المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السير والتراجم.. متعة وفائدة


Eng.Jordan
12-11-2012, 09:09 PM
الكاتب : إبراهيم نويري - الجزائر

مما لا شك فيه ولا ريب أن كتب التراجم والسير نوع من المؤلفات أثير لدى القراء، ذلك أن مضامين هذه الكتب متصلة بنماذج إنسانية مضيئة في التاريخ، وأكثر هذه النماذج يعد مثالاً وقدوة لجمهور عريض من الناس والقراء والباحثين، فمنهم الأنبياء والنوابغ والمخترعون والأبطال والمبدعون والزهاد وأصحاب الشيم والأخلاق العالية والسير الزاكية وذوو النباهة بتعبير ابن خلكان.
غير أن هناك حقيقة متصلة بتباين الدوافع لدى من يكتبون كتب التراجم، ومن يقبلون على قراءتها ودرسها، وهذا التباين يثير بحق العديد من الإشكالات والتساؤلات المشروعة الوجيهة. لقد حاول أديب العربية النابه عباس محمود العقاد -رحمه الله- الإجابة واستطاع -من وجهة نظره الخاصة- حصر هذه الدوافع أو أهمها في النقاط الآتية:
-1 إرضاء الشغف النفسي، بالوقوف على كل سر، لاسيما خفايا النفس الإنسانية، التي تعد من أهم ما يشغل بال الإنسان ويستجيش عطفه وتفكيره.
-2 محاولة إنصاف العظماء وتقديرهم وإعطائهم حقهم من جزاء التبجيل والإعجاب.
-3 حث المقتدين بتلك النماذج الإنسانية المضيئة، على ترسم خطاهم والتطلع إلى مراتبهم.
ثم أردف العقاد مستتلياً: «وفي كل غرض من هذه الأغراض لا ينفعنا أن ننفي عنصر الغرابة والتقديس من تراجم العظماء، أو ندمجه في سياق العرف المألوف، إذ العرف المألوف لا يستفز القدوة ولا ينصف العظمة ولا يبعث الشوق إلى المعرفة، فإبراز جوانب الغرابة والتنويه بها هو الأساس في تراجم الأفذاذ الذين ما كانوا أفذاذاً إلا لأنهم غرباء يختلفون عن سواد الناس..» (ساعات بين الكتب، ص 531).
لا أخال أحداً من الباحثين ينكر هذه الفوائد التي ذكرها العقاد، لكن يمكنني التنبيه أيضاً إلى أنها لا تمثل إلا جانباً واحداً من المسألة، وهو جانب يتعلق بخصائص وشمائل المترجم له، ومدى أثرها وحدود قابليتها لكي يقتدي بها الآخرون.. أما الجانب الآخر لأهمية قراءة كتب التراجم والبحث فيها، فيتمثل في المعلومات الغزيرة التي يوردها المؤلف كجزء من الأحداث التي تفاعل معها المترجم له، والبيئة العامة التي عاش بين جنباتها وتفيء آثارها وفصولها ؛ وفي هذا البعد يجد القارئ معلومات كثيرة ذات صبغة تاريخية وجغرافية وسياسية واجتماعية وأدبية وفنية وإنسانية... إلخ. إن هذا الجانب -فيما أرى- أهم من الجانب الشخصي في كتب التراجم، بل إن العناصر المكونة لهذا الجانب هي التي نبهت ابن خلدون إلى تأسيس فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع البشري ومعارف العمران وسنن قيام الدول وأفولها. ففي كتب التراجم نتعرف على شخصيات سياسية وعلمية عاصرها المترجم له، كما نحيط علماً بالكثير من خلفيات وتداعيات الأحداث والصراعات، ونضيف إلى رصيدنا الثقافي شذرات ومعلومات متنوعة عن البلدان والمدن والطرق والمواصلات والجبال والبحار والأنهار والعادات والتقاليد، وما إلى ذلك من معالم ووقائع وقسمات اجتماعية وتاريخية وثقافية، قد يتعذر تحصيلها في غير كتب التراجم.
لقد تفطن إلى قيمة وأهمية الظروف الخارجية التي تحيط بالمترجم له، كتاب ومفكرون كثيرون ممن كتبوا وترجموا لأعلام وشخصيات مختلفة، ومن هؤلاء الكتاب الدكتور طه حسين، الذي نجده يقر هذا المنهج ويرجحه على غيره من مناهج تأليف التراجم، حيث يقول في مطلع كتابه الشهير (قادة الفكر): «وحسبنا أننا سنعرض في هذه الفصول لا لتاريخ أشخاص بعينهم، بل لتاريخ العقل الإنساني وما اعترضه من ضروب التطور وألوان الاستحالة والرقي حتى انتهى إلى حيث هو الآن».
