المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النكتة السياسية رأي عام وسهام حادة


Eng.Jordan
12-11-2012, 09:41 PM
الكاتب : د. داليا فهمي - مصر

جميل أن نضحك والأجمل أن نضحك من أنفسنا، ففي ذلك تنفيس وترويح عما نواجهه في الحياة من قلق وإحباط، ولا نعتقد أن هناك شعباً على وجه الأرض -بصرف النظر عن مستواه الاقتصادي، ونمطه الثقافي، ونظـامه السياسي، ودرجة احترام حرية التعبير والرأي فيه؛ لا يضحك من نفسه، أو أنه لا يحب الضحك وتعاطي النكتة، تأليفاً ونقلاً وأداءً للتنفيس عن مكبوتاته، ولربما للضحك من أجل الضحك فقط. ولأن النكتة أحد التعابير الرمزية في المخزون الثقافي المجتمعي فهي تمثل إحدى الركائز لفهم المجتمعات والجماعات الإنسانية، إلا أن النكتة السياسية عنقاء تبعث من رماد التاريخ.. ومع أنها حالة ومزاج، وفن وإبداع، فهي أيضاً موقف وسلاح.

النكتة السياسية يكمن تأثيرها في التقاطهـا الفكرة البسيطة، لبناء عالم معقد وواضح حولها، ولعل الكثيرين لا يعرفون أن المصريين أصحاب أقدم نكتة في التاريخ، تؤكد هذا الباحثة البريطانية (سيرلان دايتون) فتقول «إن أول نكتة في التاريخ قالها مصري قبل 4550 عاماً على جدران المعابد المصرية». والقدم التاريخي يتسق مع الواقع المصري في أن النكتة هي سمة من سمات الشخصية المصرية، بل إنها إحدى الظواهر الطبيعيـة المصرية، ولازمة كل مصري يعيش على أرض المحروسة، مثلها مثل تحية الصباح واحتساء الشاي والقهوة، والشيشة، وأكل الفول والطعمية.
لقد كانت النكتة -خاصة السياسية- جزءاً من الشعب المصري وهو جزء منها، ولذا قيل إن الشعب المصري (ابن نكتة)، وهو تعبير بليغ ووصف قاطع حاسم جامع على علاقة هذا الشعب بالنكتة، لكن الآن تبدل الحال فلماذا؟
كل مسؤول في العالم العربي نال نصيبه من النكت وحقه من السخرية السوداء، وهناك شخصيات بعينها نالت من السخرية والتنكيت ما تعجز عن حمله الجبال، وهناك من الأطفال ببعض المدن العتيقة من فتحوا أعينهم على النكتة وتربوا عليها، فصاروا يبتكرونها ويتناقلونها بحرفية ومهنية يحسدون عليها.
قد تشكل النكتة سلاحاً فتاكاً، فهي قد تذبح بدون أن تجرح، وفي مختلف مراحل الصراع على السلطة شكلت النكتة سلاحاً مضاداً، وكان العديد من القادة السياسيين والمسؤولين الكبار يخشون النكتة السياسية.
في دراسة أجراها مركز البحوث الجنائية والاجتماعية بالقاهرة عن سمات الشخصية المصرية -ومنها النكتة- قالت الدراسة إن النكتة ما هي إلا مخرج فردي من هموم ومتاعب شخصية سببها أزمة عامة، وقد توصلت لهذا التحديد من خلال استطلاع آراء العديد من فئات الشعب، الذين قال %71 منهم إنهم يستمعون إلى النكتة للتخلص من الهموم والمتاعب لبعض الوقت، ولو كان هذا هو الوقت الذي تستغرقه رواية النكتة مجرد ثوان معدودة، بينما قال %17 من أفراد العينة إنهم يستمعون للنكتة لمعرفة آراء الآخرين، ومن الغريب أن الدراسة قالت إن %81.5 من المصريين لا يتذكرون النكتة بعد سماعها، وأن أكبر رواة النكتة ومتداوليها هم من الفئة العمرية أقل من 25 سنة الذين بلغوا %27.8 مقابل %7 من الأعمار حتى 55 سنة.
