المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النص الذكي: هيمنة ثقافة الصورة


Eng.Jordan
12-11-2012, 09:32 PM
الكاتب : إبراهيم عبدي - سوريا

يبدو أن ثمة حقيقة تكرست في السنوات الأخيرة ضمن المشهد الثقافي العربي تقول إن القصة القصيرة تتراجع أمام الأجناس الأدبية الأخرى، وهي تتراجع كذلك لصالح فنون ووسائل تعبيرية بصرية أصبحت تهيمن على يومياتنا مثل الفضائيات والإنترنت والأقراص الـمدمجة، وهو ما يمكن اختزاله بهيمنة ثقافة الصورة.

وفي كتابه (زمن الرواية)، الصادر قبل عدة سنوات عن دار المدى بدمشق، يحشد الناقد المصري المعرف جابر عصفور الأدلة والبراهين على أننا نعيش، وكما يشير عنوان الكتاب، زمن الرواية حيث يطبع هذا الجنس الأدبي ويوزع ويقبل على كتابته الأدباء وفق نسب عالية قياساً إلى الأجناس الأدبية الأخرى وخصوصاً القصة القصيرة والشعر. ولئن كان الشعر، ولقرون مضت، (ديوان العرب)، فإن الرواية راحت تنتزع هذه الصفة من الشعر لتكون هي (ديوان العرب في العصر الحديث).
ثمة من سيعترض، بالطبع، على هذا الاستنتاج، وسيقول بأن الفن الجيد والصادق والمعبر لا يخضع للتصنيفات، فقد تعادل قصة قصيرة واحدة؛ مكتوبة بشغف واهتمام، عشرات الروايات الرديئة، والعكس صحيح أيضاً. وثمة من يدلل على تراجع الشعر، مثلاً، بأن الثقافة الاستهلاكية أصبحت طاغية على نحو لم يبق مكان لنص شفاف وهش ورقيق كالشعر. لكن الشاعر والناقد السوري أدونيس يرد، هنا، بما معناه أن الحاجة إلى الشعر تزداد في مثل هذه الأوقات بالضبط، أي حين تهيمن القيم الاستهلاكية، فلابد من أن نصحح هذا المسار الخاطئ بإنتاج نص يخاطب الروح والوجدان والعواطف، أي الشعر.
لن نخوض، هنا، في سجالات قد تقودنا إلى متاهات لا تخطر على البال، لكن وبالاعتماد على لغة الأرقام في مجال القصة القصيرة، فإن الملاحظ تراجع نسب التأليف والنشر والتوزيع فيما يتعلق بهذا الحقل السردي الذي لم يعد يحظى باهتمام دور النشر، وكذلك الكاتب راح، بدوره، يهتم بكتابة الرواية لتصبح القصة القصيرة فسحة تشبه استراحة المحارب.
وتأسيساً على ذلك، وبناء عليه، لم يجد القارئ، بدوره، بداً من الانصراف النسبي عن القصة القصيرة، والإقبال على أجناس أدبية أخرى في مقدمتها الرواية. وغني عن البيان أن المعادلة هنا مترابطة، إذ يتحمل الكاتب من جهة، والمتلقي من جهة ثانية مسؤولية تراجع القصة القصيرة، فضلاً عن الصعوبة التي تميز كتابة القصة القصيرة، وهذا ما أشار إليه القاص والناقد السوري الراحل فؤاد الشايب، إذ قال «إن فن القصة صعب جداً، بل من أصعب فنون القول جميعاً، بما في ذلك الشعر، وبسبب صعوبة هذا الفن، نحن بعيدون عن أن نسير في مضماره، وأن الذين يخلدون في هذا الفن قلة قليلة».
يعترض الشاعر والناقد السوري بندر عبدالحميد على حقيقة تراجع القصة القصيرة، فهو يرى أن «النصوص الجيدة؛ المكتوبة بمهارة، وبمعزل عن التصنيفات، هي التي تحظى بالتقدير في كل الأزمنة»، متسائلاً «هل يستطيع أحد أن يلغي، مثلاً، نصوص بورخيس، وغوغول، وتشيخوف، وكافكا القصصية من المشهد الأدبي العالمي، أما على المستوى العربي فثمة أصوات لا يمكن تجاهلها مثل يوسف إدريس، زكريا تامر، عبد السلام العجيلي وسواهم».
