المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثورة الكوبيرنيكية والقلب المنهجي


Eng.Jordan
12-12-2012, 07:57 PM
محسن المحمدي - المغرب

لا أحد ينكر أن العلم يلقي بثقله على حياتنا إلى درجة أصبح بمثابة الباراديغم أي النموذج الموجه للتفكير والسلوك، فقولنا علم هو قول بمنهج جديد اكتسح مجال المعرفة الإنسانية، حيث انتقل الإنسان من المعرفة المعطاة والجاهزة نحو المعرفة كصناعة وبناء يشيد بمجهود الذات. فأنا قد أرى الثعبان يرقص على نغمات مزمار مروضه فأحكم أنه يسمع، لكن العلماء يثبتون أنه أصم، كما أني قد أحضر إلى مبارزة الثيران المشهورة في إسبانيا وأقول إن الثور يرى الألوان مادام أنه يستفز باللون الأحمر إلا أني أفاجأ بالعلم يخبرني أنه لا يرى إلا الأبيض والأسود. وإذا ما رأيت اللون الأبيض أعجز تماماً عن إدراك كونه مركب من سبعة ألوان تدعى ألوان الطيف. أما إذا سألتني عن الخفاش فسأصنفه ضمن الطيور، لأكتشف أنه من الثديات.. هذه الأمثلة وأخرى تثبت أن ما أراه في واد وما ينجزه العلم في واد آخر والسبب أن العلم يتقاطع تماماً مع الحواس فهي مضللة ولا تنقل العالم بأمانة، والتعويل عليها لن يمكننا من الحقيقة. لكن كيف تنبه الإنسان إلى أنه مخدوع وأن طرق البحث عن الحقيقة القديمة لم تعد مجدية؟ ما الطارئ المفاجئ الذي جعله يستفيق ويقوم بمسح الطاولة جذرياً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه فيما تبقى من المقال وذلك بالعودة للجذور المؤسسة للمنهج العلمي.
صدر في سنة 1543م كتاب بعنوان (في دوران الأجرام السماوية) لصاحبه نيكولا كوبيرنيك (1473-1543) غير بنية الكون التي آلفها الإنسان من قبل، فلم تعد الأرض كما كانت مركزاً للكون، حيث تركت مكانها الأدنى صاعدة نحو الأعلى لتدور حول الشمس التي أصبحت المركز الجديد للعالم، قد يبدو هذا القلب أمراً عادياً لكن في المسألة منعطف خطير سيهز التفكير الإنساني وسيكون بمثابة الشرارة الأولى لما يسمى الحداثة والذي سنركز فيه بالضبط على الجوانب المنهجية التي جعلت المعرفة الإنسانية تأخذ دربها الآمن نحو العلمية.
لقد أحدثت الكوبيرنيكية انقلاباً على مستوى المنهج في رؤية العالم، فالإنسان وعبر تاريخه الفلكي لم يعر اهتماماً لموقعه كملاحظ متحرك في الأرض، فكان مثله مثل راكب السفينة ينظر إلى الحركة خارج السفينة وينسى كون السفينة هي بدورها تتحرك، فمع كوبيرنيك ستتم معاودة النظر في سبل الوصول إلى الحقيقة، فالعالم ينتقل إلى حواسنا بشكل مزيف ومضلل، حيث الشمس تخدعنا كل يوم، كما أن الأرض التي تبدو للعين ثابتة وفي الأسفل هي في حركة دائمة وملقاة كحصاة مهملة في السماء. باختصار نبهتنا الكوبيرنيكية إلى أن حواسنا المستخدمة كنوافذ على العالم تشهد زوراً مما يجعل الشك ضرورياً، لأن الحقيقة ضائعة ومهددة، فحواسنا ما كان بإمكانها أن تبرز دوران الأرض فالمسألة تحتاج إلى عمل افتراضي ذهني.
إذن منذ كوبيرنيك اقتنع الإنسان بإلزامية مسح الطاولة والبناء من جديد، فلم يعد عقله يقبل بالسذاجة مقرراً الخروج من القصور وقبول الحقائق كما هي دونما تمحيص وتدقيق. بعبارة أدق على العقل أن يتحرك وهو حذر ويقظ ومسلح بكل التريث اللازم قبل إصدار أي حكم حقيقة على العالم من حوله، فهو يعيش في عالم لا يبوح بسره من مجرد أن تراه الحواس، فالحقيقة لم تعد جاهزة بل تصنع صناعة وتتطلب منهجاً صارماً ودقيقاً، تمليه الذات العارفة على الموضوع المدروس. وهذا هو المشروع الضخم لمؤسس الأزمنة الحديثة ديكارت.
