المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خوان بيرنيط.. وداعاً: آخر المستعربين الإسبان الكبار


Eng.Jordan
12-12-2012, 08:11 PM
محمد عبدالرحمن القاضي - المغرب


نعت الأوساط الثقافية والأكاديمية والإعلامية في إسبانيا المستعرب والمؤرخ الكبير خوان بيرنيط الذي توفي في برشلونة عن عمر يناهز ثمانياً وثمانين سنة (5/8/2011م)، مذكرة بأبرز إنجازاته في مجال الاستعراب الإسباني الذي كرس له حياته، فترجم وألف، وبحث ودرس، وأسس مدرسة استعرابية تميزت بخصوصيتها في الأوساط الثقافية والفكرية الإسبانية والعالمية. وقد وصفته صحيفة (إلبايس El Pais) الإسبانية بأنه (المستعرب المتكامل أو الشامل) وذلك لاهتمامه بكل ما يتعلق بالثقافة والتاريخ العربيين وخوضه في مجالات الآداب والدين والسياسة والعلوم والترجمة وحتى أنساب العرب.
وقال عنه تلميذه الدكتور خوليو سامسو الذي رافقه قرابة خمسين سنة، وهو مستعرب معروف كذلك خلفه في كرسي الدراسات العربية بجامعة برشلونة: «إن بيرنيط هو المستعرب الإسباني الأكثر تكاملاً في القرن العشرين، لأنه لم يكن مستعرباً إسبانياً تقليدياً، وإنما تناول كل شيء ابتداء من كتابه سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحتى تاريخ الجزائر في القرن التاسع عشر، كما كان ملماً بتطوير العلوم في القرون الوسطى وعصر النهضة التي شكل لها فريقاً مهماً من الباحثين».
أما الناقد والإعلامي المعروف (سرجي دوريا) فقد كتب من جهته في صحيفة (ABC) الإسبانية: «إن الدكتور بيرنيط كان علماً في الدراسات العربية، إنه معلم الاستعراب الإسباني. وقد سبق أن أجريت معه أكثر من مقابلة، إن محاورة بيرنيط لم تكن أمراً سهلاً، فهي توجب التركيز والانتباه الشديدين لأنه ينتقل من تاريخ إلى آخر ومن شخصية إلى أخرى ومن موضوع إلى آخر لغزارة علمه.. وأكدت أنه لكثرة ما كان يناقش بالقرآن وقيم الإسلام، وجدالاته المعروفة مع أئمة المساجد في برشلونة؛ ظن البعض أنه مسلم، لكن رؤيته العقائدية تقوم في الحقيقة على مزيج من الديانات الثلاثة، وهو من القلة التي تعتقد وتثق بإمكانية التفاهم والامتزاج بين هذه الأديان».
وسبق لصحيفة (الرياض) السعودية أن كتبت في عددها ليوم 8 يوليو 2006 عدد 13893 أن «المستعرب خوان بيرنيط وصف في كتابه (محمد) الذي يتناول سيرة رسول الإسلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه (الصادق الأمين)؛ لأنه آمن بأن ما يدعو إليه هو (كلمة الله)، وأوضح في مقابلة مع وكالة الأنباء الإسبانية أن عمله الذي لايمكن للعامة إدراكه، يتركز على المصادر العربية عن حياة رسول ديانة هي الإسلام، يعتنقها في الوقت الحالي أكثر من مليار إنسان». ومن المعروف كذلك أن خوان بيرنيط يعد واحداً من أفضل من ترجموا القرآن الكريم إلى اللغة الإسبانية، والأكثر رواجاً وإقبالاً من طرف الناطقين بهذه اللغة، وأعيد طبعه مرات عديدة.
من هو خوان بيرنيط؟
ولد خوان بيرنيط في مدينة برشلونة سنة 1923م، تخرج من جامعة مدريد سنة 1948، وكان موضوع أطروحته (مساهمة ابن البناء في علم الفلك)، وابن البناء هذا عالم مغربي اشتهر بلقب (العددي) المراكشي، عاش بمدينة مراكش أيام الدولة المرينية (645-721هـ)، نبغ في الرياضيات والفقه والحديث والتفسير والتنجيم والفلك والهندسة والمنطق والفلسفة، ترك (85) كتاباً أو تأليفاً أو موضوعاً، وقد صدر الكتاب بمدينة تطوان المغربية سنة 1952م.
