المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين الشعر والسرد ثمة معركة


Eng.Jordan
12-11-2012, 09:34 PM
الكاتب : عبدالحفيظ الشمري - الرياض
لا يختلف اثنان على أن هناك خصومة ما، بين كياني الشعر والسرد، فلو لم يكن بينهما خصومة واقعية أو مفترضة فلا بد من وجود مثل هذا النوع من التنافس بين هذين الفنين المتزاحمين دائماً ذروة على الريادة وسنامها المتمثل في لفت ذائقة المتلقي إلى هذا الفن أو ذاك.
التنافس بين فني الشعر والسرد أو لنقل المعركة بينهما إذا سلمنا بها لا تزال حتى اليوم متكافئة ومتوازنة، ففي كل جولة يظهر أحد الطرفين شبه منتصر، إلا أنه لا يلبث حتى يترنح أمام غريمه التقليدي، فصراعهما فيما يبدو مد وجزر، وأخذ ورد.
فالشعراء ومن معهم من متذوقي هذا الإبداع الإنساني الجمالي ينشدون في الشعرية بعدها الطلائعي التنويري الصرف، ذلك الذي يقود الجموع ويحشد الجماهير أو ينافح عن حمى الكيانات حتى وإن اتسمت بالشراسة والدموية على نحو الوصفيات الراعفة لصور الحرب والنزال ودماء القتلى وصهيل الخيل وعدو الجياد في أراضي المعارك في غابر زمن الحرب، بل حتى في المواجع العربية الأليمة للعشاق والمتبرمين من هجر الأحباب لهم، والتغني في كل شاردة بالجمال وبالعيون بمختلف أطيافها.
لا ينسى الشعراء ومريدوهم ترديد مقطوعتهم الدائمة بأنهم أصل الإبداع وفصله، إذ يرونه المجد الذي تأسس منذ القدم من خلال تجليات هذا الفن الحالم حيث عرف بجزالته وبعده الجمالي الآسر.
أما السرد بقصته وروايته ومسرحيته وأهله فإنهم يعولون كثيراً على تنوع فنونه واتكائه على الحكاية بوصفها هاجساً إنسانياً قديماً تستمد الوعي والجذور من قصص هابيل وقابيل وقبلهما الأب الأول آدم وشريكته حواء عليهم السلام جميعاً مروراً بالكثير من الحكايات والمنقولات والعبر التي تكونت منذ أن خلق الإنسان حتى يومنا هذا. لا يستطيع الساردون من كتاب القصة والرواية والمسرحية أن يحددوا هوية المنتمي إليهم نظراً لتماهي الخط الفاصل بين السرد كحالة فنية شيقة معدة بعناية وحرفية دقيقة وبين السرد الحكائي الفضفاض الذي قد لا تضفر منه أحياناً إلا بقبض الريح، نظراً لاتكائه على منظومة البوح الوجداني، أو ما يعرف بالخاطرة التي باتت للأسف خطراً داهماً على فن السرد.
أما من يصنع هذه المعركة فهم ليسوا الشعراء ولا الروائيين ولا قراءهم بمختلف ميولهم إنما هي فئة النقاد والمشتغلين في علم اللغة وأهل الكلام، فهم حقيقة ممن يصنعون هذه الوقيعة بين الشعر والسرد، ليس لهدف معين يراد فيه تقويض فن وقيام آخر، إنما هي لعبة حاذقة فيما يبدو ظهرت بجلاء منذ عهد المتنبي وخدينه ابن جني الذي زعم أو تزعم ما قد يعرف بالنقد من قبيل التقريظ والتعريض لتلك الحالة الشعرية التي افتعلها الشاعر المتنبي رغم جزالته وعدم حاجتها للنقد حينما استدرك ذلك في مقولته الشهيرة (ابن جني أعرف بشعري مني) وكأنه يحيل الخصوم والمناوئين إلى من يتولى شأنهم لينصرف إلى الشعر:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
أما السرد فإنه إن صار بحكم الإبداع جميلاً فهو لن يتكئ بالضرورة على أي عكاز أو مقاربة أو تقريظ أو تعريض به فهو الفن الشعبي الدارج، حيث تسترد الحكاية رونقها وجمالها في هذا المعطف الدافئ والزاهي لهذا الفن الآسر.
لم يعد السرد رواية وقصة مربوقاً بمقولة ناقد أو مقرظ أو مادح أو زامر، إنما هو الفن الذي يستلهم رؤيته من جماليات البناء الوصفي واللغة المناسبة والحدث الشيق وتجليات حيزي المكان والزمان في بناء سليم يخلو من المبالغة والترهل وينأى ببراعة عن مهالك مقولات كان يا ما كان.. أو ما سواها من صور المبالغة في المحسنات والسجع والجناس أو صور الغموض أو البوح الذاتي المبني على شفق زائل من مقولات هشة.
إذاً لابد للقارئ أن يتلمس حقيقة أن ثمة معركة ما بين الشعر والسرد، لكنها معركة في مجملها محمودة العواقب تثير في الذات رغبة التأمل والتقييم، فالبقاء لا محالة للشعر الجميل وللسرد المتأنق، أما ما سواهما من تجارب فإن الزمن والذائق كفيلان بكشف مواطن الضعف والقوة فيهما.