المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مواقع التواصل الاجتماعي: الحلم والحقيقة


Eng.Jordan
12-11-2012, 10:07 PM
الكاتب : آلاء السوسي: فلسطين
ما هو الواقع؟
القرية الكونية! هذا هو العالم اليوم: قرية كونية!
هذه هي الصورة الشهيرة للخارطة العالمية الممتدة من أقصى المكتشف في الشرق إلى أقصاه في الغرب، تتخللها صور متشابهة ترمز إلى ذلك الكائن النازع أبداً للاكتشاف والامتداد والخروج من قيد الجغرافيا والزمن.
الرمز واحد فقط، ومتكرر يعي فكرة (التنميط) التي تمثل أساس العولمة، لا اختلاف سوى في التصنيف القائم على فكرة (الجنس)، ربما هذه هي الفكرة الوحيدة التي تفسح المكان لرمزين، ولا أحد يدري إن كانت هذه الفكرة ستستمر طويلاً في العقود اللاحقة خصوصاً مع تنامي جنون الجنادرة!
ومع تنامي انتشار هذه المواقع التفاعلية، مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت عالماً مستقلاً، يصفه البعض بأنه عالم افتراضي..
إن وصف استقلاليته، وافتراض وجود عالمين تشترك ذات إنسانية واحدة في فعل التواجد فيهما معاً، لهو وصف يدعو إلى التوقف قليلاً، والتعرف على دلالة مصطلح الافتراض وما يقابله: هل العالم الحقيقي هو ذلك العالم الذي يقف على الطرف النقيض الآخر؟ وأيهما يمثل الواقع؟ وما هو الواقع!
إن هذه الأسئلة كلها ليست سوى امتداد لسؤال قديم حديث وهو جدلية الأسبقية بين الواقع والوعي، موضوعية الموضوع وشخصنة الذات.. هل يمكن أن نفترض وجود واقع موضوعي خارج ومستقل عن الذات الإنسانية، أم أن الذات الإنسانية هي التي تخلق واقعها بطريقتها وفقاً لعملية الوعي به؟ والسؤال هنا: كيف يتم الوعي بالواقع!
إن عملية إدراك الواقع عملية ذاتية غير خالصة، تتداخل فيها بعض العوامل الموضوعية مع العوامل الذاتية، ذلك أن الإدراك له وسائله الحسية وأخرى غير حسية تتم بتفاعلات التجربة والخبرة والذاكرة، وعليه: تصبح العملية عملية ذاتية في جانب كبير منها، ولا يمكن أن تكون موضوعية تماماً بحيث يمكن الاتفاق على موضوعيتها، لذا فإن ذاتية إدراك الواقع، وبالتالي الوعي به حسب إدراكه، تخلق واقعاً قائماً بالنسبة للفرد، واقعاً فردياً بغض النظر عن تصنيفه بالنسبة للحقيقة (تلك الكلمة المائعة)، إن هذا الواقع، وإن كان لا يمثل شيئاً بالنسبة للآخرين الواقعين معه في ذات الإطار الزماني والمكاني والثقافي، فهو يعني له الكثير!
إن فكرة ثنائية الواقع هي فكرة فلسفية قديمة، فلقد كان أفلاطون مؤمناً بوجود واقعين: أحدهما حسي زائف، والآخر مثالي حقيقي.. أما أرسطو فقد قلص مساحة التناقض بين الواقعين النقيضين بتحديد أن أحد العالمين يقود للآخر، وللوصول إلى العالم الثابت لابد من العبور خلال بوابة المتغير، ما يعنينا هنا هو فكرة تعدد الواقع لا وحدانيته، واليوم ظهرت هذه الثنائية مجددا بشكلها الحداثي: حيث يتعدد الواقع، ولو ظاهرياً، إلى واقعين: أحدهما قائم على إشارات هوائية، والآخر قائم على التجسد غير المحتاج للكثير من التأويل، إن هذا التعدد أوقع الإنسان المعاصر في المزيد من حبائل الثنائيات التي أرهقت تفكيره وقتاً طويلاً.


الإنسان الرقمي
بما أن واقعاً موضوعياً جديداً فرض نفسه، فإن إنساناً جديداً سيظهرُ، لابدَّ، متفاعلاً مع معطيات هذا الواقع كما يتمثلها هو، وبتمثلها فإنه سيعيد إنتاج هذا الواقع بوعيه الذاتي به وبطريقة إدراكه التي أشرنا سابقاً أنها تعتمد وسائل موضوعية وأخرى غير موضوعية!
إن مشكلة الواقع الجديد أنه لا يتيح للإنسان الجديد العديد من الوسائل الموضوعية الحسية لإدراكه، بقدر ما يتيح له التطرف في الاعتماد على وسائله الذاتية في الإدراك، ومن هنا ينشأ وهم الإنسان أو ظله الذي ينعكس عن آخر مختلف!
الإنسان في مواقع التواصل الاجتماعي هو الصور الرقمية المقتطعة من مشاهد حياتية، وهو اللغة المتحركة عبر الحالات القصيرة، وهو الدردشة الكتابية القابلة لتفسير الطرف الآخر بما تمليه ذاكرته من التجارب، إن الإنسان الافتراضي هو الوهم الذي يمكن أن يصبح واقعاً مكتملاً لطرف آخر، وهو السراب الذي يمكن أن يتبخر على بعد خطوة واحدة من الواقع المعاش ضمن حدود الزمان والمكان والثقافة!


