المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرواية والسيرة الذاتية


Eng.Jordan
12-12-2012, 08:31 PM
تلصص ذاتي وحفريات في الذاكرة


هيثم حسين - سوريا


جرت العادة أن يكتب أحد الفاعلين في حقل من حقول الفنون أو الثقافة أو السياسة أو أي مجال آخر مذكراته، لتكون مادة تستقى منها العبر، تقدم خطوطاً عريضة، بالموازاة مع تفاصيل دقيقة عن حياته، ينقب في مفاصل حياته الهامة، ينبش في التفاصيل، لا يتنازل عن إثارة الأسئلة، بحثاً عن الإجابات الجريئة، والاعترافات الخطيرة. لكن هناك عادة موازية تصاعدت في عالم الأدب، وهي الرواية المتكئة على السيرة الذاتية، أو السيرة المتخفية تحت تسمية الرواية.
لا يخفى أن العلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية، ظلت مثار جدل بين كثير من الكتاب، بين مؤمن بوجود تعالق بينهما، إلى مفترض فك الارتباط بينهما، إلى موفق في العلاقة التكاملية. لكن الثابت أن الروائي متواجد في شخصياته كلها، يعيشها وهو يخترعها ويكتبها، يستعين بسيرته الذاتية وثقافته ومكتسباته الحياتية في تفكيرها وتحريكها، بحيث يكون له وجود متوار مذوب في عوالم شخصياته دون الجهر بذلك.
كما تنشط ثيمة روائية تكاد تغدو عادة رائجة، وهي تسمية الروائي شخصيته الرئيسة، بطله الأوحد، باسمه، ما قد يُوهم أنه يكتب سيرته الشخصية، دون أن يكون ملزماً بتقديم إجابات أو إيضاحات، يرتاح للبس والإشكال والإيهام، ربما يكون ذلك من دافع إثبات الأهمية وتمثل البطولة، سواء كانت تلك البعيدة أم تلك التي كانت في متناول اليد.
قد يكون التجنيس قلق الكاتب، لأنه يحدد الخانة التي ينتوي التقدم بها، حصراً أو تعميماً، لعل الرابط الأبرز بين الروايات المتكئة على السير الذاتية اعتمادها على راو متكلم، عليم وحيد أليم، ناطق بائح، مطلع على الكيفيات التي أديرت بها المصائر ورتبت. الروايات المعتمدة على السير حفريات في الذاكرة، تنقيبات أدبية في بحور الآلام. ولاشك أن كل رواية تحمل شيئاً من سيرة كاتبها، بطريقة أو أخرى، فلا يعقل ألا يتسرب شيء، أو أشياء، من ذات الكاتب إلى عمله، وهذا التسرب يحمي الرواية بقدر حماية الروائي، لأن تمرئي الذات من ممكنات التهدئة. كما أن التسلل إلى السيرة الذاتية من بوابة الرواية سياج حام للروائي ولروايته. تحصين للرواية من منزلق السيرة والمذكرات التي تحمل الفرض والوصائية والتمركز، وحصانة للروائي الذي يتقدم صك براءته مع الرواية، فلا يكون هناك احتمال مساءلة أو مقاضاة، بل تكون المكاشفة ملازمة للتحرر، منعتقة من قيود التاريخ، وهاربة ومموهة لاقتفاء القارئ الرقيب.
وقد كتب الكثير من الكتاب جوانب من سيرهم، محطات مهمة مفصلية استوقفتهم، كسليم بركات الذي كتب سيرته في كتابيه (الجندب الحديدي) و(سيرة الصبا)، كما كتب محمود درويش بعضاً من سيرته في كتابه الأثير (ذاكرة للنسيان), فكان وهو يوثق ذاكرته، يلقي بها في مهب التوثيق، مداوراً بطريقته الشاعرية، معرضاً إياها للنسيان المخلد غير القابل للنسيان. ويحضر تحت توصيف الرواية (الخبز الحافي) لمحمد شكري الذي كتب نص السيرة الذاتية، متمتعاً بجرأة مغامرة وهو يكشف الكوارث المتفشية، وما عاشه وعاناه من جوع وحرمان وأسى وتهميش.
الرواية السيرية تلصص ذاتي
من الروايات المتكئة بشكل كلي على سيرة كاتبها، رواية (الأفريقي) للروائي الفرنسي جان ماري لوكلوزيو المولود في مدينة نيس الفرنسية 1940، تعد روايته بمثابة السيرة الذاتية التي يسرد فيها ذكرياته عن الأيام التي قضاها في أحضان أفريقيا، فيصف طبيعتها، يتحدث عن قاطنيها بأشكالهم، وطبائعهم، وأنماط معيشتهم. قدم لوكلوزيو فيها سيرته الأفريقية، عبر استذكار سيرة والده الذي أصبح أفريقياً بالانتماء والإحساس والمعايشة، وعبر سيرة أمه التي حملت به، وهي تنعم بالبهجة في ربوع أفريقيا، فكان الأفريقي أباً وأماً وهوىً، حلماً وتوجساً، ماضياً ومستقبلاً..
