المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرسم على الجدران في صنعاء


Eng.Jordan
12-11-2012, 10:18 PM
الكاتب : صقر الصنيدي: اليمن

جدران صنعاء: معرض مفتوح للفن التشكيلي

لو كان للجدران في شوارع العاصمة اليمنية صنعاء قلوب لماتت ألف مرة خلال السنة الماضية بعد أن أصبحت هدفاً مشروعاً لمن يمتلكون السلاح والكراهية، وحين جاءت المبادرة الخليجية أوقفت القذائف لكنها لم ترمم الجدران، وظلت هذه الجدران تذكر الأهالي أنها كانت حاميتهم من الموت وحال ذلك دون نسيانهم لتفاصيل المعركة التي اجتاحت وسط العاصمة.
مجموعة من الفنانين الشباب أرادوا أن يبدؤوا معركتهم حيث وجهوا ألوانهم إلى الجدران المتضررة طامسين أثر الحرب التي استهدفت أنصار التغيير في ساحتهم الواسعة.
خرج الفنانون يحملون ريشاتهم وأحلامهم ليرسموا لوحات فنيه تحمل تعابير متنوعة وإن كانت في البداية تواجه اعتراضاً من أولئك الذين فقدوا أقاربهم، كما يقول محمد عبدالمؤمن: «لا نريد أن تُمحى آثار الرصاص، لأنها دليل على استخدام السلاح في مواجهة شباب عزل.. كما أردنا ألا ننسى شهداءنا الذين سقطوا قرب هذه الجدران».
وأمام إرادة الفنانين استسلمت وجهات النظر المعارضة للفكرة وبدأ الجميع في تأمل ما يوضع على الأسمنت. علاقة قديمة
لليمنيين علاقة قديمة بالرسم على الجدران والمباني والمعابد. وحسب الدكتور عبدالغني الشرعبي (أستاذ الآثار القديمة في جامعة صنعاء) فإنه لا يوجد تاريخ محدد لظهور هذا الفن، وزين اليمنيون مبانيهم ومعابدهم (الخاصة بعبادة الشمس) بالكثير من الرموز ذات الدلالات الدينية، وتمكنوا من رسم الحيوانات التي تشاركهم البيئة؛ كالوعل والغزلان وغيرها من المنحوتات التي كانت ضرورية عند مداخل المدن والمعابد والأسواق ومازال بعضها موجوداً إلى الآن.
الفكرة اليوم لا تأتي للتوثيق بقدر تركيزها على تجاوز مرحلة مريرة عاشتها اليمن لتحرز التغيير السلمي للنظام. وتنوعت قناعات الرسامين بين من أراد التعبير عن ذاته في أي مجال مفتوح أوسع من المعارض الموسمية المغلقة وبين من أراد إيصال رسالة الفن -وهي السلام- كما قال مراد سبيع الذي يؤكد أنه كان صاحب فكرة النزول إلى الشارع والرسم «إذا لم يتكلم الشباب الآن فمتى سوف يعبرون عما يفكرون فيه». ويضيف «أتمنى نزول الجميع إلى الشارع ليرسموا في المناطق المتضررة بفعل الحرب والصراع».
فيما ذهبت لوحات الفنان إياد الصلوي إلى البحث عن الأمان، ويتضح ذلك عبر تلك اللوحة التي حولها إياد من مدخل لقذيفة حرمت ساكني شارع هائل النوم وجعلتهم يلزمون منازلهم لأيام دون الخوف من انفجارها أو سقوط الجدار الذي غطت الألوان جراحاته.
وركزت أعمال ماجد سلطان على التضامن والظهور كفريق واحد يواجه نفس المصير، وأخذ ذلك الترتيب نوعاً من التنظيم اتبعه وجسده في لوحاته ذات الألوان المختلفة العاكسة للتنوع الموجود بين الشخصيات والذي لم يحل دون وقوفها معاً لتجاوز الصعوبات.
توزيع مساحات الرسم
وتجاوباً مع كل الدعوات المتكررة ترك الكثيرون ممن يمتلكون الموهبة مشاغلهم وخرجوا للشارع وخصصت لكل واحد منهم مساحة حتى وصل الحال إلى مشاركة بعض من الجنود الذين انضموا باكراً إلى الثورة السلمية وتركوا أسلحتهم وبدؤوا الرسم. يقول عبدالوهاب الفقيه (جندي انضم للثورة): «وإن كنت جندياً فأنا إنسان أمتلك مشاعر ومن حقي التعبير عنها بالطريقة التي أحبها، وقد وجدت الفرصة المناسبة للحديث».