حلم الحرية مكتملاً
في عالم يحتجب فيه كل شيء، تصبح مواقع التواصل الاجتماعي مكاناً يفتضح فيه كل شيء، ففي ظل العالم الثالث حيث تموت الحريات السياسية، وتقوم العادات والتقاليد مقام الآلهة، يدخل الشباب هذا العالم من أبوابه الواسعة، ويظهرون كما رأوا أنفسهم دائماً ذات مستقبل: إنهم عبر أسلاك الإنترنت يتجاوزن الزمن، يتجاوزون حكايات أوريل إلى العالم الذي يحلمون به! ولا شكَّ أن استفحال الحلم في بعض المرات كان عاملاً إيجابياً في إحداث نوع من التغيير، كما هو حال ثورات الربيع العربي.
لكن عولمة الحلم الأرضي في ميوعة الثقافات بدأت تصبح خطراً على الهوية، من هنا تتداخل الحقيقة بالحلم، والحلم بالحقيقة: حيث التجاوزات الممكنة عبر عالم معلق في الهواء، وإشارات الهواء!
إن عملية إيجاد واقع بديل عن واقع آخر لم تعد عملية صعبة، كل ما تحتاجه هو حساب شخصي في موقع اجتماعي، وعدداً من المعرفات التي تشكل قائمة للأصدقاء، بعدها يمكنكَ أن تنطلق لتشيد عالمك الشخصي حجراً حجراً، وبإمكانكَ أن تعيد رسم ذاتك بالطريقة التي تريد بعيداً عن كل السلطات التي منعتكَ يوماً من تحقيق ذاتكَ المكتملة!
لو كان فرويد هنا لآمن أن عليه أن يعيد تقسيماته، فهذا الهو (المقهور بالسلطة والقابع في اللاشعور) لم يعد خائفاً إلى هذا الحد، ولم يعد متراجعاً بالقدر نفسِه، بل أصبح جريئاً: ويمكن أن يعبر عن نفسه بطريقة ما، لا يحتاج أكثر من معرف افتراضي، لم يعد اسمه: (الهو) صار أسماء مستعارة قادرة على أن تحطم كل سلطات الأنا والأنا الأعلى!
إن الشخصية التي يمنحكَ الفيسبوك إمكانية تمثيلها، ومكبر الصوت من الحجم الكبير جداً الذي يهديكَ إياه مع أول ضغطة زر، والسؤال الدائم الذي يلح على نزوة بوحكَ به: ماذا يخطر في بالكَ الآن!، والأصدقاء الكثر الذين تمطركَ إياهم سماؤه الزرقاء ومن كل أنحاء العالمين، وهم أصدقاء ودودين قادرين على سماعكَ طوال الوقت، كل هذه المميزات تجعلك غير قادر على الفكاك من هذا العالم المهتم بشخصك جداً، والحريص عليكَ أكثر من الآخرين الذين لا يهتمون بسؤالك: ماذا يخطر ببالك الآن!
إن هذه السيطرة لهذه المواقع الاجتماعية تتم عبر التفاعل المزمن، الذي يتحول مع الوقت إلى تفاعل خطر يؤدي إلى انسحاب الشخص من الجغرافيا والزمن والثقافة والهوية، بحيث يذوب في العالم الرقمي بشكل يجعله مائعاً غير محدد المعالم، وبهذا يمكن أن تصبح المواقع التفاعلية مجرد مواقع للذوبان في سائل العولمة اللزجة، والتنميط قبيح الشكل: حين يصبح الإنسان حساباً في موقع تواصل اجتماعي!
إن مواقع التفاعل الاجتماعي أتاحت للإنسان الخروج من قيد الجغرافيا، وأحياناً: من قيد الثقافة المحلية التي تتأله في بعض الأحيان، ولكنها في المقابل أتاحت له وبصورة سيئة إمكانية الذوبان والاستغراق في التعويم المزعج الذي يفقده الماهية، لذا فإن استفحال التعامل معها كمعطى جديد ضمن ثورة الاتصالات واختزال العالم في قرية كونية، قد يؤدي في النهاية إلى تحقيق تلك الصورة التي تمثل واجهة الفيسبوك، التنميط الثقافي، والماهية الرقمية!