المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شعراء حرفيون


Eng.Jordan
12-12-2012, 07:52 PM
صلاح عبدالستار الشهاوي - مصر




في العصر المملوكي لم يكن الشعراء يحظون بمجالسة السلاطين والأمراء إلا قليلاً، لذا لم يكونوا يتلقون الجوائز والعطايا؛ فاتجه بعض من هؤلاء للبحث عن وسيلة لكسب العيش من الحرف والمهن والصناعات فرأينا الجزار والشاعر والوراق والحمامي والصائغ والخياط والعطار والكحال. واتجه هؤلاء الشعراء الحرفيون إلى الناس وتعايشوا مع اللهجة العامية حتى استطاعوا التعبير بعمق عن وجدان الناس وآمالهم وآلامهم بأشعارهم السهلة الألفاظ وصورهم البيانية الجذابة.
كما تناولوا موضوعات وأحداث الحياة اليومية في أشعارهم فكانوا حقيقة خير من أرخ لهذه الفترة. وقد ساعدت الألقاب الحرفية لهؤلاء الشعراء على تداول أشعارهم وتناقلها بين الناس، كما ساعدتهم على قرض الشعر والتورية بألقابهم والمطارحة بما ينظمونه من الشعر تارة والإجازة فيما بينهم تارة أخرى. ولم يكن في هذا العصر- العصر المملوكي- شعراء من الصف الأول –نقصد في المكانة الاجتماعية-؛ إذ اعتبروا جميعاً شعراء صف ثان.
ومن هؤلاء الحرفيين النابهين: أبو الحسين الجزار, جمال الدين أبو الحسين يحي بن عبدالعظيم, ولد بالفسطاط عام 601هـ /1205م ونشأ فيها, يعمل بالجزارة كأبيه وأقاربه ولكن ظهرت عليه وهو صغير دلائل حب الشعر وإنشاده، ترك الجزارة حرفة أبيه وتكسب بالشعر فاتصل بالحكام والوزراء والأمراء والكتاب ومدحهم ونال عطاءهم ولكن على الرغم من ذلك لم يجد سوق الأدب مربحة ويظهر أنه كان كريماً شديد الإسراف لا تكاد خلته تنسد مما جعله كثيراً ما يشكو الفقر والحاجة ومعاداة الأيام له, فلما وجد مهنة الأدب قد أورثته الخمول ولم تسد حاجته حن إلى حرفة الجزارة عساه يجد فيها بحبوحة العيش التي لم يوفرها له اشتغاله بالأدب, وما أجمل تصويره لذلك في قوله:
لا تلمني يا سيد شرف
الدين إذا ما رأيتني قصابا
كيف لا أشكر الجزارة ما عشت
حفاظاً وأرفض الآدابا
وبها أضحت الكلاب ترجّيني
وبالشعر كنت أرجو الكلابا
ومن أشعاره في حرفته:
حسبي حرافاً بحرفتي حسبي
أصبحت منها معذب القلب
موسخ الثوب والصحيفة من
طول اكتسابي ذنباً بلا كسب
أعمل في اللحم للعشاء ولا
أنال منه العشا فما ذنبي
خلا فؤادي ولي فم وسخ
كأنني في جزارتي كلبي
وقد يتعجب قارئنا اليوم من حال الجزار في العصر المملوكي بالمقارنة بما يراه من رغد العيش الذي يعيش فيه الجزارون في زماننا الآن, ولكننا نقول له: إن الغالبية العظمي من الناس آنذاك كانوا فقراء قد لا يأكلون اللحم إلا في المواسم والأعياد.