وتتنوع المدارس الفنية المتبعة، فهناك من اختار الواقعية وآخر ذهب إلى الرومانسية وثالث اختار السريالية، وتحرر البعض من هذه القوالب ليجمع بين أكثر من مدرسة أو شق لذاته طريقاً جديداً يعرف السير فيه كل الناس.
أما من حيث مضامين الرسومات فقد تعددت بين المواضيع الاجتماعية والسياسية والثقافية وغلب عليها الرمز بدل الوضوح بحيث لا يتم التعامل معها كموقف سياسي للفنان والنظر إليها كخصم، كما قال أحد الفنانين، وسمح للأطفال الموهوبين بالمشاركة وجسدوا شخصياتهم الكرتونية المعروفة مع أشياء من التدخلات وغلبت الابتسامات على معظم رسوماتهم.
رأي الجمهور
في المعارض الفنية يكون الجمهور محدوداً ومتقارباً في وجهة نظره، أما في الشارع فالجمهور غير محدود ومتعدد الأمزجة.
يقابل رجل كبير في السن الجدار الممتلئ بالرسوم ويحاول فك شفراتها ولم يصل إلى شيء حسب قوله لكنها جعلت الشارع أجمل، وأضاف «إذا لم أفهمها أنا فالجيل الجديد أكيد أنه يعرف ماذا تريد أن تقول ويفهمها جيداً».
وقد أثار وجود اللوحات في الشارع فضول المارين ليوجهوا الأسئلة إلى الرسامين أثناء عملهم، فهناك من كان يسأل عن مغزى لوحة معينة، وآخر يسأل عن جميع اللوحات والهدف منها. يقول فؤاد عز الدين «إنه لم يفهم الكثير من الرسوم ويتمنى أن يجد أصحابها ليخبروه عنها».
بينما يقول عمرو العبسي: إنه عاش لحظات جميلة أثناء تنقله بين الجدران، وأنه كل يوم يكتشف وجهاً جديداً لأحدها وينظر إليها من زاوية جديدة, فوجودها في الشارع أتاح للجميع رؤيتها وليس كما كان سائداً من قبل، حيث كانت المعارض لا تخرج من بيت الثقافة. مضيفاً أنه «من الجيد ألا يقتصر التغيير على السياسة وحدها، فنحن الآن نرى تغييراً اجتماعياً وثقافياً، والناس صاروا يتقبلون أن يمسك الشاب ريشة ويبدأ الرسم عكس السابق، حيث كانت الكتابة للأسماء والذكريات، وكأننا كنا بلا هدف أو أنشطة».
ولأن الدعوة التي وجهها الرسامون كانت عامة فقد اندفعت الكثير من المواهب لترسم لأول مرة، ووجدت مناسبة لوضع ملكاتها أمام التقييم العام والخاص, حتى أن أروى سنان (وهي طفلة في الثانية عشرة من عمرها) وضعت أولى رسوماتها على الجدران، وظلت لساعات طويلة ترقب ردود المارين وتعليقاتهم والتعابير على وجوههم، وكانت -كما تقول- سعيدة أثناء سماع التعليقات سلباً أو إيجاباً، وتحاول سؤال المعلقين عن سبب رأيهم كي تستفيد من أعينهم وتطلعاتهم من الفن ومعرفه نقاط التصادم والاختلاف بين الأذواق والاتجاهات. ولكنها كانت أحياناً تواجه انتقادات لا صلة لها بالفن ويريد أصحابها فقط إحباط موهبتها وإعادة توجيهها إلى مجالات أخرى يعتقدون أنها الأفضل للتعبير، كالقول إن التأليف للكتب والكلمات أبلغ من اللوحات الجدارية أو غيرها.
