المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسل الحرب


Eng.Jordan
12-11-2012, 09:57 PM
الكاتب : عبدالرزاق كسار - الرياض

يقترب من النافذة بتوجس وحذر، يرى سواداً يسكن إحدى الزوايا خلف زجاج النافذة. يشعر بضيق يصل إلى حد الاختناق! وباشمئزاز يصل إلى حد الغثيان!
يقف وسط غرفته كغصن جاف مهترئ، لا يوجد معه سوى الذعر والوحدة! في رأسه ألف علامة تعجب وشيء من خوف!
هذا الخوف اللعين لم يفارقه أبداً. نشأ معه منذ الطفولة، وظل وفياً معه إلى هذه اللحظة، حرمه من الزواج، ومن الصداقات! ولا عجب فالنساء والأصدقاء يريدون الاستئثار بالزوج والصديق!
لم يدع الخوف لهم فرصة للاختلاء به! كتم أنفاسه، لا يعلم هل الخوف حبسه داخله؟! أم هو الذي حبس الخوف داخله؟!
يذكر ولادة خوفه جيداً
فذات يوم رجع من مدرسته وثيابه متسخة!
فقال له والده: لماذا ملابسك متسخة؟
فأجابه: دفعني طفل آخر فسقطت.
فقال له أبوه محتداً: لِمَ لم تدافع عن نفسك؟ ألست برجل؟ ثم صرخ في وجهه قائلاً: أنت جبان.. أنت جبان.. أنت جبان!
من حينها أصبح يرى ما لا يراه الناس، ويشعر بما لا يشعرون!! يعطي بعض الأحداث والأشخاص أهمية كبرى! وغيره يمر على نفس الأحداث غير آبه ولا يلقي لها بالاً، ويعامل نفس الأشخاص بشكل طبيعي.
عظم ما حوله، وبدأ هو في التضاؤل والصغر!
غمره الإحساس بالدونية، مال دوماً إلى السلم واعتزال الناس.
فاق من ذكرياته حين سمع صوتاً خلف الزجاج يعرفه جيداً ويكرهه كثيراً. يعلم بأن الحمام يقطن حافة النافذة من الخارج دون إذن، لا يفصله عنه سوى زجاج النافذة، تمادى هذا الطائر بالإساءة، بلغ إزعاجه وقذارته الحد الأقصى.
كان يتحدث كثيراً عن هذا الأمر، فلا يجد من الآخرين سوى الغمز واللمز!! كانت الدهشة من عدم استشعار الناس لمخاوفه تسيطر عليه. كان مجرد عدم استشعار الناس لمخاوفه يخيفه.
يخيّل إليه لو أن الآخرين تقاسموا معه الخوف، فإن الخوف الذي بداخله يبدأ بالذبول ولن يورق أبداً!
ولكنه أمضى سنين عمره متنقلاً من بؤرة خوف إلى أخرى! إلى أن أصبح غريقاً في بحر من المخاوف!
بات يرى أن الحمام الرابض على حافة النافذة، يرقبه، يرصده، يتحكم في دخول الهواء وخروجه، يراقب الزوار القلائل، يراقب الجيران.
حين يراه في الليل مكوماً على نفسه، يشعر وكأنه قنبلة موقوتة!
وها هو الآن في نفس المكان يمنعه من فتح النافذة. جميعهم لا يفتحون النوافذ!! ولا يعدون هذا الأمر مهما. لِمَ هو الوحيد الذي فكر بذلك؟!
يتخيل أن عيني الحمام مسلطتان على النافذة. يكره عينيه الزائغتين الممتلئتين مكراً وخبثاً وتطفلاً.
هما الاثنان يقومان بنفس المهام!! هو يراقبها من الداخل، والحمامة ترقبه من الخارج!! لا يعلم أيهما أحدّ نظراً!!
الحمامة تخشى قدومه وفتح النافذة، وهو ما زال يقف بوسط الغرفة، بينما عيناه سبقته نحو النافذة، وأخذت تشده معها للنافذة!! فمشى ببطء وكأنه منوم تنويماً مغناطيسياً!!
يخشى إن اقتحم خلوتها وهاجمها وطردها، أن تزيد من تطفلها ونتانتها!! قد يشتد بها الغضب فلا تجعله يهنأ بنوم فتصدر الأصوات التي تزيده توتراً ورعباً وقلقاً.
يفكر وقد حان وقت الجد، بأن هذه اللحظة هي التي ستكون البداية الحقيقية لامتلاك الشجاعة المفقودة.
فيما بينه وبين نفسه يعرف بأنه جبان، بل أن من حوله سرت بينهم هذه المعلومة. تقتله نظرات الناس التي تشي بما في قلوبهم. آن الأوان لإيقاف هذا الأمر وإثبات شجاعته.
أصبح الآن على بعد خطوة واحدة من النافذة، وعيناه مصوبتان على كومة السواد. استجمع قواه، ومد يده لمقبض النافذة، وبدأ بفتح النافذة، وفجأة.. طارت الحمامة محدثة صوتاً بجناحيها إثر اصطدامها بشبك النافذة، وقفز هو دون وعي للخلف!!
مرت ثوانٍ دون أن يشعر بأنه عاد إلى منتصف الغرفة! راقب دقات قلبه إلى أن هدأت وسكنت. ثم ابتسم ببلاهة ووجل!!
ازداد كرهه للحمام، شعر بالإحراج من نفسه، شعر بالإحراج من أثاث غرفته!! علم يقيناً بأنه لا يستطيع أن يكون شجاعاً أبداً. حين شعر بأن رجليه تسعفانه بالمشي سار خطوات إلى أن وصل سريره وجلس على حافته.
شعر بالبرودة تدب في أطرافه لفشله في ارتداء عباءة الشجاعة ولو لمرة واحدة في حياته!! رغم حجم الحمامة الضئيل إلا أن ذلك لم يشفع له لممارسة دور البطل!!
كان يردد لم يكن ندي سوى حمامة!! كانت الفرصة سانحة للتغلب عليها. ثم قال بصوت عالٍ: من قال إن الحمام رسل سلام؟! من قال إن الحمام رسل سلام؟! سكت برهة، فلم يلق إجابة من أحد!! أخفض صوته وقال هامساً: إنها رسل حرب!!
ثم أغمض عينيه، وقال بهدوء وثبات: أنا لست جباناً!! أنا رسول سلام!!