أما الأكثر دلالة فإن أغلب منتجي ومستمعي النكتة من المتعلمين، والذين يستمعون للنكتة %39 تعليمهم عالٍ، %24 تعليمهم متوسط، %7 أميون. إذن فالذين يستمعون للنكتة فئات مثقفة أو متعلمة ومن الفئات العمرية المؤثرة من الشباب، وهو ما يدل على قيمة وخطورة النكتة وأثرها، خاصة السياسية، فهي أهم سمات الرأي العام المصري، وهو ما تعرفه وتقدره الدولة لدرجة أن الكاتب الصحفي عادل حمودة يقول في كتابه (النكتة السياسية) إنه على مستوى مصر يوجد 59 مركزاً للإعلام الداخلي تتبع هيئة الاستعلامات، وهي مسؤولة عن تجميع النكت ضمن ما يقوله الرأي العام لترسلها بوسائل الاتصال الحديثة إلى القاهرة، فتتجمع هناك وتكتب في تقرير من نسخة واحدة (سري للغاية) يرفع لرئيس الهيئة، ومنه إلى رئاسة الجمهورية، ويتولى كتابة التقرير شخص معروف، وليس أكثر من شخص، ذلك لضمان عدم تسرب أي شيء، وهو الجاني عند حدوث أي شيء.
إلى هذه الدرجة تعرف الدولة قيمة وخطورة النكتة السياسية، ولم يحدث في دولة من دول العالم أن وجّه رئيس دولة (الرئيس جمال عبدالناصر) رجاء مباشراً للشعب في خطاب عام أن يكف عن توجيه وإطلاق النكت السياسية عن الجيش بعد هزيمة 67 لأنها تؤثر في نفوس الجنود، مما يدل على أن النكتة السياسية كانت إحدى سمات الشعب المصري، بل إن النكت السياسية تعتبر مقياساً لدرجة الأمن، كما قال وزير الداخلية المصري الأسبق اللواء حسن أبو باشا، وهو يروي ذكرياته عندما كان مسؤولاً عن جهاز مباحث أمن الدولة، فقد أكد أن جهاز أمن الدولة كان يهتم بتحليل النكت السياسية من عدة جوانب أهمها مدى انتشار النكتة والموضوعات التي تتناولها واستخلاص نتائجها، بمعنى هل هناك اقتناع لدى الرأي العام بسلامة القرارات السياسية أم لا؟ وهل تعبر النكت عن سخط الناس من سياسات معينة أم أنها مجرد نقد عادي؟، وكان جهاز أمن الدولة يقوم بذلك من خلال قياسات الرأي العام، ومن خلاله كانت تتجمع لدى الجهاز الكثير من النكت السياسية المتداولة بين الناس، ويؤكد حسن أبو باشا في أحاديثه الصحفية أنه كان يقوم بعرض تقرير أسبوعي على مجلس الوزراء عن اهتمامات الرأي العام من خلال تحليل النكت السياسية ومدلولاتها لكي تتعرف القيادة السياسية على احتياجات الشارع ومشاكله، ويقول «إن انتفاضة 18 و19 يناير عام 1977 -والتي انفجرت بسبب الزيادة الحادة في الأسعار- كان يمكن تجاوزها لو تمت دراسة النكت حول شدة الأزمة التموينية واتخاذ الإجراءات اللازمة لتقليل الاحتقان، لكن تجاهل هذه النكت أدى إلى انفجار الشعب كله».
ولأن النكتة السياسية بالغة الأهمية على عكس ما يتصور البعض فإن أغلب الزعماء والقادة العرب لم يسلموا من سمومها وبخاصة المصريون وخصوصاً الرئيس الراحل (جمال عبدالناصر) حتى أنه كان يستقبل على مكتبه تقريراً أسبوعياً من وزارة الإرشاد القومي عن أهم اتجاهات الرأي العام، ويضم بين دفتيه أهم النكت السياسية الأسبوعية وتحليلها، لاسيما المتعلقة بالتموين والأسعار. فمثلاً هناك نكتة شهيرة وقتها عن أزمة الأرز، وتحكي أن رجلاً من القاهرة عرف أن الرز متوفر في الإسكندرية فسافر إليها بالقطار كي يشتريه، وفي القطار سأله الكمساري:
- مسافر فين وليه؟
- مسافر إسكندرية عشان اشتري الرز.
ولما وصل القطار إلى طنطا -وتبعد عن الإسكندرية حوالي 100 كلم- قال له الكمساري:
- انزل هنا!
- طب ليه وإحنا لسه موصلناش إسكندرية؟
- مش انت رايح إسكندرية عشان تشتري رز؟
- أيوه.
