المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نصوص ثورية غيرت العالم


Eng.Jordan
12-11-2012, 10:35 PM
حسن الحريري: المغرب


هل كل النصوص واحدة في درجة فعاليتها وتأثيرها؟ وهل كل النصوص واحدة في الانفصالات التي تحدثها والفجوات التي تخلقها؟ وهل كل النصوص لها طبيعة انفصالية أم يتعلق الأمر بطابعها الاتصالي المتمثل في مد الجسور وردم الهوات؟ وماهو الزمن الافتراضي لكل نص؟ وهل يمكن لنص ما أن يغير العالم؟
إذا تأملنا نصوصا مثل (دوران الأفلاك السماوية) لكوبرنيكوس, أو(نظرية النسبية الخاصة) لأينشتاين, أو (العقد الاجتماعي) لروسو, أو (بيان الحزب الشيوعي) لماركس وانجلز؛ نستطيع أن نؤكد طابعها الثوري, وأنها أحدثت زلازل علمية فكرية اجتماعية وسياسية. فالخاصية الثورية لنص ما, تكمن في طبيعته, وفي مفعولاته التاريخية القريبة أو البعيدة.
في كتاب (دوران الأفلاك السماوية) رفض كوبرنيكوس تعقيدات علم الفلك البطليموسي, وذلك من خلال جعل الشمس في مركز العالم بدل الأرض, «في وسط الكل تستقر الشمس», وأن الأرض تدور حول الشمس, وذلك من أجل التخلص من المشاكل التقنية في النظام
الفلكي البطليموسي الكثير التعقيد, وكذلك من أجل المحافظة على النظام, والانسجام بين حركات الأفلاك السماوية.
فبالرغم من أن الكوبرنيكية أنجزت في إطار مفهومي وسيطي, فلم يتم قبولها إلا بعد مخاض عسير من طرف العلماء, حيث مكنت من تدشين مسار جديد مغاير لما كان سائداً عبر تاريخ علم الفلك. إذ تم خرق إحدى ثوابت البراديغم الأرسطي البطليموسي, مما جعل
لحظة كوبرنيكوس نقطة فاصلة بين ما قبل وما بعد, مشكلة نهاية تاريخ وبداية تاريخ جديد مختلف, كتأويل مؤسس لرؤية تفصل لتصل, هنا ربما تكمن ثوريتها بل حياتها.
وفي مقال أينشتاين حول (نظرية النسبية الخاصة) يظهر البعد الثوري من خلال منهجه ومضامينه. فالثورة المفهومية التي أحدثها, تجلت في إعادة النظر في ثوابت الفيزياء الكلاسيكية باعتبارها (البراديغم السائد). إلا أن نشر أفكاره واجه صعوبات قوية, سواء من داخل المجتمع العلمي, أو من خلال الاختبارات التجريبية المعقدة, والتي تحتاج إلى تضافر جهود الباحثين, لأن الثورة ليست عملية فجائية كما قال توماس كون. لكن الثورة المفهومية لـ(نظرية النسبية الخاصة), تكمن في التحول المفهومي الذي حصل بين لحظتين (ما قبل أينشتاين وما بعده). فتاريخ الفيزياء, قبل أينشتاين, اعتبر أن مفهومي الزمان والمكان مطلقان, بمعنى أنهما يوجدان في استقلال عن المادة والملاحظين. فحركة الزمان منتظمة ومستقلة عن كل وعي إنساني. فالماضي ما كان ومضى والمستقبل ما سيكون بالنسبة للكل, وفي أي مكان في الكون. إن مقال أينشتاين زعزع هذه التصورات من خلال مبدأ النسبية في ربطه بمبدأ ثباتية سرعة الضوء, حيث فرض دلالات جديدة على العديد من المفاهيم, مثل: الزمان, التزامن, المسافة, السرعة, الكتلة... حيث أوضحت التجارب أن فكرة التزامن بين حادثين نسبي, ويتحدد بالمنظومة المرجعية, وأن الزمان المعاش بالنسبة لملاحظ يكون تابعاً لحركته. يتعلق الأمر هنا بثورة مفهومية فجرت الوعي الإنساني, وصدمت تمثلاته للعالم ولعلاقته به. فكل المفاهيم التي أطرت النظرية الكلاسيكية, وبنت (حقائق) العلم, اكتشف أنها (أوهام), وهذا ما يثبت ثورية نص أينشتاين, وقدرته على نسج علاقات جديدة ومعاني جديدة وربما (عالم جديد).
إذن, تقترن ثورية نص من النصوص, بمدى قدرته على خلق انفصالات داخل مجاله الخاص, وامتدادات خارجه. فحياة نص ما تعني قدرته على توليد الأسئلة والتفكير في الوقائع بشكل مختلف, وما يترتب عن ذلك من انعطاف في الفهم والتأويل, ومقاربة القضايا والظواهر(كوبرنيكوس وأينشتاين مثلاً), وفي جدة أفكاره, وفي قدرته على قلب معايير الحكم والتقويم المعتمدة في لحظة تاريخية معينة.
