المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خصوصية الاستعراب


Eng.Jordan
12-12-2012, 08:10 PM
إبراهيم حاج عبدي - سوريا

يتمتع الاستعراب، في صورة عامة، بخصوصية جعلته متميزاً ومغايراً لما يعرف بالاستشراق الذي خصص له المفكر الفلسطيني الراحل إدوار سعيد كتاباً تحدث فيه عن ملابساته ودوافعه وآلياته. فالاستعراب هو الاهتمام باللغة العربية وآدابها وحضارة المسلمين وعلومهم، أما الاستشراق فيعني الاهتمام بالثقافات والآداب الشرقية عموماً ومن ضمنها العربية. وعندما نقول (الاستعراب الإسباني) نكون، عندئذ، إزاء مصطلح خاص يحمل مدلولاً معيناً يشير إلى أولئك الباحثين والمفكرين واللغويين الإسبان الذين شغفوا باللغة العربية والتراث العربي الإسلامي وبالعادات والتقاليد والطقوس العربية الإسلامية، وسعوا إلى إظهار دور الحضارة العربية الإسلامية في تطوير مختلف حقول المعرفة.
وغني عن البيان، أن إسبانيا تميزت عن غيرها من الدول الأوروبية في كونها سباقة إلى الاحتكاك بالعرب، والاستفادة من حضارتهم وثقافتهم، مما جعلها تتبوأ مكانة خاصة في ميدان الاستعراب، وبهذا المعنى تعد حركة الاستعراب الإسباني من أقدم الحركات الاستعرابية التي عرفها العالم الغربي. وإذا كان الغرب يحدد بداية الاستعراب الرسمي بعام 1312م؛ فإن الاستعراب الإسباني يرجع إلى بداية انتشار الإسلام في الأندلس في القرنين الثالث والرابع الهجري، إذ اهتم الإسبان منذ ذلك الوقت باللغة العربية وبالتراث العربي، ولعل في وصف الراهب القرطبي (آلبرو) ما يدل على ولع الإسبان الكبير بالتراث العربي حيث يقول: «إن إخواني في الدين يجدون متعة كبرى في قراءة أشعار العرب وحكاياتهم، ويقبلون على دراسة مذاهب أهل الدين والفلاسفة المسلمين، لا ليردوا عليها وينقضوها؛ وإنما لكي يكتسبوا من ذلك أسلوباً عربياً جميلاً وصحيحاً»، ويضيف آلبرو «إن الموهوبين من شبان النصارى لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها ويؤمنون بها ويقبلون عليها في نهم، وهم ينفقون أموالاً طائلة في جمع كتبها».
وإذا ما أراد المرء أن يحصي عدد المستعربين الإسبان فإنه سينتهي إلى قائمة طويلة من الأسماء مثل خوان أندريس (1740ـ1817) وهو أول من أشار إلى الأثر العربي في الثقافة الإسبانية خاصة والأوروبية عامة، فقد ألف كتاباً عن أصول الأدب عامة وتطوراته وحالته الراهنة طرح فيه الكثير من القضايا الأدبية والفكرية والتاريخية، معلناً «أن كل ما بلغته أوروبا من نهضة في العلوم والفنون والآداب إنما كان بفضل ما تلقته من العرب عن طريق الأندلس وصقلية الإسلامية».
وثمة كذلك باسكوال دي غاينغوس (1809ـ1897م) الذي يعتبر المؤسس للاستعراب العلمي الإسباني الحديث، فقد أمضى طفولته في باريس حيث درس على يد المستشرق الفرنسي المشهور دي ساسي، وكان مهتماً بدراسة التراث الأندلسي تاريخاً وفكراً وحضارة، فتمكن من جمع مكتبة نفيسة ضمت أكثر من أربع مئة مخطوط، وهو يعد رائداً لضرب جديد من الدراسات الأندلسية، يقوم على تفهم صحيح لحضارة العرب في إسبانيا وتقدير لمنجزاتها، غير أن أهم منجزاته هو إعداده لطائفة كبيرة من تلاميذه خدموا الدراسات العربية طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
وثمة خوليان ريبيرا تاراغو (1858ـ 1934م) الذي يعد بدوره واحداً من كبار المستعربين الإسبان، إذ دأب خلال حياته على دراسة الأدب الأندلسي وتاريخه، وأنجز ريبيرا العديد من الأعمال المهمة المتعلقة بالتراث الأندلسي، وكان يعتبر الحضارة الأندلسية جزءاً من التراث الإنساني القيم، وأن كل منجزات الأندلسيين المسلمين في العلوم والفنون والثقافة ينبغي أن تنسب إلى إسبانيا قبل أن تنسب إلى الشرق العربي أو الغرب الأوروبي.
