المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوجوه التعبيرية في الكتابة الإلكترونية


Eng.Jordan
12-12-2012, 08:22 PM
محمد الراشدي -ينبع
اللغة هي الوعاء الذي يسكب فيه الإنسان أفكاره ورؤاه ورغباته وانفعالاته، وفي أوجز وأبسط تعريف لها هي (أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم).
والتعريف السابق يرصد ويعرف باللغة في حالتها الأولية البسيطة حين تكون مجرد أصوات منطوقة تأتلف في أذن السامع لتشير إلى معنى ما، أو لتجسد فكرة، أو انفعالاً، أو رغبة لدى الناطق بها. ورغم أن تلك الحالة النطقية الصوتية هي التمثل الأول والأبسط والرسمي للغة لدى سائر البشر، إلا أن تلك الحالة ورغم بساطتها وتلقائيتها لا تكون بمفردها كافية لنقل الرسالة المضمنة بين أصواتها، وإيصال الفكرة المودعة فيها، وإنما هي بالضرورة تستدعي آلية رديفة، ونواقل ثانوية، تسهم في تحقيق المقصود والفكرة المتوخاة من تلك الأصوات على نحو لا يعتريه لبس أو غموض أو إبهام.

المقصود أن النطق بتلك الأصوات لا يغدو وحده كافياً لإيصال ما تكتنزه من المعاني، وإنما لابد أن تتم عملية النطق تلك بأداء صوتي محدد ومتعارف عليه، ومصحوب في كثير من الأحيان بأداء حركي يشكل ما يمكن أن نسميه نصاً نطقياً رديفاً معززاً وداعماً للمنطوق الرئيس وضرورة حتمية لتبلغ المعاني أقصى درجات تحققها.
ومن المعلوم بداهة أن أسلوب الكلام، وطريقة اللفظ، هي المعول عليه في فهم مراد المتكلم، فالتحدث بجملة ما لغرض ما يختلف تماماً عن التحدث بالجملة ذاتها لغرض آخر، وعلى سبيل المثال فإن النطق بجملة خبرية أو تقريرية يختلف كلياً عن النطق بجملة استفهامية أو ساخرة أو غاضبة...إلخ.
وبطبيعة الحال تنشأ من هنا كثير من معايير الفصاحة والبلاغة والقدرة على التأثير في السامعين، إذ يختلف الناس اختلافاً بيناً في القدرة على ترويض ألسنتهم، واستدعاء مخزون لغتهم وتفعيل آليات النطق والإلقاء المؤثر، والمزاوجة بين طاقات الأداء الصوتي، وحركية الأداء الجسدي، أو ما يسمى بـ(لغة الجسد) للوصول بأفكارهم ورسائلهم نحو ما تترامى إليه، بغض النظر عن كنه تلك الأفكار، أو مضامين تلك الرسائل.
وأكثر الناس فصاحة، وأبلغهم نطقاً وأعمقهم أثراً إذا تحدث، هم أولئك الذين يبرعون في الجمع بين انتقاء ما يقال، ومعرفة كيف يقال، حتى إذا قيل وقع في الأسماع بموقع، وبلغ من أثره في النفوس شأواً لا يملك معه صاحبه إلا أن يدين بالتسليم لأفكار ذلك القائل، والاقتناع برؤاه في انحياز تام للأثر الذي تحقق بفعل ذلك التزاوج المتقن بين ما قيل وكيف قيل.
واستطراداً نشير إلى أن القاسم المشترك بين غالبية الذين تركوا أثراً بالغاً في مصائر الناس من القادة والزعماء والسياسيين على مر التاريخ كان مقدرتهم الفائقة على نسج الخطب، وإلهاب حماسة الجماهير بأساليب الإلقاء المستفزة للعاطفة, والجالبة للحماس والانفعال والتأييد.