استهواه التراث العربي الإسلامي فانجذب نحوه واستأثر به باحثاً، ومنقباً، ومترجماً ومؤلفاً، ومدرساً، ومدافعاً عنه، فاحتل بذلك مقعده الجامعي كمستعرب وأستاذ كرسي (اللغة العربية وآدابها) بجامعة برشلونة منذ 1954م. فأصبح أشهر وأفضل مستعرب في العالم، حصل على عضوية في العديد من المجامع والمؤسسات العلمية والبحثية:
- عضو بالأكاديمية الملكية للآداب ببرشلونة 1959.
- عضو بالأكاديمية الملكية للتاريخ والعلوم بباريس 1960.
- عضو بمعهد الدراسات الكاطالونية ببرشلونة 1980.
- عضو بالأكاديمية الملكية الإسبانية للتاريخ بمدريد 1981.
- عضو بالمجمع العالمي للتاريخ، عضو بمجمع الفنون الجميلة، عضو شرفي بالجمعية الملكية بلندن، والجمعية الآسيوية بباريس، عضو مراسل لمجمع اللغة العربية الأردني.
- ساهم في تحرير دائرة المعارف الإسلامية.
- ساهم في كتاب (تراث الإسلام) الذي صنفه (شاخت وبوزورت) بموضوع عن (الرياضيات والفلك والبصريات في الإسلام)، وقام بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية الدكتور حسين مؤنس والصادر عن سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية عدد:12/1978م.
وفي سنة 1992م وبمناسبة الاحتفالات الكبرى التي نظمتها إسبانيا بمناسبة ذكرى مرور 500 سنة على اكتشاف أمريكا (1492-1992م) أصدر كتاباً ضخماً بمشاركة زوجته المستعربة (ليونور مارتينيث مرتين) تحت عنوان: (الأندلس: الإسلام في إسبانيا) عن دار LUNWERG للطبع والنشر في كل من مدريد وبرشلونة، والكتاب باللغتين الإسبانية والإنجليزية، يقع في مئتين وخمسين صفحة من القطع الكبير في طبعة فاخرة، ويتضمن قسماً خاصاً بأسماء الملوك والسلالات العربية والإسلامية التي حكمت الأندلس، كما ضم باباً يحتوي على العديد من الشروح والتفاسير للصور المدرجة في الكتاب التي فاقت 171 صورة ملونة، تعطي فكرة مسلسلة عن مختلف المراحل التاريخية والحضارية التي عرفها الوجود العربي في الأندلس، وهي مأخوذة من أشهر المراجع والمتاحف والمكتبات العالمية.
كما ساهم في كتاب (الأندلس) الصادر عن متحف (المتروبوليتان) في نيويورك تحت إشراف (جيريلين دودز) بموضوع (تراث الإسلام في إسبانيا) وقد صدر الكتاب سنة 1995م.
نشر عدداً كبيراً من تراجم العلماء العرب والأندلسيين، يضاف إلى هذه المنجزات ترجمته لكتاب (ألف ليلة وليلة) إلى اللغة الإسبانية، وهي من الترجمات التي لقيت استحساناً كبيراً داخل الأوساط الثقافية والأكاديمية الإسبانية، وإن كان قد سبقه إلى ذلك آخرون إلا أن ترجمته كانت أفضل وأكثر انتشاراً داخل إسبانيا وخارجها، أعيد طبعها مرات عديدة. ثم كتابه الشهير (ما ينبغي أن تعرفه أوروبا عن الإسلام في إسبانيا) الصادر سنة 1974م وهو أهم وأشهر أعماله. وقد ترجم إلى لغات عديدة: الفرنسية والألمانية والإنجليزية والبرتغالية والعربية حيث ترجم مرتين: الأولى سنة 1998م من طرف نهاد رضا وصدر بدمشق عن دار إشبيليا للنشر تحت عنوان (فضل الأندلس على ثقافة الغرب) ويقع في 560 صفحة. أما الثانية فقد ترجمها الدكتور عبد الله محمد الزيات سنة 2004م، تحت عنوان (الأصول العربية للنهضة الأوربية) وصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق.