يجول لوكلوزيو في سهول وغابات أفريقيا، ذلك في روايته (الأفريقي)، يروي فيها حكاياته اعتماداً على ذاكرة الطفل، وخيال الكاتب الذي يسد الثغرات التي قد يخلفها الزمن، يتحدث عن مرحلة مهمة من تاريخ أفريقيا العاصف، مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وحتى ستينيات القرن العشرين، ابتداء من عمل والده كطبيب جوال في أفريقيا، وحتى عودته إلى فرنسا محالاً إلى التقاعد، وما تخلل تلك العقود من أحداث، على الصعيدين الشخصي والعام.
يكتب لوكلوزيو بوعي الراشد، وذاكرة الطفل، ولا يسهو عن التذكير بأنه ربما تبالغ ذاكرة الطفل بما يخص المسافات والارتفاعات، حيث قد تتكفل أحاسيسه الطفولية بتوسيع الأمداء، كما يشير إلى اختلاط الأحلام بالحكايات، يسرد حكاياته الطريفة والنادرة، يروي حكاية والده الذي كان الطبيب الوحيد ضمن منطقة شاسعة. يعمل ويمارس كل الأعمال، من التوليد إلى التشريح. ظل مواظباً على عاداته الأفريقية حتى بعد عودته إلى فرنسا، حافظ على العادات العسكرية القديمة كلها، منضبطاً لدرجة مبالغة. كسرت الحرب أحلام والده الأفريقية. حيث لم يعد لها طعم الحرية كما كانت قبل ذلك، أوقف فيها، أعيد إلى فرنسا، بعد مكوثه فيها لأكثر من عقدين، كان يعتقد بأنه لن يغادرها أبداً، حلم فيها بحياة كاملة، يكتشف فجأة أن الأطباء يشكلون جزءاً من السيطرة الاستعمارية، لا تختلف كثيراً عن سيطرة الجيش والعساكر والقضاة. تغيرت نظرته للحياة، أصبح المرض بالنسبة إليه حالة مهينة في اللحظة التي توقف فيها سحر أفريقيا عليه. البلاد التي عثر فيها على السعادة، هي نفسها التي سرقت منه حياته الأسرية.. عاد ليعيش في جنوب فرنسا حاملاً معه إرثه الأفريقي. لكن صوت أفريقيا لم يخفت في داخله، جعلته سنواته التي قضاها في فرنسا يشعر بالكراهية العميقة للمستعمر بكل أشكاله. يفصح الكاتب عن تشبه والده في نهاية حياته بأولئك الذين كان يعالجهم، ليس بسبب الاستسلام، بل لرغبته في التماثل معهم.
في سيرته/روايته، يؤكد لوكلوزيو أن الكنز الأفريقي لا يزال يعيش فيه، وأنه لن يجتث أبداً، لأنه أكثر من كونه مجرد ذكريات، تحول إلى يقين. كما يؤكد أنه لا يتحدث عن الحنين أو الألم النابع منه، بل عن الجوهر والأحاسيس التي تشكل الجانب الأكثر منطقية في حياته. وأنه بكتابته استطاع أن يفهم أن تلك الذاكرة ليست ملكاً له، هي ذاكرة الزمن الذي سبق ولادته، ذاكرة أحلام وقلق والده، ذاكرة توحد والديه بالحب الذي ظناه أبدياً.
الألماني غونتر غراس الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1999، المولود 16 تشرين الأول 1927 في مدينة دانتزغ، يملأ روايته (قط وفأر)، بجوانب سيرية، ولاسيما سيرة الصبا والفتوة، يرويها الكاتب على لسان شخصية السارد الرئيس بلينز الذي يروي حكايته بالموازاة مع حكاية الشاب يواكيم مالكه، تستغرق مرحلة بدايات الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الخمسينات من القرن العشرين. وهي مرحلة مفصلية في تاريخ العالم الحديث، شهدت انحسار وتحجيم دول وأقطاب، وظهور أقطاب أخرى استلمت زمام اللعبة العالمية.
