المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل (لامارتين) و(ناجي) وجهان لعملة واحدة؟


Eng.Jordan
12-11-2012, 10:32 PM
ناجي لامارتين

حسن مشهور: جازان
لطالما لعبت تلك الثنائية التفاعلية والتي قطباها (البيئة–الإنسان) دوراً محورياً في تشكيل وجدان الشاعر، وأضفت على ذائقته رونقاً وجمالاً من نوع خاص. وهكذا تتشكل جماليات الصورة, تلك الصورة التي تسهم القراءات العميقة في الآداب العالمية في صقلها وإخراجها بمهنية عالية, ومن هنا برزت شخصية الدكتور إبراهيم ناجي كشاعر وإنسان في فضاءات القصيدة.
إن تلك الأرواح الجميلة والتي تقطر رقة بنزعة فردية تتسم بالرومانسية المشربة بالحزن, وتلك الأنفس الإنسانية المكرسة للحب والوجدان لا تستطيع بأي حال تقبل النقد وبخاصة ما يتجاوز منه الموضوعية إلى تقزيم ذاتية الشاعر. شارك إبراهيم ناجي أصدقاءه (جماعة أبوللو) في كسر قالب القصيدة الكلاسيكية من خلال البعد عن الأغراض التقليدية للشعر, والتحرر من الصنعة والتكلف فاستحق العقاب، وكيف لا ونحن نعي جيداً مفهوم (مقاومة التغيير), فنقده طه حسين في (حديث الأربعاء) نقد مر، بل قد وسم شعره بأنه ذو جناح ضعيف لا يقدر على التحليق. ومثلما فضل الأخطل الفرزدق على جرير أثناء خصومتهما في المربد, فقد فضل عميد أدبنا الدكتور طه حسين, الشاعر علي محمود طه على شاعرنا إبراهيم ناجي, إلا أن القاصمة قد أتت من قبل عباس العقاد فوصف شعر ناجي بالمرض والتصنع بل ذهب في نقده إلى حدود التطرف عندما اتهمه بسرقة الشعر, ومن هنا في نظري كانت بداية النهاية لناجي (كإنسان – وكشاعر).
وعندما نولي وجوهنا شطر مدينة النور (باريس) نلتقي بواحد من أعظم الشعراء الرومانسيين على مر العصور (لامارتين), العاشق الأصدق. وهنا يطل سؤال! هل لعبت شاعرية لامارتين دوراً في تشكل أدب وفكر إبراهيم ناجي؟ حسنا! دعونا نبحر معاً محاولين أن نلتمس طريقنا في محاولة للإجابة على هذا السؤال, الذي هو أقرب إلى الجدلية غير القابلة للحل.
لعل ما يجذب انتباهنا في محاولتنا رسم علاقة ثنائية للنتاج الأدبي لكلا الشاعرين هو ذلك التشابه والتماثل الجميل ونقاط الالتقاء التي تغلف طرحهما الأدبي. فكلاهما يتسم بانتقاء المفردة المفرطة في الرقة, كما أن (وحدة النص) التي حددها الفيلسوف الإغريقي (أرسطو) في كتابه الشهير (فن الشعر) قد تجسدت في أعمالهما. وأخيراً لا تفوتنا تلك الموسيقى العذبة التي يبثها كلا الشاعرين في روح القصيدة.
نشر إبراهيم ناجي ديوانه الشعري الشهير (وراء الغمام) فغلبت على قصائده مسحة حزن وتعبير عن روح محبة.
ونشر لامارتين ديوانه الأدبي الأشهر (السلم الحلزوني), فلمسنا تلك الروح المتعبة التي هدتها لوعة الفراق.
كتب لامارتين قصيدته الشهيرة (البحيرة) على ضفاف بحيرة بورجيه فقد كان ذلك الموضع هو ميلاد قصة حب استمرت خمسة عشر يوماً وافترقا على أمل أن يلتقيا بعد عام, وقد كان أن وفى لامارتين بوعده فحضر إلى ذلك الموضع إلا أن محبوبته (ألفير) لم تحضر. فقد غيبها الموت من جراء داء (ذات الرئة), فبكاها لامارتين بقصيدته الخالدة (البحيرة). هذه القصيدة التي بثها لامارتين لوعة وأسى, ورسمها حزناً صادقاً كانت هي التي وقع عليها اختيار شاعرنا إبراهيم ناجي ليترجمها وينقلها إلى العربية بروعته المعهودة في انتقائه اللفظي وحضور جمالياته الروحية من خلال النص, فهل (لامارتين) و(ناجي) وجهان لعملة واحدة؟