المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في أسباب تقهقر القصة


Eng.Jordan
12-11-2012, 09:30 PM
الكاتب : أحمد عمر - سوريا
لِمَ خَفَتَ صوت القصة؟ القصة تكاد تتحول إلى صوت بلا صدى، والسبب هو أن دوام الحال من المحال، وكما يضع الله أقواماً ويرفع آخرين كذلك يضع الزمان فنوناً ومذاهب ويرفع أخرى. وكما أن للمال بورصة كذلك للفن بورصة وللأزياء والكتب. بالزمن تهبط أعمار دول وحضارات كما يقول ابن خلدون، وبالزمن أيضاً يهبط فن ويصعد آخر. فالإنسان بطبعه يميل إلى التغيير، وهو بطبعه سريع الضجر ولولا الضجر لما غزا الإنسان الفضاء ومشى على القمر.
لخليل حاوي قصيدة بعنوان (جنة الضجر). البرتو مورافيا له رواية بعنوان السأم، وهي تعيد تكوين كل شيء إلى السأم والملل. القلب قلاب، وسبحان مقلب القلوب، فمن كان يصدق أن فناً مثل الفيديو كليب سيغزو الثقافة السمعية ويقهرها، ومن كان يصدق أن فناناً مثل المكوجي البسيط شبه الأمي شعبان عبدالرحيم سيصبح نجماً يدعى لإقامة حفلات الأمراء والملوك، أما نجومية هيفا وهبي فهي مفهومة ولا تحتاج إلى تعليق. أما خلود الفن وصموده للزمن العاتي فهذا أمر آخر.
لقد وقف الشاعر العربي على الأطلال طويلاً، ثم غادر متردم الأطلال فجلس ليكتب القصيدة من دون مقدمات، ثم كتب الأندلسيات، وحديثاً كتب الشعر الحديث الذي صار ملعباً لكل من تجاوز الأمية وفك الخط، حتى اخترع قصيدة اسمها قصيدة البياض (صفحة بيضاء)، وقصيدة تيار الوعي التي هي عبارة عن هذيان لغوي لا يعني شيئاً!!
لقد سادت القصة في فترة الخمسينات وحتى السبعينات، وكان الفن الروائي المستورد محط الازدراء، وكانت الجريدة الورقية بحاجة إلى قصة يومية في الصفحة الثقافية، وكان المسافر يأخذ زاده معه، لكن محلات الفطائر والوجبات السريعة تنتشر في كل مكان. لقد انقلب الحال كثيراً بعد نشوء الشبكة العنكبوتية، وولادة الفضائيات والفن البصري الكسول السهل وخاصة مسلسلات بقع الضوء والمرايا والقفشات السريعة التي تعيش على قصة الفكرة. المؤلف غدا يبيع فكرته –الجملة- التي يمكن تكليف محترفين كتابة سيناريو لها، وقد يكون المؤلف أمياً مثل شعبان عبدالرحيم، فالصورة بجهود المنتج والممثل والمخرج والديكور تعوض عن السرد القصصي، تقهقرت القصة، وانكشمت واكتفت الجرائد بالقصص النفسية التي لا تستطيع اللوحات التلفزيونية تقديمها. تراجع الفن القصصي بنشوء بنوك الشات والدردشة (اللغو)، وانتشرت مفارقات العالم المصورة بالفيديو الجوال والصور والمفارقات السريعة.
ومع عصر السرعة وسيولة المعلومات نشأ فن اسمه (فن القصة القصيرة جداً) والذي سك السوريون الساخرون له مصطلحاً اسمه (الققج). وهو فن سهل، مائع، مهرج، برع فيه أرباع الموهوبين الكسالى. فن لا يحتاج حتى إلى ورقة وقلم، يمكن تسميته بالقصة الشفاهية ومبلغ علمي أن فن القصة القصيرة جداً يموت أو يحتضر على الأقل.
لكن هنا يبزغ سؤال: هل فن الرواية في صعود؟
الأمر كذلك، فالمثقفون يشعرون بميوعة الفن السردي، وترذيله، فالعصر الذي يسمى بعصر المعلومات عصر أمي، أبطاله جهلة، يعرفون كثيراً من المعلومات لكنهم لا يفقهونها، يكررون ببغائية أقوالاً مثل: العالم قرية صغيرة، وقد تكون كذلك لكن سكان هذه القرية مغتربون، حواجز الهويات بينهم عالية، مهما يكن فإن الرواية محاولة لاستعادة السرد والحكاية عبر الصبر.
الجوائز المرصودة لها كثيرة، فالفن الروائي يستوعب الفنون كلها، الشعر والسينما والمسرح والقصة كونديرا يمزجها بالفن الموسيقي أيضاً، وهو فن يحتاج إلى الدأب والمثابرة، والتحدي، (والوقوف على الأطلال والتذكر) مع أن القصة فن صعب. الرواية عمارة بينما القصة صبة بيتون كما يقول ماركيز. لكن الفن الروائي قد يقع في الثرثرة. مهما يكن فإني أعتقد أن الحكاية لن تموت، فالصورة حكاية والفيديو القصير حكاية، وقصة الخلق حكاية، والإنسان هو حكاية، حتى القصيدة هي قصة أو قصص، قد تصغر إلى صورة أو لحظة أو شعور وما يبقى من الإنسان في النهاية حكاية وسيرة ذاتية كما يقول عروة بن الورد: أحاديث تبقى والفتى غير خالد... إذا هو أمسى هامة تحت صبر.
الخلق دراما قصصية: إله، ملاك، إنسان، شيطان. خلق الله الإنسان ومن ضلعه الحاني السابع على القلب خلق زوجه –يشتاط (المساواتيون)، وجماعات (التمركز حول الأنثى) الفيمنيزم غضباً من هذه الجملة التي يعتقدون أنها تمييزية وتستحق العقاب والقصاص- ذلك الضلع الأعوج اللذيذ الجميل، وهذه أجمل قصة كونية وأجمل قصيدة بشرية.. لا دراما بلا كائنات متمايزة طبعاً وتكويناً. دارون صاحب أصل (الأنواع) واللاماركيون والعدميون يقولون إن الإنسان تطور من بروتين نشأ في الكون مصادفة ويمضي إلى العدم.!! وهم بنظريتهم هذه ينفون الدراما، وينفون النهاية (الحساب والخالق) ويعدمون الحكاية ويعدمون الشعر. الفنون تتطور وتكبر وتمرض وتهرم، والزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض.
أعتقد أن القصة ستعود وسيعود الشعر العربي العروضي أيضاً.. انتظروا. سنقف بعد أيام على الأطلال. الأطلال التي سنقف عليها ستكون أنقاضاً لا رومانسية فيها، وقد تكون أنقاضاً (جميلة) مثل (المولات) وأغاني الفيديو كليب وتستحق التقاط صورة تذكارية بجانبها، لا كما كانت ديار عبلة وزينب وهريرة.