ومن الحرفيين الشعراء ابن أبي الربيع الخياط, المتوفى سنة 672هـ/1273م, كان معاصراً للجزار ومنافساً له، عاش ومات ودفن بالقرافة بالقاهرة المعروفة الآن بإسطبل عنتر، ومن شعره في أبي الحسين الجزار وكان بينهما مهاجاة:
أبا الحسين تأدب
ما الفخر بالشعر فخر
وما ترشحت منه
بقرة وهو بحر
وفيه يقول أيضاً:
إن تاه جزاركم عليكم
بفطنة عنده وكيس
فليس يرجوه غير كلب
وليس يخشاه غير تيس
ومن أدوات حرفته كخياط، الإبرة والكستبان (قمع يغطي طرف إصبع الخياط ليقيه وخز الإبر)، وقد قال فيهما ملغزاً:
ثلاثة في أمر خصمين
إلفين لكن غير إلفين
هما قريبان وإن فرقت
بينهما الأيام فرقين
فواحد يعضده واحد
ويعضد الآخر باثنين
تراهما بينهما وقعة
إذ تقع العين على العين
ومن أشهر الحرفيين الشاعر والأديب (السراج الوراق) (توفي 695هـ/ 1295م), وصفه ابن تغر بردي في (النجوم الزاهرة) بقوله: «شاعر مصر في زمانه بلا مدافعة», له ديوان في الأدبيات يشتمل على سبعة مجلدات يسمى لمع السراج، ومن الأبيات التي قالها في حرفته وصناعته:
وا خجلتي وصحائفي سوداً غدت
وصحائف الأبرار في إشراق
وموبخ لي في القيامة قائل
أكذا تكون صحائف الوراق
عاصر الوراق الجزار, وكان له مدعبات كثيرة وإجازات معه. وفيه يقول أبو الحسين الجزار:
إن السراج نسيم الريح يوقظه
إلى فوائد كالإبريز تتقد
تزيده الريح إيقاداً لفكرته
وما رأينا سراجاً في الهوى يقد
ولما مات الجزار رثاه الوراق بقوله:
يا عيدنا الأضحى سقى
صوب الغمام أبا الحسين
لو عاش فيك لقد غدا
يشكو بوار الصنعتين
ومن الحرفيين الشعراء المنسوبين للقرن السابع الهجري محمد بن رضوان المعروف بابن الرعاد, المتوفى سنة 700هـ/ 1300م، يقول عنه الكتبي في (وفات الوفيات): «كان ابن الرعاد خياطاً بالمحلة من الغربية وله شعر لا بأس به، وكان في غاية ال***** والترفع عن أهل الدنيا, واقتنى من صناعة الخياطة كتباً نفيسة، وابتنى داراً حسنة بالمحلة، ومن أشعاره ما يدل على إدراكه للاصطلاحات العروضية والنحوية وإلمامه باللغة وأساطينها»، وكانت بينه وبين البوصيري مهاجاة, وكان ابن الرعاد يعيب شعر البوصيري، فهجاه البوصيري بقوله:
لقد عاب شعري في البرية شاعر
ومن عاب أشعاري فلا بد أن يهجا
وشعري بحر لا يوافيه ضفدع
ولا يقطع الرعاد يوماً له لجا
ويعد ذلك تورية من البوصيري حيث أن الرعاد لقب الشاعر وكذلك اسم نوع من الأسماك.
عين بصل, اسمه الحقيقي إبراهيم بن علي بن خليل الحراني, وكان حائكاً أمياً عامياً نظم الشعر الفصيح في الغزل والوصف وغيرهما.
ومن غزلياته قوله من قصيدة:
جسمي بسقم جفونه قد أسقما
ريم بسهم لحاظه قلبي رمى
كالريح معتدل القوام مهفهف
مر الجفا لكنه حلم اللمى
رشأ أحل دمى الحرام وقد رأى
في شرعه وصلي الحلال محرما
رب الجمال بوصله وبهجره
ألقى وأصلى جنة وجهنما
وله قصيدة جيدة في وصف دمشق وجناتها يقول في مطلعها:
ربوع جلق في وصف للأوطار أوطان
وليس فيها من الندماء ندمان
كم لي مع الحب في أقطارها أرب
إذ نحن في ساحة الجيرون جيران
أيام تجرير أذيالي بها طرباً
ولي مكان له في السعد إمكان
إذ بت أنشد في غزلانها غزلا
لما عزت كبدي باللحظ غزلان
ومنها يقول:
فأنت في جنة منها مزخرفة
وقد تلقاك بالرضوان رضوان
وأنت فيها عن اللذات في كسل
أنهض فما بلغ اللذات كسلان
أما ترى الأرض إذ أبكى السحاب بها
آذارها ضحكت إذ جاء نيسان
والزهر كالزهر حياه الحيا فبدت
في الروض منه إلى الأبصار ألوان
زمرد قضب فيها مركبة
جواهر ويواقيت ومرجان
.... إلخ
ومن يقرأ هذه القصيدة بتمامها، يستروح فيها أنساماً من قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي في وصف دمشق، ولا سيما أن القصيدتين من بحر واحد وروي واحد.
وعن عين بصل يذكر صاحب (فوات الوفيات) أن قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان (المتوفى عام 681هـ) كان قد قصد هذا الشاعر، واستنشده من شعره فقال له: أما القديم فلا يليق, وأما نظم الوقت الحاضر فنعم, وأنشده:
وما كل وقت فيه يسمح خاطري
بنظم قريض رائق اللفظ والمعنى
وهل يقتضي الشرع الشريف تيمماً
بترب وهذا البحر يا صاحبي معنا
فلما سمع ابن خلكان القاضي ذلك قال له (أنت عين بصر لا عين بصل).
