتوى يؤدي بالتالي إلى رسوخ الآليات التي ترافقه. فإذا كان المحتوى يغلب عليه الطابع الأيديولوجي – السياسي فإن آليات القياس ستبقى ما بقي المحتوى فاعلاً. وآلية القياس، بالمعنى الذي تراهن عليه الأيديولوجيا، لا تفعل سوى أن تعيد العقل إلى الأصول والمنطلقات التي هي نفسها أصول ومنطلقات السياق الأيديولوجي ذاته. إنها، إذن، ضد كل ما من شأنه أن يضيف جديداً، أو يقوم بمهمة التغيير الاجتماعي والثقافي. فالتكرار الذي تضمنه آلية القياس والعودة الدائمة إلى الأصول ترسِّخُ الواقعَ المعطى سلفاً، والذي يعيد السياق إنتاجه باستمرار، وتنفي أي إمكانية ينطوي عليها هذا الواقع نفسه. والتجديد، بكل حالٍ، هو الاشتغال على هذه الإمكانيات المطمورة، والتحقيق لها تحقيقاً فعلياً. وهذه طبيعة العقل النقدي والإبداعي.
وإذا سلمنا بأن العقل النقدي يقف في معارضة العقل الأيديولوجي، وإذا تحقق لنا أن التاريخ العربي، وبدقةٍ تاريخ العقل العربي، كان يشتغل، تبعاً لآليات القياس، على الواقع المعطى الذي يكرر نفسه وليس على ما ينطوي عليه من إمكانيات، فإننا سننتهي إلى القول بأن العقل العربي عقل أيديولوجي، ولا ننكر أنه عقل فقهي، أو قياسي، أو (محافظ)، فهو يشملها بداخله، ويعبر عنها أكمل تعبير.
قد يرى البعض أنني تسرعت في هذا الاستنتاج، وهذا صواب؛ إلا أنَّ أدنى تأمل في مفهوم الأيديولوجيا بعامةٍ، وفي آليات التفكير الأيديولوجي بخاصة، سيبلغ بنا إلى هذه النتيجة الواضحة إذا ما قارنا بينها وبين تاريخ العقل العربي. ولا غرابة، بعدئذٍ، إذا رأينا تشابهاً بين الحضارات التي يسودها مثل هذا العقل ويتحكم في تصوراتها، وإذا قابلناها مع الحضارات التي يسودها نمط مختلف؛ كالحضارة اليونانية حيث يسودها العقل الفلسفي، والحضارة الغربية حيث يسودها العقل العلمي. وسيادة نمط ما لا يعني بالضرورة غياب النمط الآخر؛ فهو حاضر ولكن بصورةٍ ثانوية أو عرضية.