وتطول القائمة لنصل إلى اسم مستعرب بارز يعد مؤسس الاستعراب الإسباني المعاصر، ونعني المستعرب بيدرو مارتينيث مونتابيث (1933) الذي منح قبل سنوات جائزة الشيخ زايد للكتاب تكريماً «لدوره الرائد في بناء جسور التواصل بين الثقافتين العربية والإسبانية، وجمع المستعربين الإسبان والمستعربين في أمريكا اللاتينية بالمتخصصين العرب في اللغة والثقافة الإسبانية» -بحسب ما جاء في حيثيات منح الجائزة.
وقد شغل مونتابيث العديد من المناصب الأكاديمية، وترأس جمعية الصداقة الإسبانية العربية والجمعية الإسبانية للدراسات العربية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه بالفلسفة والأدب (اللغات السامية) من جامعة كومبلوتنسي بمدريد، إضافة إلى ثلاث درجات دكتوراه فخرية من جامعة جيان وجامعة إليكانتي وجامعة غرناطة.
تقول الباحثة السورية أثير محمد علي، المتخرجة في جامعة أوتونوما بمدريد: «إن مونتابيث يعد من الشخصيات البارزة في مجال الاستعراب الإسباني، فهو استطاع أن يؤسس لمفهوم الاستعراب بالمعنى العلمي الأكاديمي، ويعترف معظم المستعربين بمكانته الجليلة في مجال الاستعراب».
وتضيف محمد علي، التي أجرت لقاءات مطولة مع مونتابيث في منزله بمدريد وتعتزم نشرها في كتاب: «لعب مونتابيث دوراً بارزاً في التعريف بالقضايا العربية والإسلامية»، مشيرة إلى أنه أنجز أكثر من ثلاثين مؤلفاً، فضلاً عن الترجمات والمقالات، ومن أهم كتبه (مدخل إلى الأدب العربي الحديث- 1974)، و(سبعة قصاصين مصريين معاصرين- 1965)، و(استطلاعات في الأدب العربي الحديث- 1977)، و(كتابات عن الأدب الفلسطيني- 1982)، و(الأدب العربي اليوم- 1992).. وسواها من الكتب.
وتضيف محمد علي: « بدأ مونتابيث يهتم بحركة الاستعراب لدى عودته إلى بلاده من مصر التي سافر إليها عام 1956، إذ عمل على تجديد هذه الحركة، وراح يهتم بالأدب العربي الحديث وخصوصاً الشعر»، لافتة إلى أن «الاستعراب على يديه انتقل من الاهتمام بالماضي فحسب، إلى الاهتمام بالحاضر كذلك»، وهي تقتبس عن مونتابيث قوله: «كان علي أن أقوم بالتجديد، وأنا أؤمن بأن مهمتي التجديدية للاستعراب يجب أن يكون لها معنى وعمق اجتماعي. بهذا المنطق برزت ضرورة إعادة الصلة بين الجامعة وبين المجتمع من جديد، بعد الإقصاء الطويل لأسباب تاريخية فرضتها مرحلة ما بعد الحرب الأهلية. من هنا كان لابد من استنفار العلاقة مع المجتمع وقضاياه، كواحدة من قيم وغايات دراساتنا الاستعرابية. بمعنى أنه ترتب علينا الكلام بوسائلنا العلمية والتعليمية مع المجتمع مباشرة».
وتضيف محمد علي في حديث لـ(المجلة العربية): «لدى الحديث عن الاستعراب الإسباني يبرز كذلك اسم المفكر والروائي الإسباني خوان غويتيسولو الذي أنجز كتابا مهماً بعنوان (في الاستعراب الإسباني)، وفيه يتناول مختلف المواقف الفكرية والنقدية، إضافة إلى تفكيك القول الاستعرابي من خلال نماذج تبين المراوحة الواسعة من الرفض أو القبول لما هو عربي في شبه الجزيرة الإيبيرية».
