المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحج في أدب الرحلات


Eng.Jordan
12-12-2012, 08:18 PM
عبد الله علي الرستم - الأحساء
تعتبر رحلات الحج من المسائل المهمة، حيث اعتنى المسلمون في شرق الأرض وغربها بهذه الفريضة وتدوين ما يجري عليهم في الطريق إلى وصولهم للأماكن المقدسة وحتى عودتهم إلى بلادهم، كوصف الطرق وما تحتويه من آبار ومدن وغير ذلك مما يجري على كل مسافر يقطع مسافة طويلة في ظل انعدام الكثير من وسائل الأمن وسبل الوصول، وكذلك وصف ما يجري عليهم من مشاق الرحلة الطويلة، إلا أنه يأتي الدور الأهم في هذه الرحلات وهو وصف تلك الطقوس الدينية التي يقيمها المسلمون في كلٍ من المدينة المنورة وعلى الأخص المسجد النبوي الشريف، وكذا مكة المكرمة ومسجدها الحرام، ووصف أداء شعائر الحج من الذهاب إلى عرفات مروراً بمزدلفة وانتهاءً بمنى. ويختلف الوصف من كاتب إلى آخر، وذلك بحسب الثقافة التي ينهل منها المدوّن لهذه الرحلة، فمنهم المسهب في وصفه ومنهم الموجز.
ومن تلك الرحلات التي حفظها لنا التاريخ رحلة العلامة إسماعيل جغمان من صنعاء اليمن إلى مكة المكرمة، حيث كتب رحلته عام 1241هـ، والتي ذكر فيها ما جرى عليهم في رحلة حج تلك السنة، فمن ضمن ما ذكره حول وصف بحر الحديدة قوله: «ولم أر كبحر الحديدة في البحور على أبواب البنادر في شدة ثورانه، وتلاطم أمواجه وكثرة هيجانه»، وكذا وصفه جزيرة كمران، حيث يقول عنها: «وصلناها نصف نهار الاثنين، وهي جزيرة عجيبة، عذبة الماء، طيبة الهواء، كثيرة النخيل، أبياتها العشش، وفيها بئر.. وفيها مسجد عجيب، وقلعة عظيمة»، كذلك وصف وضعه حينما ركب السفينة ودخل البحر، حين أصابته الربشة وتغيرت أوضاعه بسبب عدم مساعدة الريح لهم، مما جعل الرحلة أكثر مشقة، وذلك بعد يومين من دخولهم البحر حيث تلاطمت أمواجه بعد هيجان الريح، مما جعل الحجاج يتيقنون بالهلاك، فأكثروا من نطق الشهادتين، وغير ذلك مما ذكره في رحلته من وضع الطريق وأسماء المناطق التي مروا بها، وأسماء بعض العلماء والقضاة ممن كانوا معهم في هذه الرحلة.
ومن طريف ما ذكره أثناء انتهائهم من الحج وذهابهم إلى جدة، قوله: «وكان وصولنا جدة من الفرج بعد الشدة العظيمة من الأهوال في طريقنا، وعدم الأمن على نفوسنا وما معنا، وشدة وعثاء السفر لما يلاقيه الإنسان من الضجر، لاسيما من الجمالين أهل تلك الديار، فإنهم كما قال الملك الجبار (كأنهم حمرٌ مستنفرة) لا تراهم يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون بين الحصى والدر الثمين، بل لا يقطع عندهم المعروف باللسان ولا باليد من الإحسان، فسبحان الذي أحلهم بين الحرمين الشريفين».
ومن ضمن تلك الرحلات رحلة علي باي العباسي سنة 1221هـ، فقد ذكر كل ما جرى عليه في هذه الرحلة، ومن ضمن ما ذكره حول مشعر منى قوله: «ليس فيها غير شارع واحد، ولكنه من الطول بحيث احتجتُ لعشرين دقيقة كي أقطعه، ويمكن ملاحظة البيوت الجميلة التي أغلبها تهدّم وبقي بدون سقف.. وكل المناطق التي مررتُ بها حديثاً تأخذ شكلاً سهلاً ضيقاً يقع بين جبلين من الصخر الجرانيتي الأملس، والطريق منبسطةٌ تماماً وذات أرضية رملية، وهي مليئة بالجمال وبالناس من مشاة وراكبي خيول وعدد متزايد من الهوادج» ، وعن وصف الوقوف بعرفات يقول: «إنه حشد لا يمكن إحصاؤه من البشر، من جميع الأمم ومن كل الألوان، يصلون من أقاصي الأرض، مجتازين أنواع المخاطر والصعاب المتعددة كي يعبدوا مجتمعين إلهاً واحداً هو إله الفطرة، فساكن القوقاز يمد يد الأخوة إلى الأثيوبي أو إلى الأسود الغيني، والهندي والفارسي متآخين مع البربري والمغربي».
وقد وصف العباسي رحلته هذه وصفاً دقيقاً، وخصوصاً فيما يتعلق بالمناسك وما فيها، وعن وضع الحجاج في عرفات ومزدلفة ومنى وكذا الكعبة المشرفة، وهو وصف ينم عن معرفة بكاتبها ومدى ثقافته العالية، ولا يخفى أن لكل رحلة صعوبة ومشقة كما هو معروف، ولذا فقد أصيب العباسي بألم خفيف متواصل أسفل بطنه وانتفاخ بيّن في الجزء السفلي منه، وغيرها من المصاعب التي شاهدها في رحلته التي انطلقت من المغرب وحتى مكة المكرمة.