- طب انزل، الطابور بيبدأ من هنا!
هذه النكتة أصلاً ليست مصرية، وإنما هي بولندية وكانت تحكي عن أزمة اللحوم هناك، وعندما نقلت لمصر وطبقت على أزمة الرز آلمت عبدالناصر للغاية إلى درجة أنه طلب وزير التموين وأمره بتوفير الأرز بأي طريقة، وقد تم ذلك.
النكتة لا تعترف بالمقدسات
هكذا كانت النكتة إحدى وسائل معرفة الرأي العام المصري، الذي يعبر عن نفسه غالباً بالنكتة السياسية، لكن المشكلة أن النكتة السياسية اختفت مؤخراً إلى حد كبير لتضع مئات من علامات الاستفهام، والتساؤلات حول اختفائها وأسباب ذلك ونتائجه أيضاً، فليس من دليل على اختفاء النكتة سوى أن تسأل نفسك متى رويت أو سمعت نكتة سياسية أو حتى عادية جديدة؟ ومتى ضحكت من القلب؟
ربما يكون هناك تحفظ من البعض حول اختفاء النكتة السياسية، على أساس أن النكتة السياسية موجودة لكن المشكلة في الإحساس بالنكتة، فالناس تقول النكتة وهي متضايقة، تقولها كما لو كانت تصرخ، من الحلق وليس من القلب لأن الناس (تعبانة وملهاش نفس)، فالناس تنكت، لكنها نكت خشنة وفجة ومن الحنجرة. الأخطر من ذلك، هو ازدياد حدة الشائعات والشائعة أشد خطورة من النكتة، فالشائعة تدمر، والناس مستعدون لتصديق أي شائعة الآن، حتى لو كانت شاذة، وليس لها منطق، فالشائعة أصبحت أكثر انتشاراً من النكتة خاصة الشائعة ذات الطابع الشخصي، ونحن ميالون لتصديق الشائعات سلبياً، خاصة التي تدل على الرغبة في تدمير الآخر، فالمسألة أن الميل إلى التدمير أصبح أكثر من الحاجة إلى التنفيس، كما أن الشائعة أصبحت تلعب دوراً أكبر في المسائل الاقتصادية، وهو أمر خطير جداً، بل إن بعض التجار يصنعون هذه الشائعات من أجل رفع الأسعار لبعض السلع، والمناخ الاقتصادي قابل لذلك، لأن الناس لا تثق في السياسة الاقتصادية، وإذا كانت النكتة تنفيساً، فالشائعة تخطيط إيجابي لتحقيق أغراض معينة هي في الغالب اقتصادية.. وعامة فالنكتة والشائعة من الحيل الدفاعية التي تلجأ إليها الشعوب المقهورة ضد قاهريها، وضد اليأس، خصوصاً عندما لا يوجد أي أمل في الإصلاح، وتحسين الأحوال المعيشية، إذن فالقضية هنا ليست في النكتة، بل في ضياع الإحساس بها، ثم انتشار ما هو أخطر منها وهو الشائعة التي تدمر في عدة مناحي.
إن اختفاء أو نقصان النكتة السياسية التي كانت تستخدم للتنفيس مقابل العجز أم السلطة، يدل على أن هناك اكتئاباً شعبياً وإحباطاً شديداً، يسد النفس حتى عن الابتسامة، وعامة فالنكتة ترتبط بالضيق، لكن الإحساس بأن ما نحن فيه سيئ، وما هو قادم أسوأ، جعل الأمر وكأن النكتة أذان في مالطة. نحن مكتئبون، وصلنا إلى درجة عالية من الاكتئاب، ومن ثم لا يجب أن تنتظر شيئاً من مكتئب، مع عدم وجود أي بادرة في التعبير، بل حتى لو وجد التغيير والإصلاح، فإن نتائجه ستظهر عبر أجيال بعيدة، ومعنى ذلك أن كل فرد يشعر باليأس حتى مع الإصلاح لأنه لن ينال منه شيئاً، والكل مشغول بتوفير لقمة العيش في ظل ظروف إقليمية عربية ودولية قاتلة، فالجو المحيط محبط، ولا يستطيع أحد أن يلقي نكتة وهو يفكر في الخراب المستعجل الذي لحق ويلحق بنا كل يوم.. أي مجال للنكتة هنا؟.. لن يستطيع أحد أن يفكر في نكتة، وهو يجد أن دخله ينخفض إلى الثلثين.. كيف يفكر رجل مشغول بتعويض هذا النقص المادي الحاد؟.