كما نشر خوان بيرنيط أكثر من أربعين كتاباً، وأعد أكثر من ثلاث مئة بحث ومقال تركز كلها على أهمية الثقافة العربية ودورها في إسبانيا والغرب. ونال العديد من الجوائز من بينها جائزة الشارقة للثقافة العربية التي منحتها له اليونسكو سنة 2004م على مجمل أعماله.
إنصافاً للحضارة الإسلامية
خوان بيرنيط ينتمي إلى مدرسة استعرابية متميزة باسمها وبإنتاجها وبعلمائها وبأهمية الدور الذي تضفيه على كل ما هو عربي وإسلامي، وبرهنوا على أهمية الوجود العربي والإسلامي في الأندلس وتأثيرهما على الحياة الإسبانية، تغلب عليهم النزاهة وعلى طروحاتهم باستثناءات محدودة ومعروفة. ولهذا لا يمكن إنكار أو التقليل من الجهود التي بذلها الاستعراب الإسباني في حق الثقافة العربية الإسلامية بالأندلس.
يقول خوان بيرنيط في كتابه (فضل الأندلس على ثقافة الغرب) ص112 الصادر سنة 1974: «إن ما نقله الإسلام إلى إسبانيا له وزنه المهم في تكوينها وإنعاشها، كما أن له تأثيراً غير مباشر في الناحية الروحية، أما في الناحية المادية فأثره مباشر وواضح، وما اكتسبت أوروبا الثقافة الإسلامية إلا عن طريق إسبانيا».
اتسمت أعماله بالموضوعية والجدة معتمداً في ذلك على الحجة والمنطق والحقائق الموثقة. ويشهد له الكثير من الباحثين والمهتمين بالتراث العربي الإسلامي الأندلسي في إسبانيا والعالم العربي بالخصوص بكفاءته وجديته وإنصافه للحضارة العربية الإسلامية وغزارة علمه.
يقترب خوان بيرنيط في أبحاثه بشكل أساسي إلى المدرسة الاستعرابية المعروفة بمدرسة المترجمين في طليطلة التي تميزت بالنشاط لفترة طويلة، وكانت ذات تأثير مهم لدخول حقيقي في عصر النهضة، حيث أرشد هذا التأثير أوروبا إلى عصر النهضة عبر إسبانيا، سواء أكان ذلك من خلال العلوم المشرقية (الفارسية والبابلية) أم من خلال العلوم القديمة (اليونانية واللاتينية). لقد كانت هذه المدرسة وسيطاً من أهم وسائط الثقافة العربية الإسلامية إلى جميع أرجاء القارة الأوروبية، ومن بين أشهر الوافدين إليها (خيرار دودي كريمونا في القرن الثاني عشر الميلادي) الذي وفد إليها من إيطاليا، حيث أمضى حوالي 43 سنة من حياته في الترجمة والتأليف ووصل ما نقله من العربية إلى اللاتينية إلى 87 كتاباً في الفسلفة والمنطق والفلك وغيرها.
وقد تحدث بيرنيط عن دور هذه المدرسة وما أسدته من عظيم الأعمال لأوروبا وللعالم قائلا: «لقد تكونت الثقافة الأوربية من خلال الترجمة، أعني من خلال ترجمة النصوص العربية إلى اللاتينية، فيما يعرف بمدرسة طليطلة للترجمة، هناك عمل خيراردودي كريمونا، وترجم من العربية إلى اللاتينية أكثر من أي شخص آخر، وكانت هناك أيضاً مراكز ترجمة أخرى في طراكونا وإشبيليا وغيرهما، تلك الكتب المترجمة كانت ذات قيمة علمية عالية وأعلت من شأن الثقافة والعلوم العربية، وأصبحت في تلك الحقبة أهم إنتاج علمي وثقافي. لقد أنقذ العرب الفكر التقليدي من الاندثار، ليس هذا فحسب، لقد حقق العرب في الأندلس تقدماً ونجاحاً أصيلاً وباهراً في مختلف مجالات الفكر والثقافة.. أدخلوا إلى إسبانيا الأعداد التي نستخدمها اليوم، وضعوا قاعدة الحساب المتناهية في الصغر والتي طورها فيما بعد (ليبنيز) كما أحضروا الشطرنج والذي كان معروفاً في الشرق منذ قرون. إن أوروبا نسخت الطب العربي، وإنشاء المصحات النفسية (مستشفيات الأمراض النفسية)، وفي إسبانيا الأندلسية كانت هناك مستشفيات للأمراض النفسية قبل القرن الثالث عشر الميلادي، ومن هناك انتشرت في كل أرجاء أوروبا. وابن سيرين عالج مرضاه بالأسلوب الذي ينسب إلى (فرويد) وفسر أحلامهم، لقد اعتنى العرب بهذا العلم ولديهم جملة من الأعمال في هذا الإطار، وقاموا بتفسير مجموعة من الأحلام ودونوها للاستفادة منها فيما بعد».