ويقر عبدالحميد أن «عالم اليوم بتعقيداته وتشابكه وصراعاته قد يكون ملائماً لنص روائي يتمتع بالرحابة واتساع النظرة، لكن ذلك لا ينفي أن القصة القصيرة كنص ذكي ولماح ومكثف، قادر، بدوره، على تناول قضايا معقدة وبأسلوب جمالي شريطة أن يتولى ذلك قاص يمتلك المهارة والموهبة»، لافتاً إلى أن «فن القصة القصيرة يعد من السهل الممتنع، وليس في مقدور غالبية الكتاب إنجاز نص ينطوي على تلك اللمحات والومضات الذكية التي تميز القصة القصيرة».
لمحة تاريخية
منذ مطالع القرن العشرين وحتى نهاية القرن المنصرم، عاشت القصة القصيرة السورية مراحل مزدهرة، وبلغ هذا الازدهار أوجه في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ليبدأ العد العكسي مع مطلع الألفية الثالثة. ويمكن ذكر أسماء تركت بصمات واضحة ضمن مسار القصة القصيرة السورية مثل سعيد حورانية، وزكريا تامر، وحسيب كيالي وسواهم. وقد أحصى القاص السوري أحمد إسكندر سليمان في كتابه (موسوعة القصة السورية الجديدة) نحو 880 مجموعة قصصية لنحو 300 كاتب صدرت في الفترة الفاصلة بين مطلع ثلاثينات القرن الماضي وحتى منتصف التسعينات (أي بمعدل 20 مجموعة قصصية في كل سنة). ويمكن اعتبار القصاصين علي خلقي، محمد النجار، عبد الله يوركي حلاق، خليل هنداوي من رواد القصة القصيرة في سورية. ويرى النقاد أن علي خلقي صاحب مجموعة (ربيع وخريف) الصادرة عام 1931، هو الرائد الأول للقصة القصيرة الناضجة فنياً في سوريا، وتضاعف أعداد كتاب القصص في العقود اللاحقة ليقفز الرقم من نحو 34 قاصاً في الخمسينات إلى نحو 85 قاصاً في عقد التسعينات.
واللافت أن هذا النشاط القصصي واكبه نشاط نقدي مماثل، فصدر العديد من الكتب النقدية حول فن القصة القصيرة، ومنها مثلاً (محاضرات عن القصة القصيرة في سوريا حتى الحرب العالمية الثانية)، لشاكر مصطفى 1958، و(القصة في سوريا والعالم) لصلاح دهني 1965، و(صفحات مجهولة في تاريخ القصة السورية) لعادل أبو شنب 1966، و(القصة القصيرة في سوريا) لمحمود إبراهيم الأطرش 1982، و(التطور الفني لشكل القصة في الأدب الشامي الحديث) لنعيم اليافي 1982، و(القصة القصيرة في سوريا -ريادات ونصوص مفصلية) لحسام الخطيب 1998، و(فكرة القصة، نقد القصة السورية) لعبد الله أبو هيف 1981.. وسواها من الكتب التي برهنت، من ناحية الكم على الأقل، على الحضور القوي للقصة القصيرة.
وهذا الثراء القصصي السوري لم يقتصر على الكم، بل انطوى، كذلك، على تجارب وأصوات ومعالجات مختلفة، إذ عرفت القصة القصيرة السورية أنماطاً وأساليب كتابية شتى، شأنها في ذلك شأن القصة القصيرة العربية عموماً، فثمة من كتب القصة الواقعية الملتصقة بحرارة الإيقاع اليومي، وثمة من نزع نحو الرومانسية والأسلوب الغنائي، وآخرون جنحوا باتجاه القصة الفلسفية الذهنية والقصة الوجودية تحت تأثير كتابات الوجوديين وعلى رأسهم جان بول سارتر، تلك الكتابات التي وجدت طريقها إلى اللسان العربي بكثافة. وهناك بعض القصاصين الذين حلقوا في فضاء الشاعرية من أمثال حيدر حيدر، بل تأثرت القصة القصيرة السورية بفضاءات الواقعية *****ية التي برع فيها كتاب أمريكا اللاتينية وأبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، ولا بد هنا من الإشارة إلى الدور الكبير الذي لعبه المترجم صالح علماني، إذ ترجم أبرز النتاجات الأدبية لماركيز، وماريو بارغاس يوسا، وإيزابيل الليندي، وأنطونيو سكارميتا، وألفارو موتيس، وجوزيه ساراماغو.. وغيرهم. ولم تغب القصة الساخرة عن المشهد القصصي السوري، وقد برع فيها، فضلاً عن حسيب كيالي، عدد من الأقلام القصصية مثل وليد معماري وخطيب بدلة ونجم الدين السمان وعبد الحليم يوسف وأحمد عمر وغيرهم.
