المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (أُخْذَةُ كِشْ): أقدم نص أدبي في العالم


Eng.Jordan
12-11-2012, 10:14 PM
الكاتب : د.سراته البشير: المغرب

بلاد العراق مهد الحضارات ومهبط الديانات وموطن المعارف والعلوم. فيها بدأت المجتمعات الإنسانية في التكون، وفيها تشكل مفهوم الدولة وشرعت القوانين واخترعت الآلات الزراعية، وفيها ظهرت الكتابة والأدب والفن. وأقدم النصوص الفنية والمنحوتات والرسومات اكتشفت في بلاد الرافدين منذ أزيد من 30 ألف سنة.
وأقدم نص أدبي في العالم هو: (أُخْذَةُ كِشْ)، وهو عبارة عن تعويذة لاستمالة قلب امرأة من (كِشْ) إحدى أعرق مدن العراق القديم.
وقد اكتشف هذا الرقيم في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، وبالضبط سنة 1930 على يد بعثة أثرية بريطانية، وهو في حال حسنة في حفريات ترقى إلى السلالة الأكادية القديمة، أي ما بين 2400 و2200 سنة قبل الميلاد.
وقبل أن نبرز خصائص هذا النص الأدبي من حيث المضمون والشكل؛ لا بد أن نعرج على الحضارة التي أنجبته، ألا وهي حضارة (كِشْ)، وهي حضارة سامية كانت تقابل الحضارة السومرية, امتدت في المكان من جنوب وشرق العراق إلى شمالي سوريا، وامتدت في الزمان من 2800 إلى 2350 ق.م. و(كِشْ) مدينة ذات موقع إستراتيجي وتجاري وزراعي مهم، فهي على مقربة من نهري دجلة والفرات، وتبعد 80 كيلومتراً إلى الجنوب من بغداد الحديثة. واستناداً إلى قاعة ملوك سومر فقد كانت مدينة (كِشْ) أول مدينة (منحدرة من السماء) بعد الطوفان العظيم الذي دمر الأرض.
إن (الأخذة) مكتوبة بالطريقة المسمارية باللغة الأكادية القديمة. وقد تم تحقيق هذا الرقيم سنة 1970 من قبل غيليب GELB.I.J.1970. Sargonic ****s in the ashmolean museum. OXFORD. M.A.D.V. Chicago university press. ، ثم أعيد تحقيقه وشرحه ومراجعته سنة 1977 من قبل ج وأ فستنهولز WESTENHOLZ.A and J. WESTENHOLZ. ولم يعرف هذا النص عربياً إلا سنة 1989، حيث قام كل من ألبير فريد هنري النقاش وحسني زينه بنقل النص في لغته الأصلية، وكتابته بالحرف العربي ثم ترجمته إلى العربية ضمن سلسلة مكتبة لسان الشرق، مما أتاح للقارئ العربي فرصة نادرة للاطلاع على بعض المعالم الأدبية والفنية لحضارة الشرق القديم.
وإلى القارئ الكريم بعض المقاطع من هذه التعويذة بالصوت الأكادي كما نطقت في حينها، وبالحرف العربي كما حددها المحققان العربيان:
إِلُ حيا إِرْحمَ يِرَءَّمْ
إِرْ'حمُ مَرَءْ إِلَتُ عَشْتَرْ إِنْ زَجِّ يُثَّبْ
إِنْ رُغْتِ كَنَكْتِ يُدَرَّءْ
وَرْدَتا دَمِقْتا تُحْتَنّا .
وترجمتها بالعربية كالتالي:
(الـ)إله حَيَا (الـ) يَرْحَمَ يَرْأَمُ
(الـ) يَرْحَمُ مَرْءُ الإلَهةِ عَشْتَرْ في المِحْرابِ يَثِبُ
بِرُغْوَةِ شَجَرَةِ المُرِّ يُدَرِّئُ
البَتُولَتَانِ الحَسَنَتانِ حُنِّيَتَا.