على أني لا أريد أن أبدأ البحث قبل أن أقدم بين يديه تنبيهاً للقراء أرى أنه ليس منه بد ؛ فقد تعود الناس في الشرق عامة وفي مصر خاصة، أن يفهموا من مثل هذا العنوان الذي قدمته، أن عناية الكاتب والباحث ستتناول الأشخاص وتقصر عليهم، فلفظ (قادة الفكر) إذا سمعه القارئ المصري أو الشرقي، فهم منه لأول وهلة، طائفة من الأشخاص لهم أثر يختلف قوة وضعفاً في تكوين الحياة الفكرية العامة في جيل من الأجيال أو في بلد من البلاد، ثم اتصل ذهنه بهؤلاء الأشخاص، وانتظر من الكاتب أن يقص عليه أطرافاً من حياتهم، وما اعترضها من خطوب، وما اختلف عليها من محن.. وهذا النحو من البحث مألوف شائع، ولكني سأعدل عنه، وسأكون شديد الاقتصاد في ذكر الحوادث والأخبار والتواريخ التي تتصل بحياة الأشخاص الذين سأعرض لهم في هذه الفصول؛ لا لأني أهمل هؤلاء الأشخاص إهمالاً، أو أنسى تأثيرهم العظيم في البيئة التي نشؤوا فيها، بل لأن لي رأياً أظن أنه هو الرأي المقرر الآن عند الذين يعنون بتاريخ الآداب والآراء، وهو أن هذه الآداب والآراء على اختلافها وتباين فنونها ومنازعها، ظواهر اجتماعية أكثر منها ظواهر فردية، أي أنها أثر من آثار الجماعة والبيئة أكثر من أن تكون أثراً من آثار الفرد الذي رآها وأذاعها. وإذا كان الأمر كذلك، فليس من الحق في شيء أن تنسى الجماعة التي هي المؤثر الأول في ظهور الآداب والآراء الفلسفية، وتقصر عنايتك على الفرد الذي كان مظهراً لهذه الآداب أو لهذه الآراء.. ».
نماذج من أشهر كتب التراجم العربية
أجهد الكتاب والمصنفون من المشارقة والمغاربة أنفسهم في الترجمة لأعلام الشعر والأدب والحديث والفقه والأصول... إلخ. فلم يخل قرن من ظهور مؤلفات تعنى بهذا اللون من النشاط العلمي والتوثيق المعرفي. ومن أشهر المصنفات التي ظهرت في المشرق العربي:
- طبقات ابن سعد، لأبي عبدالله محمد بن سعد (ت 230هـ).
- طبقات فحول الشعراء، لابن سلام الجمحي (ت 231هـ).
- الشعر والشعراء، لابن قتيبة (ت 276هـ).
- البارع في أخبار الشعراء المولدين، لهارون بن أبي منصور المنجم البغدادي (ت 288هـ).
- الأغاني، لأبي الفرج الأصبهاني (ت 356هـ).
- يتيمة الدهر، لأبي منصور الثعالبي (ت 429هـ).
- دمية القصر وعصرة أهل العصر، لأبي الحسن علي بن الباخرزي (ت 467هـ).
- زينة الدهر في لطائف شعراء العصر، لأبي المعالي الوراق الحظيري (ت 568هـ).
- خريدة القصر وجريدة العصر، للعماد الأصفهاني (ت 597هـ).
- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لشمس الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن خلكان (ت 681هـ).
- سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي (ت 748هـ).
- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني (ت 852هـ).
- الطبقات الكبرى (الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية)، لعبدالوهاب بن أحمد بن علي الشعراني (ت 973هـ).
- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، لعبدالقادر بن عمر البغدادي (ت 1093هـ).
- سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، لمحمد بن خليل المرادي (ت 1206هـ).
أما أشهر المؤلفات التي ظهرت في بلاد المغرب والأندلس:
- طبقات الشعراء بالأندلس، لعثمان بن ربيعة (ت 310هـ).
- الشعراء من الفقهاء بالأندلس، لأبي الفتح بن رقاص بن عيشون (ت 338هـ).
- أخبار الشعراء بالأندلس، لأبي سعيد الخير المرواني (ت 340هـ).
- شعر الخلفاء من بني أمية، لعبدالله بن مغيث الأنصاري (ت 352).
- كتاب الحدائق، لابن فرج الجياني (359هـ).
- البديع في وصف الربيع، لأبي الوليد إسماعيل بن حبيب (ت 440هـ).
- الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى، لأبي عمر يوسف بن عبدالله بن عبدالبر النمري القرطبي (ت 463هـ).
- المقتبس من أنباء أهل الأندلس - لابن حيان القرطبي (ت 469هـ).
- جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، لأبي عبدالله محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي الأندلسي (ت 488هـ).
- حديقة الارتياح في وصف حقيقة الراح، للوزير أبي عامر بن مسلمة (ت 510هـ).
- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لابن بسام الشنتريني (ت 542هـ).
- عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية، لأبي العباس أحمد الغبريني (ت 704هـ).
- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، لأبي العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت 1041هـ).