أحمد عمر يقر بوجود أزمة على مستوى القصة القصيرة، ويطالب بـ«ضرورة الاعتراف بذلك»، موضحاً أن «الأسباب كثيرة منها ما يخص فن القصة القصيرة نفسه، ومنها ما يتعلق بالمناخ الثقافي العام الذي يعاني من الفوضى وعدم القدرة على الفرز بين غث النص وسمينه، بالإضافة إلى غياب النقد الأدبي البناء القادر على التأسيس لتقاليد كتابية تظهر قيمة النص، جمالياً وفنياً، ولا تركز على جنسه».
ويوضح عمر أن «الكتابة القصصية مظلومة من ناحية الاهتمام النقدي، فمعظم الدراسات عن السرد تتناول الرواية، مع أن النظريات المستخدمة يمكن أن تطبق على القصة القصيرة كذلك، إذ لا يمكن الفصل، بشكل تام ودقيق، بين القصة والرواية، وخصوصاً في وقتنا الحاضر حيث تتداخل الأنواع الأدبية، وإذا كان التمييز يتعلق بالحجم فحسب، فإن أي فصل في رواية يمكن أن يعد قصة قصيرة».
ويتابع عمر أن «للقصة القصيرة، رغم ذلك، تقنية معقدة لا يدركها الكثيرون، لذلك تجدهم يميلون إلى الرواية لأنه جنس أدبي جذاب، وقادر على استيعاب الثرثرة والكلام المجاني على عكس القصة القصيرة التي تتطلب مراساً وحنكة من نوع خاص»، لافتا إلى أن «تراجع القصة لا يكمن في ذلك فحسب، بل تراجعت لأن وسائل الإعلام تجاهلتها، وكذلك فعلت دور النشر التي لا تقبل عليها كما كان الحال في الماضي).
الشاعر والناقد السوري طه خليل يقر، بدوره، بوجود أزمة، نافياً أن تكون الأزمة مقتصرة على القصة القصيرة، بل هي أزمة تمتد لتطال الفنون المختلفة من المسرح إلى التشكيل إلى الأدب إلى السينما، فمطربة من الدرجة الثالثة قد تجذب حضوراً يعادل أضعاف العدد المتوقع لحضور أمسية قصصية أو شعرية أو عرض سينمائي أو مسرحي جاد، ناهيك عن أن وسائل الاتصال، وخصوصاً البصرية منها، باتت تحتل حيزاً واسعاً من الاهتمام.
ويعتقد خليل أن «ثورة الاتصالات، وإن أسهمت في شيوع المعلومة على نحو واسع، لكنها قلصت من مساحة الثقافة الجادة، خصوصاً أن معظم مستخدمي التقنيات الحديثة يستخدمونها لأغراض تافهة كالمحادثة (التشات) وزيارة المواقع الرديئة في وقت يمكن فيه توظيف الإنترنت على نحو مفيد، ومثمر، وبالتالي فإن هذه الممارسات الكسولة قطعت الطريق أمام الفنون الراقية ومنها القصة القصيرة».
القصة القصيرة جداً
تتباينت الرؤى بشأن هذا الجنس الأدبي، الذي بات يعرف بـ(القصة القصيرة جداً)، والمولود، بالأساس، من رحم القصة القصيرة التقليدية. ففي حين يرى الناقد السوري سمر روحي الفيصل أن القصة القصيرة جداً تشهد إقبالاً كبيراً، لكن ترسيخها كجنس أدبي شائع يتطلب وقتاً؛ فإن يوسف حطيني يعرب عن تفاؤله بمستقبل القصة القصيرة جداً في حال توافر كتاب مميزين. أما القاص والشاعر السوري عمر كوجري، فينفي أن تكون القصة القصيرة جداً موضة معرضة للاندثار بعد فترة ذلك أن عدد كتابها يزدادون، وثمة من يعترض على هذا المصطلح مثل الناقد خالد الحسين الذي يقول بأن هذه التسمية غير مطروحة في الدراسات النظرية حول الأدب عموماً، معرباً عن اعتقاده أن القصة هي قصة سواء جاءت في بضعة أسطر، كما هو الحال بالنسبة للقصة القصيرة جداً، أو في بضع صفحات، كما هي الحال بالنسبة للقصة القصيرة التقليدية»، ويشدد الحسين على أن الأهم هنا وهناك، هو «ومضة الإبداع والمهارة والتميز بصرف النظر عن الحجم».