المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حافة الشوق


Eng.Jordan
12-12-2012, 08:14 PM
د. عبد الرزاق سالم كسار - الرياض
يكاد شوقي يحرقني، يكاد يضيء جسدي اشتعالاً!! ولكن بؤسي يطفئ كل وهج وكل وميض.
أشعر بجسدي يذوب من حرارة الشوق قطرة قطرة. لن ترتوي الأرض من قطراته؛ فأنا بقايا إنسان!! ولن تنبت الأرض إنساناً آخر.
في نفس هذا المكان ذات نهار مليء بالحب والهيام، وعلى حافة هذه الربوة المطلة على منحدر شديد، في أجمل بقاع العالم؛ وقفنا سوياً وقلت لها مازحاً: أنا وأنتِ بلغنا حافة الحب والغرام والشوق، لو زاد عشقنا وهيامنا، ربما سقطنا في منحدر الجنون!! قالت: حبك أفلاطوني!!
قلت: أنتِ مدينتي الفاضلة، أرى فيكِ طهر صباحات الكون، وجود ونقاء السماوات، وجمال الربيع، وألق المساءات الملتهبة وداً وعشقاً وعنفواناً.
فيما مضى كنت أمسك بخيوط السعادة كلها. فصنعت منها حبلاً متيناً لا ينفتل؛ بدايته في قلبي ونهايته لدى قلبها.
كنا كعشاق للتو خرجوا من أسطر روايةٍ حالمة، يشعرون بالغربة ويشعر الناس بأنهم غرباء في هذا الزمن.
قالت لي يوماً وعيناها تحتضنني: لا يوجد محب في الكون يحب محبوبة مثل ما أحبك.
قلت: مقدار حبي لك أكبر من حبكِ لي!
قالت: لا لا أنا أكثر.
قلت: الأيام بيننا.
قالت: ستثبت لك الأيام والأماكن والأحداث والأشجار والأنهار والربيع والزهور والعصافير والفراشات وحتى نسمات الهواء التي تنقل همساتنا بأني أحبك أكثر.
كانت واثقة من حبها لي بقدر تلذذها به، وكنت مستمتعاً بهذا الحب أكثر من أي شيء آخر حتى أن الغرور تسلل إلي ربما رغماً عني!! كنت سلطان زماني؛ كيف لا وهذه المرأة التي ليس لها نظير تهيم بي هياماً لا يوصف وتتلمس رغباتي وخطواتي لتسير عليها، كانت روحها معلقة بي.
أسرعت بخطواتي من شدة غروري وجبروتي الزائف!!
وكنت أظنها خلفي، لا أدري.. فجأة أصبحت أستمتع بوجودها خلفي؛ رغم أنها كانت دوماً بجانبي. شيطاني النائم استيقظ وأبعد كتفينا عن بعضهما البعض!! حتى الشياطين يحسدون المحبين!!!
حين عجز كبرياؤها عن اللحاق بي، وحين شعرت بأن نرجسيتي فاقت محبتي لها؛ انسحبت من حياتي بهدوء ورحلت دون ضجيج.
فتشت عنها في كل مكان، جن جنوني، أضعتها أكثر وأنا أفتش عنها! أصبحت خطاي أسرع. تمزقت.. كنت أشعر بأني انتهيت.. أصبح كل شيء بلا طعم. كنت أناجيها في كل حين ومكان وأقول لها وهي طيف لا يرى: الماء والهواء كان لهما طعم آخر معك، وبرحيلك خفتت الأنوار وزادت العتمة في دروبي، وبانفصالنا استحال كل شيء مراً وعلقماً.
فررت من نفسي إلى أجمل بقاع العالم، لم أعلم أن الجمال -أي جمال- يذكرني بكِ.. جئت إلى هنا؛ حيث أقف الآن على حافة الشوق. بكيت واختلطت دموعي بمطر السماء؛ فأحسست بأن كل ما حولي صوراً ورسومات وليست مناظر خلابة آسرة! شعرت بأن الحياة مفقودة في أي مكان لسنا به معاً.
لم نفترق في الماضي أبداً؛ كنا معاً في كل لحظة سحرٍ وفي كل سحر للحظة.
مرة أخرى يرغمني حصان الذكريات على امتطائه. حفيف الأشجار، وخرير الماء، وزغردة العصافير؛ لم تعنِ لي شيئاً، لم تطربني لم تصبني بالنشوة كما يفعل بي همسك لي بكلمة (أحبك)!!
رائحة الورود لم تثر مشاعري واشتهائي؛ لأني أعلم بأنها لو اصطدمت بأنفاسك فسترجع وتبقى حبيسة الورود!!
صفاء السماء، بريق النجوم؛ لا يعدل صفاء ونقاء حبك؛ ولا يصل إلى ومضة عينيك التي تأسرني وتربكني إلى أن يطبق الجفن على الجفن فأتحرر من أسرهما قليلاً!!
خرجتُ من بئر الذكريات، تنفستُ المرارة، وعلمت أن الأحزان قد شمرت سواعدها لتفتك بي؛ فدفنت روحي في فضاءات التيه. وأيقنت بأني أستحق هذا الضياع، فأنا لم أحافظ على حبي وروحي، وقتلني الغرور، حين استيقظ المارد الشرقي من سباته، وبدأ يدق يد الهاون ليخفي صوته كل نغمة حبٍ حالمة طربنا لها مراراً وتكراراً؛ ولكنها لم تدم... لأنك رحلتي، وبقيت أنا وحيداً أبحث عنك على حافة الشوق.