المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكتابة عن البسطاء


Eng.Jordan
12-12-2012, 08:19 PM
أبو الخير الناصري - المغرب

هناك تصنيف للناس سائد بين شرائح كثيرة تسلك بمقتضاه فئات المجتمع في نوعين اثنين: نوع أول يتمثل في (الشخصيات المهمة) التي لها إشعاع في وسطها وبيئتها، تؤثر في محيطها مثلما تتأثر به، ومن هؤلاء الكاتب والصحافي والبرلماني والسفير والوزير على سبيل المثال لا الحصر.
ونوع ثان يصطلح عليه بعامة الناس، أو البسطاء الذين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وليسوا من ذوي الإشعاع والنفوذ والالتماع، ولا يصيرون مركز أحاديث الناس إلا بعد وقوع فضيحة مدوية تنتشر بسببها أسماؤهم وتتصدر لغو الشوارع والمقاهي وقاعات الاستراحة في الحمامات العمومية!.
بعض الناس لا يتصورون أبداً إمكان الكتابة عن أمثال هؤلاء البسطاء، اللهم إلا الإخبار عن موتهم في صفحة الوفيات، أو عن جرائمهم في الصحف التجارية الصفراء. وكلما كان الحديث عن دراسة أو كتاب تصورت بعض (العقليات) أن الشخصية محور الدراسة أو التأليف هي واحدة من هذه الأسماء المعروفة في ميادين الفكر، أو الأدب، أو السياسة، أو الرياضة أو الغناء.. ولم تتصور قط أن يكون اسم شخص من هؤلاء البنائين، أو الحدادين، أو السائقين ونحوهم من الكادحين في الحياة باحثين عن لقمة عيش بشرف وعرق جبين.
ولا أنسى في هذا الصدد أنني كنت أخبرت أحد الأصدقاء عن تأليفي كتاباً عن والدي -رحمه الله تعالى- وكان هذا الصديق من الحاصلين على مؤهل علمي عال، فبادرني متسائلاً باندهاش:
- وماذا كان والدك؟!
فأجبته ببرودة أعصاب:
- كان بَحَّاراً، وكان شخصاً عادياً وبسيطاً.
فحوّل الصديق الكلام نحو وجهة أخرى.. وكأن كتاباً عن شخص بسيط غير مشهور لا يستحق أن يكون موضوع نقاش وحوار أدبي أو فكري!!
هذا، وليس المبتغى من هذا المقال المفاضلة بين الكتابة عن البسطاء المغمورين والكتابة عن الأعلام المشاهير، ولكنها الرغبة في التأكيد على أن من هؤلاء البسطاء من يتسم بصفاء الطوية، وصدق الخطاب، وبالوفاء والأمانة، وإخلاص النصيحة، وشرف التضحية، وغير ذلك من الصفات التي نفتقدها في بعض الذين تتصدر أسماؤهم وصورهم واجهات الجرائد والمجلات وبرامج الإذاعات والتلفاز، لتُظهر الأيام والأعوام بعد ذلك أنهم كانوا من كبار اللصوص والمخادعين والمدلسين.. وكم من (شخص مهم) بدا للعالم بعد مدة أنه لا يستحق ما قيل في حقه من مدائح وما أُلِّف عنه من دراسات أو مصنفات.
قال عابر سبيل: ليست العبرة بالمكانة الاجتماعية لمن تكتب عنه، إنما العبرة بما يحمله هذا الشخص من قيم إنسانية سامية ونبيلة، فبالقيم والأخلاق يكون الإنسان إنساناً وليس بالمناصب والألقاب.