المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاقتصاد الدولي يسبح تائها خارج نظريات الرأسمالية


Eng.Jordan
01-20-2012, 09:09 PM
صحيفة الاقتصادية -د. أمين ساعاتي
حينما نقول الاقتصاد الغربي يعني أننا نتحدث عن الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الأوروبي معا؛ أو أننا نتحدث عما يعرف حديثا بمنطقة الدولار ومنطقة اليورو.
وفي هذه الأيام فإن هاتين المنطقتين الاقتصاديتين تعانيان الترهل وتهددان مجمل الاقتصاد العالمي.
وفي تقريره الأخير فإن صندوق النقد الدولي يتوقع أن معدل النمو في الناتج القومي الأمريكي سيبلغ 2.9 في المائة في العام 2012؛ و2.7 في المائة بحلول الأعوام 2013 و2014 و2015 و2016.
وإذا كان الاقتصاد الأمريكي يمثل حاليا ما يقرب من الـ 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي؛ وأنه سيتناقص بحلول عام 2016 إلى نحو 17.7 في المائة من الإجمالي العالمي؛ فإن الاقتصاد الأمريكي سيتعرض لخفض جديد في الجدارة الائتمانية؛ وإذا تعرض الاقتصاد الأمريكي لهذا الخفض فإنه سيضع الاقتصاد العالمي في ورطة.
وفي منطقة اليورو فإن جوهر المشكلة يكمن في ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي وعجز الموازنات العامة في معظم دول الاتحاد الأوروبي، خاصة اليونان التي تجاوز فيها الدين العام نسبة الـ 100 في المائة، وفي هذا مخالفة صريحة للاتفاقيات الموقعة من قبل دول الاتحاد الأوروبي، ولذلك كانت ألمانيا في البداية لا تشجع فكرة قيام دول الاتحاد الأوروبي بتحمل مسؤولياتها ودعم اليونان وحمايتها من الإفلاس، بل قالت ميركل إن السياسيين اليونانيين أخطأوا والمطلوب منهم أن يتحملوا هم بالدرجة الأولى مسؤولية تصحيح أخطائهم، ولكن ميركل ما لبثت أن تراجعت حينما عرفت أن المصيبة لا تخص اليونان فقط، بل ستعم وتشمل كل الاقتصاد الأوروبي بدءاً بانخفاض ملحوظ في سعر صرف اليورو ثم يتبع ذلك تدهور للعملة الأوروبية وبالتالي تدهور الاقتصاد الأوروبي بصورة شاملة.
ولذلك سعت ألمانيا مع صندوق النقد الدولي إلى وضع خريطة طريق لإصلاح الاقتصاد اليوناني تتضمن إقراض الخزانة اليونانية بمبلغ يقترب من مليار ونصف مليار دولار لتمكينها من تسديد التزاماتها المالية وتنفيذ سياسة تقشفية تشمل خفض الرواتب مع فرض ضرائب جديدة وإصلاح الأنظمة التقاعدية وخفض ملحوظ في الإنفاق الحكومي، وغير ذلك من الأمصال الاقتصادية المؤلمة التي أدت إلى انفجار الشارع اليوناني في وجه هذه الإصلاحات، ولكن لم يكن أمام الحكومة اليونانية خيار إلا المضي قدماً في تنفيذ التزاماتها لإنقاذ اليونان من الإفلاس.
إن عدم التزام اليونان بتعهداتها أمام صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي.. يضع اليونان وجها لوجه أمام كارثة الإفلاس.
وقبل أن يتعافى الاقتصاد اليوناني فإن الاقتصاد الإيطالي المتعثر تسبب في إسقاط الحكومة الإيطالية وأدخل إيطاليا في أزمة اقتصادية خانقة؛ ولمواجهة الأزمة عين البرلمان الإيطالي رئيسا جديدا للوزراء تتولى وزارته مسؤولية القيام بتنفيذ روشتة علاج الاقتصاد الإيطالي من الأمراض التي يعانيها. وفي هذا خطر ليس على اليونان وإيطاليا فحسب؛ وإنما خطر يتهدد مجمل المشروع الاقتصادي الأوروبي؛ لا سيما أن الأخبار الواردة من إسبانيا والبرتغال مقلقة جدا؛ بل إن الأخبار التي تتناقلها وكالات الأنباء عن الاقتصاد الفرنسي حاليا تشي بشيء كبير من التوجس؛ وأخيرا تناقلت وكالات الأخبار أخبارا عن الاقتصاد الألماني الذي بدأت آثار الأمراض المنتشرة في أوصال اقتصادات اليورو تطوله وتنذره بما لا تحمد عقباه.
إن ما يحدث في منطقة الدولار وفي منطقة اليورو يعد أزمة مالية يمكن أن تكون بمثابة مرحلة جديدة من الأزمة المالية العالمية التي ستنعكس نتائجها سلباً على مجمل أداء الاقتصاد العالمي.
ويجب أن نلاحظ أن الدخول في جولة أخرى من عمليات إنقاذ البنوك هو أمر غير مقبول من الناحية الاقتصادية ولا حتى من الناحية السياسية خصوصاً في دول الاتحاد الأوروبي التي تمر ــ كما أشرنا ــ بظروف عصيبة أقلها أن خزائن البنوك مليئة بالسندات الحكومية الراكدة.
إذن نحن نتحدث عن أزمة مالية عالمية بدأت مخالبها ترسل إشاراتها المحمومة إلى كل أرجاء الاقتصاد الدولي ما يلزمنا الاستماع إلى بيانات رسمية تصدر من الجهات المختصة في بلادنا، ونخص بالذات وزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي اللتين لا تزالان تلزمان الصمت وسط تقارير خطيرة تصدر من مؤسسات مالية واقتصادية دولية ذات شأن مهم!
الأخطر من ذلك أنه لا يوجد في الأفق نظام اقتصادي يستطيع أن يمسك زمام المبادرة ويقود سفينة الاقتصاد الدولي، ولا توجد مؤشرات تقول بأن الصين مثلاً لديها نظام اقتصادي صيني مختلف عن النظام الرأسمالي الغربي، بل إن الاستثمارات الصينية واليابانية والاستثمارات الخليجية هي الآن من ضحايا الاقتصاد الغربي المترنح.
إننا إذا استعرضنا الأزمات العالمية، فإننا نجد أن الغرب هو الذي تسبب في كل الأزمات، وأن الغرب هو الذي ألحق أضراراً بالغة بالمال العالمي والبيئة العالمية.
وبهذه المناسبة فإنني أؤكد أن الاقتصاد الدولي لن يتحمل أزمة كتلك التي صفعته في عام 2008، لأنه استنفد كل أسلحته كما قال الاقتصادي العالمي نورييل روبيني الذي بشّر بأزمة الرهن العقاري، ولم يعد لدى الغرب أسلحة يواجه بها أزمة جديدة، وبالذات حينما تكون الأزمة أكثر حدة وضراوة، وهنا يكمن السؤال المهم: من سيدفع الثمن في هذه المرة، وما حجم الثمن الذي ستدفعه الدول الناشئة التي بدأت تضيق ذرعاً بأسقام الاقتصاد الغربي الذي بات يئن وينثر أمراضه في كل أنحاء الاقتصاد العالمي؟!