وتشير محمد علي، التي تقيم في إسبانيا وتزور دمشق من حين لآخر إلى أن «الثقافة العربية عميقة الجذور في المشهد الثقافي الإسباني، فهناك المئات من المفردات العربية المستخدمة في اللغة الإسبانية المحكية مثل سكر، رز، مخدة، ضيعة، بلدة.. إلخ، فضلاً عن مفردات عربية رصينة تستخدم في الأبحاث الأكاديمية»، لافتة إلى أن «غويتيسولو حاول في كتاباته أن يعود إلى هذه المفردات الشائعة في اللغة الإسبانية ليعيد الصلة الوطيدة مع كل ما هو عربي في المكون الثقافي الإسباني).
وتقول محمد علي: «تتميز إسبانيا عن غيرها من الدول الأوروبية في أنها تحوي كنوز الحضارة العربية الإسلامية، مثل قصر الحمراء في غرناطة، وقصر المعتمد بن عباد في إشبيلية، ومسجد قرطبة الكبير، والمدن الإسبانية الأخرى من طليطلة إلى قادش إلى سرقسطة إلى مرسية التي تحوي كذلك الكثير من الصروح والآثار التي تشير إلى حضارة الإسلام التي ازدهرت هناك، وهذا الحضور لا يقتصر على العمارة فحسب، بل هو يندرج في مفردات الحياة اليومية، وفي العادات والتقاليد التي مازالت تحافظ على أصالة الروح العربية».
من جانبه يقول الدكتور خالد الحسين، المتخصص في الأدب العربي: «إن المستعربين الإسبان أسهموا إلى حد كبير في إضاءة جوانب مهمة في التراث العربي الإسلامي»، مبيناً أنهم «استطاعوا أن يشرحوا للأوروبيين دور العرب البارز في نهضة أوروبا، على عكس النظرة الاستشراقية التي طغت عليها نبرة الاستعلاء في غالب الأحيان».
ويضيف الحسين في حديث لـ(المجلة العربية): «إن خصوصية الاستعراب الإسباني تكمن في حضور الثقافة العربية في يوميات الثقافة الإسبانية»، لافتاً إلى أن «الاستعراب، الذي يروم فهم الآخر العربي، هو في وجه من وجوهه يقرّب المستعرب من ذاته وشخصيته الحضارية؛ ذلك أن الثقافة العربية -إن شئنا أم أبينا- هي جزء من المكون الثقافي الإسباني، وبالتالي فإن المستعرب حين يهتم بالثقافة العربية، فإنما يتقرّب أكثر من تاريخه ومن حاضره».
ولم يخفِ الحسين خشيته من بعض «الدراسات الاستعرابية التي تفوح منها رائحة العنصرية، عبر نسب كل ما هو عربي إسلامي إلى تاريخ الثقافة الإسبانية»، معتبراً أن «مثل هذه النظرة القاصرة تفقد المستعرب مصداقيته وموضوعيته»، مختتماً بالقول: «إن هؤلاء قلة على أي حال، ويبقى الاستعراب في شكله العام حركة تغني الثقافة العربية والإسبانية معاً».
ومثل هذا التمازج الثقافي، إذا جاز التعبير، يذكرنا بقصيدة للشاعر الراحل نزار قباني عنوانها (غرناطة)، وهي تتحدث عن لقاء له مع دليلة سياحية على باب قصر الحمراء، إذ ينشد الشاعر:
في مدخل الحمراء كان لقاؤنا
ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد
هل أنت إسبانـية؟ ساءلـتها
قالت: وفي غـرناطة ميلادي
غرناطة..؟ وصحت قرون سبعة
في تينـك العينين بعد رقاد
وأمـية راياتـها مرفوعـة
وجيـادها موصـولة بجيـاد
ما أغرب التاريخ كيف أعادني
لحفيـدة سـمراء من أحفادي
وجه دمشـقي رأيت خـلاله
أجفان بلقيس وجيـد سعـاد
ومـشيت مثل الطفل خلف دليلتي
وورائي التاريـخ كـوم رمـاد
قالت: هنا (الحمراء) زهو جدودنا
فاقـرأ على جـدرانها أمجـادي
يا ليت وارثتي الجمـيلة أدركـت
أن الـذين عـنتـهم أجـدادي
عانـقت فيهـا عنـدما ودعتها
رجلاً يسمـى (طـارق بن زياد)