مع انخفاض وتراجع النكتة السياسية، حدث تراجع أيضاً في المضمون، فقد صار القليل الذي يقال منها سطحياً وسخيفاً وغير ذي قيمة، بل هناك إعادة إنتاج وترديد لنكت قديمة مع تغيير في بعض المفردات، وهذا يتسق مع ما يحدث في المجتمع العربي كله من ترد في شتى مناحي الإبداع، حتى في الكاريكاتير، فنرى كلاماً كثيراً لا يضحك ولا يغني عن ابتسامة سطحية شديدة، وهو نفس حال النكتة، كلام كثير وسطحي، والمعنى كله يدخل في تراجع القدرة على الابتكار. ولدينا نظرية لإبراهام مازلو، تسمى (هرم الاحتياجات).. فالإنسان يبدأ في البحث عن تحقيق ضرورات الاستمرار في الحياة، عن الأكل والشرب، ثم يبحث عن الأمان الاجتماعي في الأسرة مثلاً، والأمان الاقتصادي في العمل ثم الأمان الخاص بالعلاقات الإنسانية، وأخيراً في أعلى الهرم القدرة على الابتكار، وكلما حقق الإنسان درجة من درجات الأمان اقترب من الابتكار، فالابتكار مرتبط ارتباطاً شديداً بالأمن وحجمه ومداه، والعكس صحيح كقاعدة. فإذا فقد أحد عوامل الأمان، فإن قدرته على إنتاج أو إبداع أو حتى استساغة النكتة يبعد ويفتر ويضعف، فالشعور بالأمان قل، وربما لذلك نرى الناس (بتقفش) مع بعضها، بالإضافة إلى الخلل في المجتمع نفسه، هناك أيضاً اختلال في حركة العالم حوله، وليس هناك أي استقرار لا في السياسة ولا الاقتصاد ولا التجارة، فالعالم أصبح حولنا موحشاً ووحشياً ويستعد لضربنا، ولا يمكن مواجهة ذلك بالنكتة، وقد أصبحنا كمجتمع عربي مثل ريشة في مهب الريح. مثل هذا الوضع لا يساعد على شيوع روح الضحك أو الفكاهة أو المرح أو حتى السخرية.
إن تراجع روح السخرية في المجتمع المصري والعربي، أمر ينذر بكارثة، كما يدل على أن هناك تبدلاً كبيراً في روح المجتمع، فالنكتة في المجتمع المصري أشبه بروح الحياة، وغيابها يعني غياب روح الحياة، والشعب المصري شعب عريق له خبراته وتجاربه التي تجعل تعامله مع الحياة متفرداً، ومن ثم فتعامله مع موقف ما يختلف مع تعامل الشعوب الأخرى في نفس الموقف، ومثال على ذلك تعامله مع هزيمة 67 لم يفعلها أحد مثله. لقد تعامل مع كارثة الهزيمة بالنكتة، لكن يبدو أننا تعرضنا لهزيمة أكبر وأعمق وأشرس تمثلت في الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتدني مستوى المعيشة والتفاوت الاقتصادي الرهيب بين فئات الشعب وعدم الاهتمام بالحريات.. إلخ، أضف إلى ذلك ما يحدث في العراق والسودان، والتحرش بسوريا ولبنان وغيرها وضياع الأمل البعيد في تحرير فلسطين.. كل ذلك أصاب الروح العربية في الصميم. فالقاعدة هي أن النكتة السياسية تختفي من المجتمع حينما تصاب الروح والوجدان بالخلل، أو بكارثة تجعل المواطن لا يفكر حتى في نفسه، إذ لم يعد هناك وقت لذلك، وكيف يفكر في ذلك إذا كان جالساً يأكل وهو يعرف أن الطعام الذي يتناوله ملوث، كيف تجعله يفكر وهو يتوقع الموت لمجرد المشي؟ وكيف يمكن ذلك في ظل انتشار الفساد الذي يطغى ويطغى، فيفوز الفاسدون بكل المتع، ويجهضون كل الفرص الحقيقية لتقدم المجتمع وانطلاق إبداعاته وابتكاراته؟.