وبالنسبة لأحلام المغلس (طالبة في إحدى المدارس القريبة من جدران الرسم) فقد فكرت في اليوم الأول التي رأتهم يرسمون فيه أن تشارك فيما اعتبرته إعادة الاعتبار للعاصمة اليمنية صنعاء، وعادت إلى المنزل لتقنع والدها أن يشتري لها الألوان المطلوبة، وفي اليوم التالي خرجت واختارت جداراً كُتِب عليه نقد لاذع للطرف الآخر. تقول «بدأت أرسم وليس في رأسي فكرة واضحة لما سأضعه على الجدار، وما إن بدأت يداي تتحركان حتى تحركت مخيلتي ورسمت فراشة تحيطها المخاطر ولا تجد منفذاً للنجاة غير فتحة صغيرة تحتاج زمناً للوصول إليها إلا أنني جعلتها تحاول، وتركت للناظرين حرية تحديد شخصية الفراشة، وقد تعددت آراؤهم بين من اعتقد أنها بلادنا وما يحيط بها، وآخرون رأوا أنها الحياة اليوم، ومن اعتقد أنها شخصيتي وهذا أعجبني كثيراً أن أحثهم على التفكير والتخيل». وتؤكد أحلام أنها لم تكن تحب الرسم من قبل إلا أنها اكتشفت بعد أيام من رسمها على الجدار أن رسالتها وصلت إلى الآخرين وأنها عبرت عن بعض ما عندها من رؤية ولن تنقطع عن هذه الموهبة.
وتكرر الحال مع الكثير حيث قام أوراس الأديمي بشراء الألوان والرسم على جدار قريب من منزلهم، وتفاجأ والده بموهبته التي لم يكن يعرف عنها أي شيء وطلب منه ألا يتوقف، وقام الأب بإحضار زملائه بالعمل ليريهم موهبة ابنه الصغير ذو الخمس عشرة سنة. يقول أوراس «غمرتني الفرحة وأبي مع أصدقائه يشير إلى لوحتي ويقف إلى جوارها كأنها ملك له وأنا أراقبه من نافذة المنزل وهو دعم وتشجيع لا يقدر».
الانتقال إلى مدن أخرى
لم تستقر فكرة الرسم على الجدران المتضررة في العاصمة فقط وسافرت إلى مدن أخرى مثل محافظة عدن التي زينت بالجداريات والألوان المعبرة عن تطلعات الشباب هناك، وعبرت عن بعض من أحلامهم, واتجهت الفكرة أيضاً إلى تعز التي كانت منطلقاً للثورة الشبابية وسقطت الكثير من جدرانها تحت القصف الشديد، وقد خرج رسامو تعز ومواهبها لمسح الحزن عن جدرانها المتضررة. ويبين مجيب عبدالرحمن (أحد الرسامين الهواة) ذلك بقوله: «جاءت الفكرة تلقائية وبالتزامن مع ما حدث من تغيير، وأردنا أن نطور أساليب تعبيرنا والانتقال من المسيرات والمظاهرات إلى الفن والرسم على الجدران لنعلن عن رغبتنا في التطور والحياة الكريمة، وقد لاقينا ترحيباً كبيراً من الأهالي والجميع يطلبون أن نرسم في أحيائهم مما اضطرنا إلى وضع لوحة أو لوحتين في كل حي».
رأي فني
دخول الهواة إلى الرسم على الجدران جعل الالتزام بقواعد وأسس هذا الفن صعباً، ولم يمكّن الوقت والإمكانات المتواضعة حتى الرسامين من تتبع هذه الأصول، ومضى كل واحد منهم يرسم حسب ما يراه ملائماً. يقول الفنان التشكيلي المعروف بـ(داود): «إن سر جمال هذه اللوحات ليس التزامها بالقواعد بل هدفها السامي هو محو آثار المعركة والصراع الذي كان موجوداً على كل جدار». وأضاف الفنان الذي تعرض مرسمه للقصف ودمرت أعماله الفنية أثناء الحرب في حي الحصبة بصنعاء «إنه لا يمكن إخضاع أعمال تلقائية إلى نقد فني متخصص لأنه سيراها غير ناضجة وغير متصلة بفن الجدران المعروف, ويكفي أن الألوان أضفت روحاً إلى شوارعنا وكشفت عن مواهب جديدة ترسم لأول مرة بإتقان وابتكار وفي المستقبل ستكون هناك تجارب أكثر تطوراً ونضجاً وسيصل التغيير إلى كل تفاصيلنا».