المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العفة في التراث الشعري


Eng.Jordan
12-11-2012, 09:27 PM
الكاتب : ميلود الجملي - المغرب

كان العرب في جاهليتهم يرون في مكارم الأخلاق زينة للرجل، فالرجل الشريف لا يكون مهاباً في قومه إلا إذا كان جواداً كريماً شهماً شجاعاً عفيفاً وحامياً يغيث الجار، يفي بالعهود ويصدق القول.. ونحن لا ندعي أن كل العرب كانوا على خلق سوي جميعاً، وإنما نريد التأكيد بأن هذه الأخلاق في ثقافتهم وعُرفهم هي أسمى ما يجب أن يكون عليه العربي. وكثيراً ما قيل عن كرم حاتم الطائي الذي كان يؤثر على نفسه، فيقري الضيف ويبيت جائعاً، ويعطي عطاء من لا يخاف الفقر.

وكان عروة بن الورد فارساً مغواراً وشاعراً جواداً يلقب بعروة الصعاليك. والصعلوك عند العرب هو من لا يجد قوت يومه، ويعيش على السلب والنهب والغارة. وقد كان عروة يغير على الأغنياء فيسرق أموالهم وإبلهم ومواشيهم ويقسمها على الفقراء بالتساوي فلا يفضل نفسه عليهم. قال عبدالملك بن مروان: «من قال إن حاتماً أكرم الناس فقد ظلم عروة بن الورد».
وأما الشنفرى، وهو أيضاً أحد الشعراء الصعاليك، فقد كان مثلاً في العفة والترفع عن الدنايا، ولاميته الشهيرة شاهد على ذلك. يقول:
وإن مُدَّت الأيدي إلى الزاد لم أكن
بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
ويأتي هذا البيت بعد افتخار الشاعر بفروسيته وشجاعته، فهو عند الإغارة مقدام يتقدم الفرسان، ولكن إذا وضع الطعام كان آخر من يمد إليه يده حتى وإن كان أكثرهم جوعاً؛ لأن أعجل الناس إلى الطعام أجشع وأطمع، والشاعر لا يرضى أن يكون جشعاً طماعاً.
فالشاعر الأبي العفيف يستطيع أن يتحمل الجوع، ولكنه لا يتحمل أن يوصف بالجشع، وهو ما يتضح من خلال قوله:
أُدِيـمُ مِطَالَ الجوع حتى أُميته
وأضرب عنه الذكر صفحاً فأذهل
وأستفُّ تُرْبَ الأرض كي لا يرى له
علـيَّ من الطول امرؤ متطول
ومعناه أن الشاعر يتناسى أمر الجوع حتى يميته، ويفضل أن يأكل تراب الأرض على أن يمد يديه لأحد. فألم الجوع بالنسبة إليه أخف من امتنان الناس وتفضلهم بالجميل عليه.. فلله دره من شاعر نشأ في وسط جاهلي، ومع ذلك يؤثر عزة نفسه وعفتها وإباءها على المتاع المادي الذي يغرق فيه مجتمعنا اليوم. وما أروع قوله:
وأغدو على القوت الزهيد كما غدا
أزلُّ تهاداه النتائف أطحل
بل ما أروع قوله:
ولكن نفساً حرة لا تقيم بي
على الضيم إلا ريثما أتحول
وفي هذا المقام –مقام العفة- بيت لعنترة العبسي يصف عفته:
وأغض الطرف عن جارتي
حتى يواري جارتي مثواها
ولحاتم الطائي:
أما والذي لا يعلم الغيب غيره
ويحيي العظام البيض وهي رميم
لقد كنت أطوي البطن والزاد يشتهى
مخافة يوماً أن يقال لئيم
ومن أروع الأمثلة على العفة، ما كان عليه الشعراء العذريون، وهم قوم عرفوا بالحب الصادق العفيف، حتى قيل إنهم إذا أحبوا ماتوا وهم لا يعرفون إلا امرأة واحدة في حياتهم. فلذلك نسب كل شاعر منهم إلى حبيبته، فقيل قيس ليلى، وجميل بثينة وكثير عزة.
إن الشاعر العذري روحاني في حبه، إنه أقرب إلى الحب الصوفي، فالشاعر لا يهمه من حبيبته جسدها وإنما روحها. لذلك يخلو ديوان قيس بن الملوح مثلاً أو يكاد من وصف عيني ليلى أو شعرها أو شفتيها، فلا تجد فيه ذكراً لهذه الأعضاء من الجسد إلا نادراً. ولكنه في نفس الوقت يفيض عشقاً وصبابة، ويصف ألم الفراق وعذاب الهجر.
والشاعر العذري يؤمن بأن حبه لا أمل فيه، فلا سبيل إلى لقاء ******ة أو الزواج منها، وإذا كان الناس يعشقون ويتمنون الزواج من عشيقاتهم أو لقائهن على الأقل فإن الحب لا يكون لذيذاً عند العذريين إلا إذا كان متعذراً صعباً وهو ما يعبر عنه المتنبي -وهو ليس طبعاً من العذريين- بقوله:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه
وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي
فالحب العذري إذن حب بلا أمل. يقول:
وما صبابة مشتاق على أمل
من اللقاء كمشتاق بلا أمل
