المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المثقف ومجموعته: عقدة التمركز على الذات


Eng.Jordan
12-11-2012, 09:50 PM
الكاتب : د. أحمد العيساوي - الجزائر
للمثقف رسالة واحدة ضمن المجموعة التي وجد فيها، وليس له غيرها، رسالته –حسب تصوري– تتمثل في كونه بوابتهم أو نافذتهم نحو النور والسعادة والرقي. فهو جسرهم المتين نحو فهم الأشياء والأحياء والعلاقات والحياة والواقع. ولم يكن في يوم من الأيام له وظيفة غيرها. والمثقف هو المحرك الذي يصنع ويفعل آلية التواصل السوي والسليم مع الذات، وهو الذي يجسر مستويات التفاعل الإيجابي مع الآخر القريب أو البعيد.

هذه الرسالة التي تصورها أفلاطون في جمهوريته المثالية ممثلة في شخصية الفيلسوف منتج الحكمة والمعرفة، والتي اختزلها الفارابي في مدينته الفاضلة في شخصية الحكيم الخبير، الذي له مرتبة النبي في المعرفة والفهم ولكنه -حسب تصوره- ليس بنبي، ولم يشذ عنهما أبو حيان التوحيدي وأبو العلاء المعري وابن رشد والغزالي.. في تحديد معالم ومواصفات هذه الرسالة وهاته الشخصية المتميزة في المجموعة.
والمثقف هو الذي تعتبره مجموعته قائدها الذي يرشدها نحو تشكيل صماماتها الاجتماعية المادية والمعنوية في الإطارين الزماني والمكاني. وهو سيدها الذي لا يمكنها إبرام أمورها المهمة من دونه, فهو بذلك التفاعل مع المجموعة ينال مكانة متميزة، صنعها بما تميز به من مواهب وملكات، وبما انفرد عنها من طاقات خلاقة ونوافذ إبداعية عجزت عنها قدرات المجموعة مشتتة أو موحدة، وخنست نحوها راضية بمنحها المكانة الخاصة فيها.
والمثقفون أنواع وجبلات كثيرة وأنساق موارة في واقع الحياة والناس -حسب ما ذهب إليه أستاذنا المفكر الاجتماعي محمد حافظ دياب- حين شكل سلة مختلفة من أنماط المثقفين بحسب زاوية التعامل معهم، وبحسب أدواتهم ووظائفهم، والزاوية التي تفاعلوا فيها مع مجموعاتهم وإبداعاتهم.
وعليه فرسالة المثقف الفنان هي رسالة الذوق والجمال والفن والرقة في المجموعة، وعلى ضوء تفردات العطاءات الجمالية التي يفرزها تواصله مع مجموعته تتعبد القيم الجمالية التي يضخها في تواصلاته مع مجموعته، فتطمئن له، وتستكين لتمدده ورسائله فيهم، وتضعف أمامه، وتنهار أمام سحر عطاءاته الأخاذة.
ويمكن اعتبار الممثل والفنان والمغني والملحن والنحات والشاعر والكاتب والروائي والقاص والناقد والدارس والمسرحي والموسيقي.. مهنيين ضالعين بتميز وبتفان تواصلي مع مجموعاتهم، كما يمكن اعتبارهم رسلاً مهمومين بتشكيل وجدان ومشاعر وأحاسيس وسلوكات مجموعاتهم عبر ما تبدعه أيديهم وقلوبهم وألسنتهم وحواسهم ومشاعرهم.
كان ذلك منذ أن امتدت أيدي المثقف نحو قيمه ليسكبها في طينة الأرض الجميلة، مشكلة عبر رموز يحترمها ويقدسها فناً جميلاً، وما خرجت يوماً رسالته عن تواصليات التفاعل مع الذات والمجموعة والآخر، ورسالة المثقف لا تعدوها.