إبداع سخيف.. لكنه جميل
من المعروف أن النكتة السياسية تنمو في ظل الديكتاتوريات حيث تضعف وسائل الاتصال بالنظام الحاكم، وتسري الرقابة على المنشورات والصحف، وتعجز النقابات العمالية عن أداء دورها، ويستشري الفساد والرشوة والبيروقراطية في الأجهزة الإدارية، ويلجم الخوف كل الألسنة، فلا يعود مجال إلا أن ينطلق طائر النكتة مخترقاً الأسوار والحواجز كي يصل إلى الحاكمين وينبئهم بفساد ما صنعوا، وهي وسيلة تعبير قاصرة، قد لا تملك طريقة التغيير أو حلول المشكلات، بقدر ما هي صرخة الآهات التي تفجرها آلام الشعوب، وحزب النكتة هو الحزب الوحيد الذي تتلاشى عنده كل النزاعات والعصبيات. لكن المصريين ظاهرة غريبة، فقد سخروا من الجميع، حتى قال (المقريزي) عنهم: «ومن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب، والانهماك في الملذات والانشغال بالترهات»، فنجد أن المصريين القدامى سخروا من الهكسوس على جدارياتهم، فصوروهم على شكل فئران وقد جلسوا على كرسي الفرعون بينما القطط –وكانت حيوانات مقدسة عند الفراعنة- تقوم بخدمتهم، فالمصري صار ذليلاً في بلده لمحتل أجنبي، وهكذا نجده يقاوم الأتراك بالنكت والفرنسيين بالنكت، حتى أن (نابليون بونابرت) ذهل من المصريين عندما لم تنطل عليهم حيلة محاباته لدينهم، وقاموا بثورة جارفة ضده، انتهت بالحصار ودك الشوارع بقنابل المدافع وتدنيس الأزهر الشريف بسنابك الخيول، وبعد فشل ثورتهم انطلقوا يسخرون من القائد الفرنسي العظيم ومن جيشه وبلده، حتى اضطر (نابليون) إلى استغلال الدين لتحريم النكت ضد الفرنساوية! ولما استمرت هوجة النكت، تم سن عقوبات رادعة لمنعها، فكان راويها يقتل أو يضرب، ومع كل هذا لم تتوقف النكت، أو (الأضاحيك) كما سماها (الجبرتي).
كانت إحدى المرات القلائل التي توجعت فيها القيادة السياسية من النكت بشكل قاس بعد هزيمة يونيو 1967، وهذا يدعونا إلى تذكر أول خطاب للرئيس عبدالناصر في مجلس الأمة بعد تلك الهزيمة والتنحي، حيث وقف مطالباً أفراد الشعب بأن يكونوا (ناصحين)، لأن النكت آنذاك كانت تهاجم القيادة العسكرية وتعدد خيباتها، وكان العدو يجد طريقه إلى غزو نفسية الشعب ومحاولة تحطيمه من خلال النكت، وقد قام الكاتب عادل حمودة بتحليل نكت هذه المرحلة ليكتشف أنها تروج إلى أن هزيمة العرب مسألة حتمية ومحاربة الإسرائيليين مسألة مستحيلة، ولا يمكن للعرب أن يخدعوا الإسرائيليين، ومن ضمن نكت هذه الفترة، أن مصرياً كان يقوم بالدعاية لبلاده أمام السياح في منطقة الأهرامات فقال: إن مصر أقدم حضارة في التاريخ.. فأعاد صدى صوته ما قاله، ووجدها فرصة كي يكمل فقال: وهي أم الدنيا.. فأعاد صدى صوته ما قاله أيضاً، مما حمسه إلى أن يضيف: وسوف تحارب إسرائيل!، فإذا بصدى صوته يقول: بس يا مغفل!.
مثل هذه النكت القادمة من خارج الحدود، لا تعني أن المصريين لم يتجاوزوا النكسة بروح الانتشاء والضحك، فقد أخرج هذا الشعب العبقري من آلام الهزيمة ما يعينه على تحملها من نكت ونقد لاذع بحق القيادة العسكرية التي خذلته، وشمت فيها بعد أن قهرته واستعبدته، وتدخلت في كل شيء إلا الحروب، لكن المحاسبة لم تتخذ قط شكل التخاذل أوحتمية الرضا بالأمر الواقع، أوعدم محاربة العدو ثانية كما فعلت النكت التي كانت تفوح منها رائحة (صنع في إسرائيل).