ويتيح لنا جرد الترجمات اللاتينية بحسب ما قدمه خوان بيرنيط في كتابه (فضل الأندلس على ثقافة الغرب) أن نتلمس الاتجاهات الثقافية في ذلك، إذ تأتي في المقدمة: العلوم البحثة (الرياضيات وعلم الفلك) ونسبتها 47 بالمئة، تليها الفلسفة 21 في المئة، والعلوم الخفية (أي الضرب بالرمل والسيمياء..إلخ) 4 بالمئة، وبنسبة أدنى موضوعات الدين والفيزياء. ولم يبدِ المترجمون اللاتينيون اهتماماً بالمصنفات الفقهية- اللغوية والأدبية. في حين أن اليهود –اكتشفوا التشابه بين لغتهم واللغة العربية- انكبوا على ترجمة كتب النحو والمعاجم- مثلما فعل ابن يعيش- مما أتاح لهم أن يصنفوا، باطراد صبغة خاصة على ترجماتهم.
أما النصوص الدينية المترجمة فقد عول عليها كل من المسلمين والمسيحيين واليهود، في تعزيز معتقداتهم وتسويغها، مما جعلهم يترجمونها غالباً بصورة غير دقيقة، وفق متطلبات الأوضاع والمجادلات الدينية والطائفية.
كانت الكنيسة والدولة قد عملتا على طمس كل ما له علاقة بالإسلام وتشويه صورته في ذهن الإنسان الإسباني، وبثت في نفسه روح التعصب وعدم التسامح مع الآثار الإسلامية، مع أنها تشكل جزءاً من تاريخ إسبانيا، بل إسبانيا الإسلامية تكون عنصراً من الماضي الوطني الإسباني والحاضر، ولكنه ليس مهضوماً جيداً، فهو يعتبر على الخصوص ماضياً مضاداً للأمة، وثقافة وديناً غازيين ليفسحا المجال للثقافة الأوروبية وللدين المسيحي اللذين سيطرا وتطورا إلى أيامنا هذه، لاشك أن في إسبانيا أقليات تعرف أهمية الثقافة الإسبانية العربية وتدافع عنها، بل هناك من يتجرأ على اجتياز المحظور لإثبات الحقيقة وخصوصاً أننا نقف اليوم على دراسات وأبحاث لمفكرين إسبان ومستعربين كبار تكشف عن جوانب كثيرة من هذا المحظور.
وقد لاحظ الدكتور محمود علي مكي أن هناك وعياً حقيقياً بالحضارة العربية الإسلامية، واعتزازاً حقيقياً بها وعلى الأخص في قرطبة وإشبيليا ومالقا وغرناطة وقادس والمرية.. الكثير من الكتاب والأدباء والشعراء يكتبون انطلاقاً من هذه الروح.
ولعل في إنجازات المستعرب الكبير خوان بيرنيط ما يشفي الغليل وإن كان ليس من الأندلس انتماء ولكنه بالأندلس وحضارة العرب والإسلام مرتبط، إذ شكل مدرسة استعرابية إسبانية، ولخص نظريته على أن «معنى الأندلس يبقى هو: النهضة العلمية لأوروبا وأصل العلم الحديث».
وإذا كنا اليوم نتحدث عن تأثير الثقافة الأنكلوسكسونية في ثقافتنا التي جاءتنا مع نصوص البيولوجيا والكمبيوتر؛ فإنه حري بنا أن نعترف بعبور الثقافة العربية إلى اللغة الإسبانية في القرون الوسطى، هذه القراءة –الاعتراف تؤكد لنا أن علماء النهضة كانوا يحبون الثقافة العربية التي عرفوها عن طريق العيون الأندلسية.