لقد أصبح من نافل القول التذكير بكوبيرنيكية ديكارت فهو عاش دراما هذا التحول المدوي في رؤية الإنسان للعالم لدرجة أنه وجراء محاكمة غاليليو قرر حرق كتابه (العالم) لما فيه من تأييد صريح لفكرة دوران الأرض، فشك ديكارت المشهور لم يكن نزوة، بل كان من إملاء التغير الفلكي الجديد. كما أنه هو من صرح لصديقه الأب مرسن في رسالة متم نونبر 1633: «وإني لأعترف بأنه إذا كانت فكرة حركة الأرض خاطئة، فإن جميع أسس فلسفتي ستكون باطلة كذلك».
لقد وجه ديكارت الكوبيرنيكية، وجهة فلسفية، بحيث جعل الذات الإنسانية هي الأساس والمنطلق الجديد، هي المصححة لخداع الحواس. فإذا كانت العين المجردة ترى الشمس قريبة، فالذات (العقل) تصحح هذا الخطأ، كما أن الأرض التي تبدو حسياً ثابتة، لا يمكن معرفة كونها تدور إلا بتدخل الذات عن طريق الافتراض، فالإحساس لا يطابق الواقع، ولا يعطي صورة أمينة عنه. يقول ديكارت : «لو كانت حاسة السمع تحمل إلى فكرنا الصورة الحقيقية لموضوعها، لكان يجب أن تجعلنا بدل أن ندرك الصوت، أن نتصور حركة أجزاء الهواء الذي يرتجف، بناء على ذلك بإزاء آذاننا».
إن ديكارت لا يهمل الحس، ولكن يدعو إلى تجربة حسية معقلنة، فعلى المرء أن يستعين بالعقل أي بالاستدلالات الهندسية ليرتقي بالحكم الحسي إلى مرتبة الحقيقة، لذلك نجده يقول في جهة أخرى: «تبدو لنا الأرض بادئ ذي بدء أكبر بكثير من كل الأجسام الأخرى الكائنة في العالم، كما يبدو القمر والشمس أكبر من النجوم.. لكن إذا صححنا نظرنا باستدلالات هندسية لا تخطئ، فسنجد أن القمر أصغر من الأرض وأن الشمس أكبر من الاثنين بكثير.. وسنعرف أيضاً، بتوسط العين التي يساعدها العقل أن المشتري يبعد عن الشمس أكثر من مئتي ضعف قطر الأرض.. إلخ».
مع ديكارت إذن ومن ثم المجتمع الحديث، تغيرت زاوية النظر، فإذا كنت تريد البحث عن الحقيقة، فلا تبحث عنها في العالم (الموضوع)، فلتبحث عنها في الإنسان (الذات)، فهو المتكأ والمعلم الجديد، وبكلمة واحدة، لقد أصبح العالم مع ديكارت تمثلاً.
لقد كان أكبر هم ديكارت هو البحث عن الطريقة التي من خلالها يتم تجاوز منظومة الفكر القديم القائمة على أساس الموضوع، الذي أصبح مشكوكاً فيه بقوة الطرح الكوبيرنيكي، فعبر جل كتاباته نجده مهووساً بمسألة المنهج وتغيير الطريقة في الرؤية، فسؤاله الهاجس هو سؤال المعرفة؟ ومن ثم الحقيقة؟ فهو كان يريد القول للجميع: إن الفكر القديم قد أصبح بناء هشاً، فلنغيره بأساسات أخرى صلبة هي الذات، هي العقل المنهجي.
نخلص إذن إلى أن الكوبيرنيكية كان لها الدور المحرك في ظهور المنهج العلمي الحديث، فهي من جعلت الإنسان يدرك كون العالم يقدم نفسه مضللاً ومزيفاً، فحواسنا تشهد زوراً ولا يعول عليها في كشف سر العالم، فمع كوبيرنيك سنكتشف أن الطبيعة عنيدة ولا تبدي سرها أو تكشف شفرتها لمن يتعامل معها خاماً، بل هي تجود وتكون سخية لمن يسائلها ويأخذ معطياتها بمحمل الجد، فيرتبها ويدققها ويمحصها متبعاً خطوات رياضية صارمة تجاهها. بكلمة واحدة يكمن الدرس الكوبيرنيكي للبشرية في كون الحقيقة تبنى وليست معطاة.