إن النكتة عنقاء تبعث من رماد التاريخ ، وقد ارتبطت بالمحرمات الثلاثة: الدين والجنس والسياسة، وقد استعارت الحيوان والطير للحديث بلسان البشر في التراث القديم مثل كليلة ودمنة، حتى ظهورالصحف السياسية الساخرة التي اختصت بتأليف النكتة السياسية مثل: (التنكيت والتبكيت) لابن النديم، و(أبو نضارة) ليعقوب صنوع، ثم ظهور الكاريكاتير الساخر أو النكتة السياسية المصورة كما يسميها الكاتب عادل حمودة، والتي ظهرت في مصر على يد عبدالحميد زكي في أوائل القرن العشرين الذي تجاهله التاريخ، ومروراً بأشهر رسامي الكاريكاتير في مصر مثل (رخا) و(صاروخان)، ثم الصحافة الحزبية في القرن العشرين، وصراع الورق الدامي بين الوفد وخصومه، والسخرية إلى حد الإسفاف والابتذال، فلم تجد النكتة السياسية رواجاً كبيراً في هذه الفترة، وقد قالت الصحف كل ما يمكن للشعب أن يقوله، دفاعاً عن الوفد أو هجوماً عليه! ومع كل ذلك لم نخرج بجواب شاف حول سر قلة النكت السياسية حالياً، هل بسبب ازدياد سطوة الصحف المستقلة والمدونات الإلكترونية وغيرها من وسائل التعبير التي ازدهرت مؤخراً وتعد بديلاً عن النكتة في تفريغ الشحنة المعنوية السلبية لدى الناس؟ أم لأن الواقع الذي نحياه صار أقسى من أن يستثير الضحك في الذات الساخرة؟.
إن النكتة السياسية كأحد التعابير الرمزية في المخزون الثقافي المجتمعي، تمثل إحدى الركائز لفهم المجتمعات والجماعات الإنسانية، فمن جهة يمكن اعتبارها مرآة صادقة لما تحمله من قيم ومعتقدات وممارسات وتصرفات.. ومن جهة أخرى تكشف، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عن الجوانب الخفية للمجتمع سواء كانت في شكل مواقف أو تطلعات أو رغبات مكبوتة.. وذلك لتوفير التلقائية والدلالية للتعابير والرموز الثقافية وخاصة لارتباطها بالواقع الاجتماعي والمعيش اليومي. عشرات النكت تبتكر يومياً على الألسنة، تتناثر على المسامع بأشكالها المختلفة وتتناول الواقع المر بكامله، من أحداث ووقائع وأشخاص أيضاً اسماً ومسمى، ولا يمكنك أن تكون في مكان دون أن يباغتك أحد معارفك بنكتة لم تسمعها من قبل، فلكل مقام مقال، والنكتة دائمة الحضور لأنها في واقع الأمر سلاح المهموم يحملها معه في حله وترحاله بين الطرق المزدوجة بالاكتئاب والمكتظة بشعورالحرمان، وشعور المعاناة، ناهيك عن قلق ضغوط الحياة الناتج عن مختلف تجليات الواقع المر والزمن الرديء. النكتة السياسية موقف وحالة ومزاج كما أنها فن وإبداع.. وكذلك متنفس، ولا يهم أن تمتاز النكتة ببريق جمالي لافت للنظر، بل قد يكون جمالها في سخافتها وقبحها. إنها نتاج فكري طريف يطال كافة شرائح المجتمع، فلا تدع النكتة رجال السياسية ولا رجال الدين ولا عموم الناس.. تطال الأغنياء والفقراء.. الأغبياء والأذكياء.. الصالحين والطالحين.. الطيبين والأشرار. إنها تعبير خيالي طريف ومضحك يثير أحياناً السخرية وأحياناً أخرى الشفقة لما تسعى إليه من مبالغة وتهويل.. وأحياناً تبسيط وتسطيح للأمور فينفس المتلقي. وهناك أجيال خرجوا إلى الوجود وهم يضحكون ولا يدرون لماذا؟!.. أجيال تضحك في السراء والضراء.. وقت الرخاء ووقت الأزمات.. يضحكون قبل الأكل وبعد الأكل.. يضحكون حين البرد والحر.. وفي أحيان كثيرة يضحكون في كل الأوقات إلا في وقت الضحك الحقيقي، فإنهم يجهشون بالبكاء.