ومن أشهر الحرفيين في العصر المملوكي – محمد بن دانيال بن يوسف الموصلي – الحكيم الكحال ترجم له ابن حجر العسقلاني في كتابه (الدرر الكامنة), وقال عنه ابن تغرد بردي: «كان كثير الدعابة والنوادر والرواية، وكان دكانه داخل باب الفتوح من القاهرة، ومات في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة 710هـ/ 1310م», ومن شعره في صنعته:
يا سائلي عن حرفتي في الورى
وضيعتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقه
يأخذه من أعين الناس
وله من شعره في صنعته أيضاً:
ما عاينت عيناي في عطلتي
أقل من حظي ولا بختي
قد بعت عبدي وحصاني وقد
أصبحت لا فوقي ولا تحتي
ومن أشهر الشعراء أصحاب الحرف في العصر المملوكي النصير الحمامي المتوفى سنة 712هـ/ 1312م، كان شاعراً ماهراً، عاصر الوراق والجزار وابن دنيال، ومن قول الحمامي في صناعته وفيها تورية:
وكدرت حمامي بغيبتك التي
تكدر فيها العيش من كل مشرب
فما كان من صدر الحوض منشرحاً بها
وما كان قلب الماء فيها بطيب
وقوله:
لي منزل معروفة
ينهل غيثاً كالسحب
أقبل ذا العذر به
وأكرم الجار الجنب
وقوله متأثراً بصناعته في ألفاظه وفي صوره البيانية ما كتبه إلى السراج الوراق، وكان السراج مقيماً بجزيرة الروضة:
وكم ترددت للباب الكريم لكي
أبلَ شوقي وأحيي ميت أشعاري
وأنثني خائباً فيما أؤمله
فأنت في روضة والقلب في نار
ومن الحرفيين أيضاً إبراهيم بن على المعمار المعروف بغلام النوري المتوفى 749هـ/1348م الذي اعتبر من أشهر الموالين في العصر المملوكي وله مقاطع شعرية غاية في الروعة وكان له إنتاج جيد في الأزجال، وكتب الشعر في مختلف الأغراض. من أشعاره في الهجاء ما قاله في ابن الأكفاني الطبيب:
لابن الأكفاني طب
أسأل الله منه السلامة
ما له قط مريض
قام إلى يوم القيامة
ولما مات المعمار رثاه برهان الدين القيراطي بشعر يناسب عمله كمعمار قال فيه:
مذ عمر المعمار دار البلا
رمى بيوت النظم بالنقض
فيا له من شاعر ميت
بكت عليه طوب الأرض
الشاعر الحلاق هو الشاعر أحمد محمود عرفة, ولد في حي القباري الشعبي في الإسكندرية عام 1917م, درس الابتدائية, ثم عمل أجير حلاق فحلاقاً مستقلاً حيث افتتح في نفس الحي (صالون حلاقة), ولكن الشعر غلب عليه نفسه وانتصر فنظم الشعر أولاً بالعامية المصرية ولكن سرعان ما كتب بالفصحى بعد أن التقى شعراء قرؤوا له ونصحوه بذالك واخلصوا في النصح وأصبحوا له أصدقاء, وهم الشاعر محمد مفتاح الفيتوري والشاعر محي الدين فارس. ولكن شاعرنا كغيره لم يجد في الشعر ما يقوم به أبسط وأقل متطلبات الحياة فعاد إلى مهنته الحلاقة يأكل منها وينفق على أسرته وعلى شعره فأصدر ديوانين (ظلال حزينة 1953م ), و( ألحان من الشرق 1959م). ومن ديوانه ظلال حزينة هذه الأبيات:
يا أخي وحشتي تزلزل روحي
وتعري عنها جميل الثياب
مثل طير ينسل ويبقى
في انتظار لكاسر غلاب
وتحتفظ دار الكتب المصرية بمخطوط قام بتأليفه الوزير الأديب ابن مكناس (745-794/ 1344- 1391م) بعنوان رسالة تشتمل على محاورة بين خمسين شاعراً كل منهم يخالف الأخر في حرفته شرط كل واحد منهم ألا يكلم رفيقه إلا بعبارة تناسب حرفته.. فقال مبيض النحاس:
أبيض جهدي فيما أنتم تسودون
وما من فعال تفعلوها فتنطلي
فخلوا الجفا والصد واجعلوا طريقكم
عسى همكم عنا يزول وينجلي
وقال الشماع:
وأحرقتم قلبي بنار صدودكم
وأغرقتموا في ماء دمعي أجفاني
وذوبتم جسمي ونوري قد انطفأ
وبدلت بعد الفرح منكم بأحزاني
وقال النجار:
ولا بد لي من نجركم بعد كسركم
فقد تلفت روحي ودبت من الفزع
وأقطع فيكم ثم أنشر ذكركم
فبابكم في الحب عندي قد انخلع
وقال الصباغ:
أصافي وأنتم دائماً تتلونوا
على من قطعتم في محبتكم دهره
فلا تطمعوا يوماً بأني عبدكم
عقيب اقتطافي من تواصلكم زهرة