يعتبر كتاب (العقد الاجتماعي) لروسو ملهماً للثورة الفرنسية, يحدد فيه أسس السلطة السياسية من خلال مفهوم إرادة الشعب أو الإرادة العامة. فالمبدأ الذي يقوم عليه التعاقد الاجتماعي هو مبدأ الحرية, وكل مساس به, إفساد لهذا التعاقد وإلغاء له. ويذهب أبعد من ذلك, حينما يعتبر بأن الحكم المطلق لا يتوافق مع طبيعة المجتمع المدني. لقد عبر خطاب روسو عن ثوريته من خلال جعل الإنسان سيد نفسه ومصيره, حيث أنتج فكراً منظورياً: تضمن منظوراً ليبرالياً في استبداله سلطة الإنسان على الإنسان بسلطة القوانين, ومنظوراً ديمقراطياً في جعل الشعب هو مبدأ السيادة, ثم منظوراً جمهوريا إذ أن المواطن لايتحدد إلا بواسطة الفعل العمومي السياسي, وكذلك منظوراً اشتراكياً باعتبار أن القوانين تكون في صالح الأغنياء وليس الفقراء (الطبقة السائدة بلغة ماركس).
إن نص (العقد الاجتماعي) يطرح قضية مركزية في الفكر السياسي الحديث, وتتعلق بالسيادة من خلال مفهوم الإرادة العامة, فهذا الفكر جعل من نص التعاقد الاجتماعي (البراديغم الجديد) أو (نموذجاً فكرياً) مغايراً, وذلك من خلال التحول الذي حصل نتيجة التخلص من سلطة أفلاطون: المتمثلة في الحنين لعالم المثل والمدينة الفاضلة, ومن سلطة أرسطو: التي تقوم على البحث عن طبائع الملك وطبائع البشر, والمتعلقة بالبحث عن طبائع الأشياء, وأخيراً سلطة الدين: بالابتعاد عن المقاربة الروحية والحلول الأخروية للقضايا السياسية.
تبلور هذا الخطاب (كبراديغم سياسي) جديد, من خلال جهاز مفاهيمي يقطع مع الممارسة النظرية الوسيطية. فهو انتقال من عالم قديم إلى عالم جديد ومن علم قديم إلى علم جديد: من نظرية الحق الإلهي إلى نظرية التعاقد الاجتماعي, لذلك يمكن الحديث عن بعده الثوري نظرياً وعملياً.
وفي نص (بيان الحزب الشيوعي) لماركس وانجلز, تتحدد الأسلحة النظرية من أجل تغيير العالم, من خلال اعتبار أن تاريخ أي مجتمع ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. إنه أسس لهزات عنيفة داخل المجتمع الأوروبي, وقد تمت أجرأت هذا الخطاب على مستوى الممارسة, من خلال الثورة السوفيتية والصينية...
إن البعد السياسي لهذا الخطاب, اعتبر أن أية لحظة من لحظات الوجود الاجتماعي, تتحدد تاريخياً بسابقتها, تتولد عنها وتنتجها بالضرورة, فهذه الحقيقة جسدت بالفعل ثورية هذا النص على مستوى الواقع السياسي الاجتماعي, من خلال المثال الشيوعي, المتمثل في القضاء على الفوارق الاجتماعية والاقتصادية عبر وسائل فعلية كالثورة والصراع الطبقي. فـ(البيان) غير صورة العالم بأفكاره وجرأته وعنفه كذلك, حيث أقام قطيعة مع كل نزعة إصلاحية أو فوضوية.
إن ما يميز (البيان) هو الانقلاب الذي أحدثه اجتماعياً, فكرياً, فلسفياً, وكذلك سياسياً. فمن خلال ملحق (أطروحات حول فيورباخ), ومن خلال فكرته الشهيرة: إن الفلاسفة لم يعملوا إلا على تأويل العالم بأشكال مختلفة, لكن المهم هو تغييره, طرحت هذه المقولة الماركسية إشكالية الزوج المفهومي نظرية/ممارسة, وما أفرزته من تأويلات وأزمات داخل الحركة الشيوعية بين ماو ومسؤولي موسكو, وكذلك بين الفلاسفة أمثال سارتر, ألتو سير, ماركوز… أزمة امتدت لتوجه التاريخ الإنساني, عبر الربط بين الفكر والبراكسيس, كممارسة غيرت العالم.
إذن, يختلف منطق الثورات بين ماهو علمي, فكري, اجتماعي, وسياسي. وتظهر فكرة أن الأفكار لاتحكم العالم, كما قال ماركس, كصيغة تهدم ذاتها, لأن هذه الفكرة حكمت, وألهمت التاريخ الإنساني برمته!
ما يمكن ملاحظته من خلال هذه النماذج, هو أن خيطها الناظم, يكمن في كونها نصوصاً, استطاعت أن تفصل وتحدث فجوات داخل نظامها الخاص, وداخل أبستيمية ما, لتقدم ذاتها كجواز مرور نحو أبستيمية جديدة, أو على الأقل فتح مسارات, وشق طرقات في كيفيات النظر والوجود. فحياة كل نص رهينة بمدى فاعليته, والهزات التي يحدثها, والعنف الذي يغرسه, واليتم الذي يخلفه داخل نظام ما, لأن النص الحي, هو الذي لاينضوي تحت أي لواء, هو نص راحل غير مستقر في مذهب معين, بل ممتنع عن تصنيفه, ومقاوم لكل أشكال السلطة, بل هو ضد كل سلطة, وسلطته في ذاته, أي في اختراقاته وانفصالاته وفوارقه, ربما هنا تكمن حياته! بهذا المعنى قلنا هل يمكن لنص ما أن يغير العالم؟