إنه حب الروح للروح لا حب الجسد للجسد، حب يظن فيه المتحابان أنهما يعرفان بعضهما قبل أن يلتقيا، وقبل أن يولدا، وأنهما سيحبان بعضهما حتى بعد الموت وإلى الأبد، إنه حب سرمدي لا انتهاء له. وقد عبر عن ذلك جميل بن معمر في قوله:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا
ومن بعد ما كنا نطافاً وفي المهد
فزاد كمـا زدنا فأصبح نامياً
وليس إذا متنا بمنتقض العهد
ولكنه باقٍ على كل حالة
وزائرنا فـي ظلمة القبر واللحد
فالشاعر قد تعلقت روحه بروح حبيبته (بثينة) قبل خلقهما وبعد أن تحولا إلى نطف، ومن بعد ما صارا صبيين في المهد. وهذا التعلق قد نما بنموهما (فزاد كما زدنا). وهولن ينتهي بعد موتهما (وليس إذا متنا بمنتقض العهد) بل إنهما سيحبان بعضهما حتى بعد الموت في ظلمة القبر واللحد.
وإذا كان العاشقان في سعي دائم إلى الوصال، فإن جميلاً يرضى من بثينة بالقليل، فهو يكتفي بالمنى والأمل الذي لن يتحقق، ويرضى بالنظرة العجلى، وبأن تمر السنة كاملة دون أن يراها. ولعل أبيات الشاعر أكثر تعبيراً عن هذا المعنى:
وإنـي لأرضى من بثينة بالذي
لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بـلا أو بألا أستطيع، وبالمنـى
وبالأمل المرجو قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي
أواخره ما نلتقي وأوائله
وكذلك كان حب قيس بن الملوح لابنة عمه ليلى حباً عفيفاً صوفياً سرمدياً لا ينتهي بانتهاء الحياة أو بتغير الأحوال. يقول:
فشب بنـو ليلى وشب بنو ابنها
وأعلاق ليلى فـي فؤادي كما هيا
ولم يُنسني ليلى افتقار ولا غنى
ولا توبة حتى احتضنت السواريا
بل إن قيساً يذهب في حبه لليلى مذهباً غريباً عن العشاق. فهولا يرجو لقاءها، وهي لا ترجو لقاءه، بل إنه يستحيي حتى من أن تُعرض له في المنى والأحلام بوصلها. قال:
خليلان لا نرجو اللقاء ولا نرى
خليلين إلا يـرجوان تلاقيـا
وإني لأستحييك أن تعرض المنى
بوصلك أو أن تعرضي في المنى ليا
وكأن الشاعر يجد لذة في عذاب الهجر والبعد، ويرى بأن اللقاء سيفسد عليه هذه اللذة. بل لقد صرح الشاعر أنه يتمنى استمرار هذه المعاناة التي يعانيها لأنه يجد فيها لذة. يقول:
فإن كنت مطبوباً فلا زلت هكذا
وإن كنت مسحوراً فلا برأ *****
ومعناه: إذا كنت مريضاً (مطبوباً) فأنا لا أتمنى أن يزول هذا المرض، وإن كنت مسحوراً فلا أريد أن يزول هذا *****.
وما ذلك إلا أن الشاعر يجد لذة في هذا العذاب، هي اللذة التي عبر عنها سامي البارودي وهو من شعراء البعث بقوله:
هي النار في الأحشاء لكن وقعها
على كبدي مما ألذ به برد
والشاعر العذري لا يرى أن اللقاء سيروي ظمأه، فهو ليس إلا كالماء المالح لا يزداد شاربه إلا عطشاً، وهو ما يعبر عنه قيس بقوله:
فلو تلتقي أرواحنا بعد موتنا
ومن دون رمسينا من الأرض منكب
لظل صدى رمسي وإن كنت رمة
لصوت صدى ليلى يهش ويطـرب
ومن روائع الأبيات التي تتجلي فيها عفة الشاعر قوله:
وإني لأستغشي وما بي نعسة
لعـل خيالاً منك يلقى خياليـا
وأخرج من بين البيوت لعلني
أحدث عنك النفس بالليل خاليا
ومعناه أن الشاعر يضطجع فينام، رغم أنه ليس له رغبة في النوم، وما ذلك إلا ليرى خيال ليلى في أحلامه، وربما اعتزل الناس وخرج من البيوت إلى الصحراء الواسعة حتى يتحدث في نفسه عن ليلى بعيداً عن الناس، فرؤية ******ة في الأحلام وتحديث النفس بها بعيداً عن الناس متعة عند الشاعر العذري لا تعد لها متعة.
قد تعد مجنوناً أو فاشلاً إذا تحدثت اليوم أمام هؤلاء القوم عن الحب المستحيل في زمن أجهزة التحكم والمصاعد الكهربائية، حيث صار الإنسان يحصل على مبتغاه بضغطة زر، حيث يدوس الإنسان كرامة أخيه الإنسان ويمرغها في التراب، ثم لا يخجل من نفسه ولا يتجرأ ضميره أن يحاسبه على ذلك. لقد صار الحب شيئاً يمكن أن تدفع مقابله قروشاً قليلة، وصار له معنى آخر لعل صلاح عبدالصبور كان أقرب إلى تصويره حين يصف شعر تفعيلة قال:
الحب يا رفيقتي قد كان
في أول الزمان
يخضع للترتيب والحسبان
نظرة فابتسامة فسلام
فكلام فموعد فلقاء
اليوم يا عجائب الزمان
قد يلتقي في الحب عاشقان
من قبل أن يبتسما
الحب في هذا الزمان يا رفيقتي
كالحزن لا يعيش إلا لحظة البكاء
أولحظة الشبق
الحب بالفطانة اختنق