غير أن ذلك كله إنما يتجسد في مظهر واحد من مظاهر الأداء اللغوي، هو المظهر الصوتي، والفعل اللغوي المنطوق، والذي يأتي تالياً له في أهميته وموازياً له في حجم انتشاره ومختلفاً عنه في آلياته وطرق أدائه مظهر آخر من مظاهر تجليات التعامل الإنساني مع اللغة المتمثل في الأداء الكتابي الذي تتحول فيه اللغة من أصوات منطوقة إلى رموز وشفرات مكتوبة، يغدو التدوين فيها أرشفة لحظية للمنطوق اللغوي ومحاولة لتحنيط قيم التعبير التي يختزلها الكلام في رسوم وتشكيلات بصرية يرتهن في تفسيرها وفك شفراتها إلى السياق الثقافي الذي تتخلق في رحمه، والخطاب الثقافي الذي تعبر عنه.
والتجسيد الكتابي للمنطوق اللفظي عبر أشكال الحروف التي تأتلف لتكون كلمات وجملاً وأشكال شتى من التعبير المكتوب، هذا الفعل اللغوي رغم فاعليته وتأثيره ونهوضه بواحدة من أخطر مهام اللغة على الإطلاق، وأعني بذلك توثيق التجربة الإنسانية، واحتواء المنجز البشري، والعمل على تأريخه كتابياً، والارتهان إليها باعتبارها مرجعية موثوقة وصادقة ومنظمة، حتى بات من يخشى على إرث أو منجز لغوي شفهي يعمد سريعاً إلى تدوينه ليكتسب صفة الخلود والديمومة.. أقول وعلى الرغم من الدور الفاعل والمؤثر للفعل الكتابي إلا أنه ظل عاجزاً في صورته الأولية عن تحقيق شيء مما يحققه الأداء الصوتي في نقل المدلولات النفسية والعاطفية والانفعالية للمتكلم والتي من خلالها يتجسد على نحو نهائي مراد المتكلم وغاياته، والأداء الكتابي القادر على ترميز المنطوق اللغوي كتابياً تقصر به آلياته عن اختزال المعاني النهائية، والبواعث الانفعالية لذلك المكتوب.
ومن هنا كان لزاماً على الفعل الكتابي أن يبتكر أدواته، ويجترح آليات بوحه، ويخترع جهاز مفاهيمه القادر على إشهار مكنونه بوضوح، وكانت (علامات الترقيم) انبثاقاً أولياً لتلك الرغبة في أن يكون المكتوب مكتفياً بذاته، قادراً على إيصال رسائله وشحناته بنفسه، والترقيم هو (وضع رموز اصطلاحية معينة بين الجمل أو الكلمات لتحقيق أغراض تتصل بتغيير عملية الإفهام من جانب الكاتب، وعملية الفهم للقارئ).
وبالعودة إلى مجمل علامات الترقيم المتداولة، نجد أن تلك العلامات إنما تعنى بالجانب التنظيمي للكتابة أكثر من عنايتها بنقل وتصوير الجوانب العاطفية والانفعالية للمكتوب، وأكثر تلك العلامات تجسيداً للجوانب الانفعالية هي (علامة التأثر)، إذ تستخدم لرصد ما يتضمنه المكتوب من معاني التعجب والاندهاش والانفعالات المتنوعة، وتترافق مع علامة الاستفهام في بعض المواضع لمزيد من تأكيد الحالات الانفعالية.
وبالتالي فإن مدلولية علامات الترقيم على طاقات النص التعبيرية والانفعالية تظل محدودة، ولا تعدو في معظمها أن تكون مجرد علامات تحريرية جامدة لا تدل على أبعد من استخدامها الوظيفي المحدود.
ولأن التجربة الكتابية للغة تجربة ديناميكية متحركة تعمل على تطوير نفسها واستبدال آلياتها باستمرار، والبحث عن منافذ متجددة لمضامينها، فقد كان طبيعياً ألا تظل مرتهنة لجمود الترقيم وعلاماته، وأن تبتكر لنفسها آفاقاً جديدة من التشكيل والتصوير الممعن في التأكيد على المعنى والمكتنز بالإيحاء وتكثيف الدلالة.
وكان أن عملت الكتابة على استثمار تقنيات الرسم والتصوير، وتوظيف معطيات الفنون التشكيلية في سياق الممارسات الكتابية، وحدث لاحقاً أن تماهت بعض التجارب الكتابية في التشكيل حتى أصبحت هي الأخرى ضرباً من ضروبه وفناً من فنونه.
ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض تجارب الكتابة الشعرية التي جاءت قوالب من الرسم والتصوير خلافاً للمعهود في الكتابة العادية بشكلها التلقائي، ومن ذلك ما ذكره الدكتور محمد الصفراني في كتابه (التشكيل البصري) من ظهور أشكال متعددة من الكتابة التي تتخذ من الأشكال الهندسية قالباً لها كما هو الحال في فن (التختيم) في الشعر العربي القديم، والكتابة على غرار الرسوم الهندسية كالدائرة والمثلث والمربع ونحو ذلك.
وعطفاً على ما أشرنا إليه سابقاً من التجدد المستمر للتجربة الكتابية، والتغير الدائم في آلياتها، فقد كان من المحتم ألا تمر ثورة الاتصالات والطفرة التقنية دون أن تلقي بظلال كثيفة على تلك التجربة، وتترك أثراً عميقاً في استخداماتها وتقنياتها، خاصة وأن الكتابة باتت المعول عليه الرئيس في نشوء واستمرارية بعض جوانب تلك التقنية، لتشهد بذلك تجربة الكتابة نقلات نوعية كبيرة جداً، ويضاف إلى سجل تطوراتها المتخم صور وآليات جديدة تماماً تشكل في مجملها الأثر الحتمي لحقبة التكنولوجيا وزمن الفضاء.
وليس هذا مقام الإفاضة في رصد تأثيرات الثورة التقنية على التجربة الكتابية، ويكفي أن نستعرض ملمحاً بسيطاً من ملامح ذلك التأثير لنستجلي من خلاله جوانب متعددة لذلك التأثير، ولنؤكد به على حركية التجربة الكتابية واتساع أفقها وقابليتها الدائمة لانضواء التجارب المستجدة داخل إطارها الواسع.
وقبل أن نفصح عن ذلك الملمح نشير إلى أن انتقال التجربة الكتابية في شكلها التدويني من بساطة الكتابة اليدوية، إلى تعقيدات الكتابة والنسخ الإلكتروني قد أفضى بدوره إلى بروز تجربة كتابية مستجدة بملامح مختلفة، وإطار مغاير لإطار التجربة القديمة، وتفاصيل لا تتحقق إلا داخل هذه التجربة، وتكاد تكون حكراً عليها، وربما لا تترك في كثير من الأحيان للتجربة القديمة إلا رسم الحروف، وترتيب الجمل مع اختلاف في كل شيء
وما نحن بصدد الحديث عنه من تجليات التجربة الكتابية الإلكترونية يشكل ثمرة طبيعية وصدى مباشراً لثقافة الصورة, وزمن المرئيات الزاحف بتقنياته البصرية على كل ما عداه، حتى أن الممارسات التدوينية لابد وأن تجيء مقترنة بإضافات صورية وتشكيلية متممة للمعنى وداعمة للفكرة التي تتراءى وراء المعنى.
ولعل تقنية ما يسمى بـ(الوجوه التعبيرية) الواسعة الانتشار والتطبيق في فضاءات التجربة الكتابية عبر شبكة الإنترنت ترسم شاهداً مؤكداً على استمرار تنامي التطورات في حقل التجارب الكتابية من ناحية، وتغلغل ثقافة الصورة والتي من تجلياتها العمل على فك شفرات ورموز الممارسات التدوينية، وتحويلها من القالب الرمزي إلى القالب الصوري، وإضفاء كثير من معززات التعامل الميسر معها، و إماطة ما قد يعتريها من اللبس والغموض، وتحويلها إلى تجارب تنطوي على كثير من الجمال والتشويق والجدة والطرافة كما سيتبين معنا لاحقاً.
والوجوه التعبيرية هي عبارة عن مصغرات رسومية كاريكاتورية متنوعة تضاف إلى النصوص المكتوبة عبر الشبكة الإلكترونية لتعزيز الأفكار وتكثيف الدلالات النفسية والانفعالية للنصوص المكتوبة.