استئناس القابلية
وأثناء عملية التواصل الثقافي والمعرفي والفني بين تجليات وعطاءات المثقف ومجموعته؛ يتأسس مشروع الحياة الثقافية، هذا المشروع الذي يحمل في طياته مبادئ وقيماً ومثلاً وعادات وتقاليد وأزياء، تؤول تاريخياً إلى تشكيل صورة نمطية في ذهن المثقف عن نفسه، وعن مجموعته، ويحدث تشكيل تصوري نمطي آخر عند المجموعة، ينتظمهما وضع أبجديات دستورية تصير بمثابة حقوق لكلا الطرفين لا يمكن التنازل عنها أو عرضها للمناقشة والمثاقفة النقدية. وهنا ينشأ أصل الاضطراب والفوضى والاختلال بين الطرفين، فيكون أحدهما ظالماً أو مظلوماً، بحكم آليات السيطرة الثقافية التي يمارسها المثقف على مجموعته، أو العكس تماماً، وبما يجيره المثقف عبر آلياته الإبداعية في مجموعته، تلك المجموعة المأسورة بالقيم الثقافية التي اعتادت عليها واستأنست صناعة أبجديات حياتها بها، بل صار في اعتقادها أنها لن تتخيل العيش بغير تلك العطاءات الفنية التي جادت بها قريحة مثقفيها.
والعكس يتقرر حين يذوب المثقف ويذوي في مجموعته، تلك المجموعة التي تستمرئ الأخذ والأنانية والسلبية والانتظار، ولا تعطي المثقف شيئاً من عالمي الروح والمادة، فيقع الظلم والغبن على المثقف، ويمارس -بالرغم منه- موتاً بطيئاً، يقابله حياة ونماء المجموعة الأنانية.
ومن خلال الموقفين المرصودين تتشكل عقد وأسقام وجدانية كثيرة في نفسية المجموعة أو المثقف، ومنها عقدة التمركز على الذات، التي تفضي على الموت السريري للثقافة والمجموعة، متمظهرة في عقدة التمركز على الذات عند المثقف، أو اضطهاده وقمعه من قبل المجموعة، والحالتان تعبير عن وضع مرضي كارثي، تتسرطن معه كل القيم الفنية والثقافية، يؤدي إلى عشوائية الفعل الثقافي، بفعل استفحال المرض الخبيث في المشهد الثقافي، ما يؤدي إلى حالة المثقف والثقافة في الكثير من الفضاءات العربية والإسلامية.
عدم وعي الرسالة
ويحصل أن تنهار المنظومة الثقافية بفعل عوامل التآكل المرضي في المجموعة، ويدخل المثقف ومجموعته في حالة الغيبوبة الثقافية والفكرية، فتخرج عن إطارها الضيق، -الفرد والمجموعة- إلى إطارها الوطني والقومي الكبير، فتستهوي السرطانيات الثقافية للمثقف أن يجعل نفسه محور الحياة والحركة الثقافية، غير عابئ بتعميق أبعاد المرض في قيمه الفنية والثقافية التواصلية مع الآخر المريض، وتصير الشعوب بفعل التسرطن الثقافي مريضة بعقدة التمركز، وترى لنفسها الأفضلية على شعوب أخرى حتى ضمن المنظومة اللغوية والاجتماعية، كما هو الحال الهيمني من بعض الشعوب العربية على بعضها الآخر.
ومن أسوأ مظاهر هذه الحالة المرضية أن يتحول المثقف أو أن يحول نفسه أو أن تحوله مجموعته – مكرهة أو راضية أو مروضة- قطباً تدور عليه حياة ونشاطات مجموعته، ما يوضح هذا الانهيار مظاهر ثقافية كثيرة، يمكن رصدها في أعمدة الصحف والمجلات والدوريات، حين يسمي المثقف –مثلاً- عموداً يكتبه في الصحيفة باسمه أو لقبه.