وإذا أردنا صياغتها بالأسلوب العربي الفصيح ، فإننا نقول:
الإله حَيَا يَرْأَمُ اليَرْحَمَ
اليَرْحَمُ ابنُ الإلهَةِ عَشتَرَ قائِمٌ في المِحْرابِ
بِبَخُورِ المُرِّ يَتَجَلَّى
البَتولَتَانِ الحَسَنَتانِ اسْتُشْفِعَتا.
ولا يخفى على القارئ العربي التشابه الحاصل بين اللغة الأكادية والعربية في كثير من المواطن، من ذلك: (إِلُ) أي الإله، و(حَيَا) (إله الحياة)، وهو في العربية بمعنى المطر لإحيائه الأرض، و(اليرحم) بمعنى الرحمة، و(يرءم) من فعل رأم العربي. و(مرء) في الأكادية هي الابن، ويقابلها في العربية كلمة (المرء) أي الرجل، و(يثب) بمعنى قام ويقابلها في العربية فعل (وثب) بمعنى (قفز)....
ومن الأمثلة الأخرى المثبتة للتشابه بين اللسان الأكادي والعربي نذكر:
المقطع بالصوت الأكادي والحرف العربي:
- آخُذْ فاكِ شَ رُقَّتِ آخُذْ بُرَّماتِ 'عنِيكِ آخُذْ عُرْكِ شَ ثِنَّتِ.
الترجمة الحرفية بالعربية:
أخَّذْتُ فَاكِ ذا (الـ)رِقَّةِ. أَخَّذتُ (الـ)زَّرقاوَيْنِ عَيْنَيْكِ. أَخَّذْتُ عُرْوَتَكِ ذات (الـ)ثِنَةِ.
لقد احتفظت الكلمات التالية:(أخذ، فاك، رقت، عينيك) بنفس المعنى طيلة 4 آلاف سنة، فما زالت هذه المعاني هي المستعملة في عربية القرن 21.
جاء في (الصحاح في اللغة) و(القاموس المحيط): (والأُخْذَةُ بالضم: رُقْيَةٌ كالسِحر، أو خَرَزةٌ تُؤَخِّذُ بها النساءُ الرجالَ، من التَأْخيذِ) . و(أُخْذَةُ كِشْ) مكونة من جزءين اثنين: الأول ويبتدئ بمقدمة دينية قدسية، حيث يستحضر الأديب الآلهة لتسهل له مراده في استقطاب قلب المعشوقة (الإله حيا يرحم اليرأم)، لينتقل بعد ذلك إلى غرض هذه التعويذة ألا وهو وصف مفاتن هذه المعشوقة (أخّذت فاك ذا الرقة...). وأما الجزء الثاني من التعويذة *****ية فيتخذ نفس المسار، أي استحضار الآلهة (خَفَفْتُ إلى كَرْمِ الإلهِ سِينْ وَقَطَعْتُ مِنْ غَرَبَةِ الفُرَاتِ)، ثم تأخيذ روح وجسد المرأة (أَخَّذْتُ فَاكِ ذَا (الـ)دَدِي (الحَبِيب), لينتهي النص بالدعاء عليها (أقْسَمْتُ عَليكِ بالإلهَةِ عَشْتَر والإلهَةِ إِشْخَر ألاَّ تَتَفَسَّحِي قَبْلَمَا زَوْرُهُ وَزَوْرُكِ يَعتمِدان).
إن هذا النص الأدبي الأقدم في العالم، والذي موضوعه الغزل بالمرأة يتكون من 39 سطراً, تأرجحت بين التوسل والدعاء والاستعطاف والوصف الحسي والمعنوي، وظف فيه صاحبه صوراً شعرية عدة: (أخذت فاك ذا الرقة، البتولتان الحسنتان...)، وهي نفس الخصائص المضمونية والشكلية التي نلفيها في قصيدة الغزل عند شعراء العربية المعروفين.
إن (أُخْذَةُ كِشْ) أكثر من مجرد أقدم نص أدبي تم اكتشافه لحد الآن، ذلك أن قراءتها كما يرى محققاها «سوف تسوق القارئ إلى الشعور بقرابة نسب عبارتها من اللغة العربية، وهذا مما يجعلها عنصراً جديداً مهما في السجال الدائر حول تاريخ العرب».