ومن خلال محاولة التعريف السابقة يمكننا أن نتلمس جملة من السمات العامة والخصائص المتعلقة بالوجوه التعبيرية ومنها:
أولاً: الوجوه التعبيرية تنتمي في الأصل إلى حقل التشكيل والرسم، وإضافتها إلى النصوص المكتوبة تتم مع الإبقاء عليها في صورتها الأساسية، أي أن النصوص المتضمنة لهذه الوجوه نصوص تقوم على ازدواجية الكلمة والصورة، ومزج المكتوب بالمرئي لغرض تحقق أقصى درجات الوضوح والتعبير عن المضامين والأفكار باستخدام أكثر من وسيلة داخل إطار واحد، وفي ذلك امتداد واضح لتجارب التشكيل البصري في المراحل القديمة من التجارب الكتابية، وتأكيد على جموح الفعل الكتابي نحو التطور والتبدل الدائم في الآليات والأساليب.
ثانياً: تجربة مزج الوجوه التعبيرية بالنصوص المكتوبة ضمن الإطار الذي نتحدث عنه تجربة إلكترونية محضة لا تتحقق خارج الفضاء الإلكتروني، ولا تتم إلا وفق آلية محددة، وبقوالب معدة سلفاً، يقتصر دور المستخدم فيها على تدوين النصوص، ثم انتخاب ما يراه مناسباً لنصه منه الوجوه التعبيرية ليخرج النص في نهاية الأمر مزيجاً من هذه وتلك، ويكون من العسير جداً وغير المنطقي محاولة تنفيذ تجارب مشابهة خارج الفضاء الإلكتروني، أو في التجارب الكتابية اليدوية البسيطة.
ثالثاً: تتضمن مساحات الكتابة والتدوين عبر الشبكة الإلكترونية أعداداً لا حصر لها من التشكيلات الرسومية الخاصة بالوجوه بالتعبيرية، وبالتالي يستحيل تماماً حصر تلك الوجوه، أو تحديد نظام ما أو قانون لاستخداماتها، أو حتى تحديد مسميات محددة لها، فضلاً عن تقنين دلالاتها بشكل قاطع ونهائي.
رابعاً: المعول عليه الوحيد في استخدام تلك الوجوه في سياقات النصوص المكتوبة هو رؤية صاحب النص وتقديره، وقبل ذلك ميله ورغبته في استخدام تلك التقنية الكتابية، فضلاً عن حجم المتاح من تلك الوجوه في الحيز الذي يكتب به الكاتب من الفضاء الإلكتروني الشاسع.
خامساً: رغم دلاليتها العالية، وتعبيريتها الكبيرة، فقد أسهم الطابع الكاريكاتوري للوجوه التعبيرية في الحد من استخدامها في الممارسات الكتابية الإلكترونية التي تنحو منحى الجدية أو تتخذ من العلمية طابعاً لها وبشكل كبير، وبقي استخدامها لأجل ذلك منحصراً تقريباً في التجارب الكتابية العادية ذات النمط الاستهلاكي، ولعل لذلك مرجعاً في صرامة معايير الكتابة الجادة وصدورها عن مرجعيات التحرير الكتابي المقننة والصارمة.
وربما كان من المستحسن أن نشير هنا إلى أن المزج بين التشكيل والكتابة ليس منحصراً في هذه التجربة فقط، بل هي عملية قديمة قدم الكتابة ذاتها، وهناك لغات بعينها لم تكن في كنهها أكثر من تشكيلات رسومية بالغة الدقة والتعبير كما هو الحال في الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة، إلى جانب ما يمثله فن الكاريكاتير من شاهد حي على ذلك.
فإذا ما أردنا أن نعقد مقارنة عاجلة بين تجربة الوجوه التعبيرية والتجارب السابقة لها من الترقيم والتشكيل البصري فإننا لا نعثر على كبير اختلاف بين هذه التجربة وتجربة التشكيل البصري على اعتبار أن كلاً منهما يعمد إلى استثمار تقنية الشكل، وتوظيف الصورة لغرض تكثيف الدلالة، والفارق الجلي أن تقنية التشكيل البصري في كثير من الأحيان هي إعادة تشكيل للنص ذاته تتخذ فيها الكتابة طابعاً مغايراً للمألوف، وتتحول من إطارها الإشاري البسيط إلى تشكيلات متنوعة تتخذ فيها الحروف والكلمات والجمل أنماطاً جديدة وغير مألوفة في الرسم الكتابي الاعتيادي، أما تقنية الوجوه التعبيرية فيحتفظ فيها النص بقالبه الأصلي دون أية تغييرات تذكر وتبقى الوجوه التعبيرية مجرد إضافات شكلية تتخلل النصوص المكتوبة في مواضع محددة وفق رؤية منشئ النص وطبيعة المكتوب.