وهكذا ينداح المظهر المرضي على سائر الفنون الأخرى، ففي الفن السابع والتلفزيون والعمل الإعلامي يبرز هذا الداء في رفع سقف الأجور لبعض الوجوه الفنية، وفي منح الحرية المطلقة للخروج عن النص كحالة المهرج عادل إمام في مسرحياته. وفي العمل الدعوي الفضائي يبرز بوضوح وجلاء في مرضية بعض الدعاة الفضائيين في احتكار الحقيقة الدينية مثلاً، أو في تحديد الطريق الوحيد لكسب رضا الله، وذلك عبر البوابة التي يفتحها هو فقط، وفي ما عداها من أعمال الخير والبر، باعتباره هو صاحب الحقيقة الصائبة، وباعتباره الموقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباعتباره الفرد الوحيد المؤهل والمقرر فتح نوافذ الفهم نحو تعاليم الله سبحانه وتعالى، وهو لا يدري أنه – بممارساته المرضية تلك – تشكيل هجين ومقرف واضح لعرض أشكال وأبعاد وأنماط وأخطار إفرازات هذا المرض الفتاك.
وعي الرسالة
وبمقابل حالات التسرطن الثقافي للمثقف والمجموعة، هناك حالة أخرى تحكم المجموعة والمثقف معاً، لم تنشأ من فراغ أو جاءت من صدف التماهي الثقافي الموهوم، بل كانت ثمرة لوعي المثقف والمجموعة لتفاعلات التواصل الثقافي بينهما، وثمرة لثقافة التوازن والاعتدال والوسطية والمنطقية والعقلانية في التعامل مع الأشياء؛ تتمثل تلك الحالات في تأسيس المثقف ومجموعته بناء فنياً وقيمياً متميزاً خلال عمليات التواصل الثقافي بينهما، وهو ما يجعلهما أبعد عن مهيجات الحراك الثقافي الإبداعي الصحيح بينهما، ليكونا أبعد عن عقدة التمركز على الذات وغيرها من مثيرات المرض في المشهد الثقافي الحزين المشاهد في العالمين العربي والإسلامي.
إنه بهذه الروح الوجدانية الصافية المتميزة لرسالة المثقف، وبروح الفهم القيمي والبنائي السليم والمتميز، التي يجدسها ويحولها –المثقف والمجموعة– إيماناً قلبياً وتفاعلاً تواصلياً مع الذات والآخر، تنبعث نسمات وعطور وعبق الوعي الرسالي بمهمة الثقافة ضمن صيرورة المجموعة، يكون المثقف قد وعى أس صناعته وأهدافها، فيخلق له هذا الوعي صمام تنبيه وتحذير من حالات التمدد والتراخي والتآكل التي تطرأ على الصناعة الثقافية للمثقف، فيدخل في الدور الآلي لصيرورة الحياة القائمة على دورة الحياة فالتكلس فالتكسر فالفناء، والتي مبدؤها سلسلة الأمراض النفسية، وعلى رأسها عقدة التمركز على الذات، وتذويب وتحقير الآخر، الموهوب ثقافياً وإبداعياً، وهو من أمراض النخبة في عالمنا العربي والإسلامي التي تجمع إلى هذه العقدة المرضية عقداً أخرى، كعقدة الذهان، وخنوس الأنا الجمعي على حساب الأنا الفردي، والسلبية المفرطة تجاه المجموعة، وعقدة الصنمية نحو السلطة والمجموعات الضاغطة والحاكمة، وعقدة السدومية نحو الليبيدو، وعقدة الطوباوية الحالمة، وعقدة التمرد والثأر الزمكاني غير المبرر مع عالم الأشياء والأشخاص والأفكار، وعقدة عشى الألوان، وعمى الأذواق، وعقدة صناعة الواقع الواهم في عالم الخيال. وهكذا توالدت الأمراض، وتنامت العقد وتكاثرت، وجالت في عوالم الثقافة والمثقف، بعد أن كانت حبيسة الأرض والبيئة والهواء وعوالم الحيوان والطيور والحشرات.. فهل يمكن للمثقف تجاوز عقده؟ وهل يمكنه فهم ومعرفة أمراضه؟ وهل يمكنه العودة إلى رسالته النبيلة؟ سؤال يدور في فضاءات الثقافة والمثقفين، ولكنه من دون إجابة، فمن يجيب عنه؟