إلا أن المقارنة بين تقنية الوجوه التعبيرية، وعلامات الترقيم من شأنها أن تكشف عن نقاط التقاء وافتراق تبعاً لطبيعة كل منهما واستخداماته ودلالاته، ففي الوقت الذي تتقاطع فيه علامات الترقيم تقاطعاً بيناً مع تقنية الوجوه التعبيرية، وذلك في الاستخدامات المكثفة والمتعددة لعلامة التأثر (!) والتي تشير إلى الانفعالات المختلفة المضمنة داخل النص تماماً كما هو الحال في استخدامات الوجوه التعبيرية بكافة أشكالها إلى الحد الذي يمكننا معه القول إن الوجوه التعبيرية في تعددها وتكاثرها هي الشظايا الشكلية الإلكترونية لعلامة التأثر، وإن علامة التأثر هي الأم الكبرى لكافة الوجوه التعبيرية، وكذلك في الوقت الذي يمكن فيه لعلامات الترقيم والوجوه التعبيرية أن تتجاور معاً بين أسطر نص واحد، دون أن يلغي أي منهما الآخر، في الوقت نفسه يمكن أن نتبين بوضوح أن ثمة استخدامات وظيفية لعلامات الترقيم لا يمكن للوجوه التعبيرية أن تنهض بها، أو أن تكون بديلة في القيام بدور علامات الترقيم فيها.
يأتي ذلك من منطلق المرجعية الوظيفية لكل منهما، إذ أن علامات الترقيم ذات طابع تنظيمي مقنن، تقوم كل علامة فيها بدور محدد في سياق النص، وهي أدوار غير قابلة للاستبدال ومن شأن إغفال أي منها أن يحدث فجوات كبيرة في بنى النصوص وأفكارها، وبالتالي فالكتابة الجادة لابد لها أن تستدعي كل أداة من أدوات الترقيم في موضعها المحدد وسياقها الذي تقتضيه تماماً، غير أن الظلال النفسية والعاطفية والانفعالية لتلك الأدوات تظل محدودة وخافتة ولا تتجلى بشكل كامل إلا فيما أشرنا إليه من الاستعمالات المتعددة لعلامة التأثر.
أما فيما يتعلق بالوجوه التعبيرية وكما يتضح من التسمية فدورها ينحصر في الجانب التعبيري فقط، وبشكل موسع جداً، مع قابلية عالية جداً للتجدد والابتكار والتنوع.
فإذا ما حاولنا أن نتلمس أسباباً لاستحداث مثل هذه التقنية التعبيرية فلعلنا لا نصل إلى أبعد مما وصلنا إليه سابقاً من ديناميكية الفعل الكتابي، وتجدده الدائم على مستوى الآليات والوسائل، إلى جانب هيمنة ثقافة الصورة، وبروز الحقبة التقنية الآخذة بكل أسباب الجدة والمعاصرة في كل استعمالاتها.
ولعل في اتساع دائرة الهم الإنساني، وتنوع بواعثه، وتعقد مشكلات الحياة المعاصرة محفزات ملحة لشهية البوح والتعبير لدى إنسان هذا العصر، وبالتالي تعدد وتنوع قنوات ومسارب ذلك البوح، والسعي الدائم لاجتراح آليات متجددة للبلوغ به أعلى درجات الوضوح والتعبير.
وكلما اتسعت دوائر الهم الإنساني، واستشعر الإنسان أن خرائط بوحه القديم باتت أضيق من أن تتسع لنفثات روحه مضى يخترق الآفاق، ويغادر دوائره القديمة، ويوسع مساحات بوحه عبر أقنية أكثر اتساعاً، وأقرب إلى احتواء همه، وأوثق صلة بإيقاع زمن يتجاذبه جنون السرعة، وسحر التقنية الأخاذ!.