الرواية تكون متخيلة بناء على سيرة واقعية يُدخلها في إطار التخييل، ربما، كي لا تُحاسب على واقعيتها التي قد تبدو مُؤلِمة للبعض، وتحديداً لمن أفنوا زهرة أعمارهم في الحروب والمعارك، من دون أن يربحوا سوى الهزائم والخسارات والكوارث. يسرد غراس سيرتين مدموجتين في سيرة موحدة، ففي حين يفترض ببلينز أنه يحكي سيرته، فإنه ينغمس في رواية سيرة الفتى يواكيم بإعجاب وافتتان، من خلال سرد ما كان يُقدِم عليه من مخاطر ومغامرات، ومع أنه كان اليتيم الوحيد، لكنه كان الأكثر شغفاً بالمغامرة، ولم يكن يتوانى عن الاكتشاف تحت أي تملص محتمل، يحكي سيرة صباه وسيرة فتوته وشبابه، كيف أنه كان يسبح في البحر لينهب أدوات ومقتنيات مختلفة من البارجة الحربية الغارقة على الشاطئ، وكيف كان يأتي كل مرة يغوص فيها بكل جديد لافت. ولم يكن يخشى المجازفة، لأن دوافع الاكتشاف والتملك كانت أقوى من نوازع الخشية والتوجس، كما كانت روح الشباب الوثابة أقوى من نداء التعقل البعيد حينذاك عنه.
ونجد الروائي الفرنسي أنطوان دي سانت أكسوبري الذي كان شاهداً على الحربين العالميتين ومشاركاً كطيار في الحرب العالمية الثانية التي كان واحداً من ضحاياها. يسرد روايته (طيران إلى آراس) بطريقة سيرية بعض المحطات المفصلية في حياته، يروي بلسان المتكلم، يكون الراوي المصرح باسمه نفسه، يوجه خطابه الروائي بشكل مباشر إلى الإنسانية جمعاء، هو الذي ذاق مرارات الحرب، يتحدث عن رحلاته الاستطلاعية التي كان يكتشف فيها هول الخراب الناتج، يصف ارتباطه العضوي بالطائرة، وارتباطه الأعمق بالذين كان يشاهدهم من مسافات بعيدة، يفكر بسخف الطيران، بعقم الزمن، وعبثية الاستخبارات وارتباك الجنود. يفكر بهوية الإنسان الحقيقية التي تُفقِده إياها الحرب، يكشف افتراس الحرب لكل جميل وخير في الحياة. يفصل في الأدوار التي يختارها الناس في الحروب، بعضٌ يختار اللعب على الحبال، وتمثيل الدعاية والإعلان كأنه يروج لمنتج حضاري، وآخر يبالغ في مواقفه واستماتته بغية تحصيل امتيازات ومكتسبات محتملة جراء التخريب الناجم، وآخرون متباينون في منطلقاتهم إزاءها.. يؤكد أن جميعهم خاسرون، وإن توهموا النصر. لأنه يرى أنه لا نصر قط في الحروب، يراها خسارات وهزائم كلها.
أكسوبري الذي ولد سنة 1900، ودخل القوة الجوية وصُنف كطيار 1920، شارك مع الجيش الفرنسي في عدة مواقع، تنقل في عدد من الأمكنة، وخلال الحرب العالمية الثانية، حين كان طياراً، سقطت فرنسا، ما أجبره على الذهاب إلى أميركا، ثم عاد في ما بعد إلى شمال أفريقيا سنة 1943، وبينما كان في طلعة جوية استطلاعية فوق المتوسط، اختفى، ويُحتمل أنه سقط بنيران مقاتلين ألمان. تحتل الحرب، والأحاديث والرؤى التي تتخللها، وتلك التي تسبقها أو تتتبعها، عوالم وأجواء روايته. ولا يتهرب أكسوبري من تسمية بطله باسمه، يتوحد به، وهو الذي يؤكد أنه يكتب سيرته. يصور الرائد أكسوبري، كما يسمي نفسه في الرواية، كيف أن الحرب ترمد الرجال، تُشيخ الأطفال، تحجر قلوبهم، وتلقي بهم هياكل مجوفة لا جدوى محتمل منها، يصف الحرب المستعرة بقتال ديكة، مهارشة غير منتهية، رهان عبثي على الفوز بالفجائع. ينقل مشاهداته البصرية أثناء طيرانه الإجباري في طلعاته الجوية الاستطلاعية، يتحدث عما كان يراه من الأعلى حيث كان يحلق بعيداً عن قذائف الأعداء، كما يصور بالموازاة مع مشاهداته تلك ما كان يتراءى له من تخيلات وأحلام وكوابيس، فكان تحليقه ينتقل به بين المراجعة التي تمليها المشاهدة العينية والرؤية القلبية العقلية. تكون الصور الذهنية المستحضرة معادلات ومكافِئات للصور الواقعية المؤلمة التي تحيطه من كل صوب، وتغرقه في الأذى الذي يختلقه له، هو الذي يحارب لتسييد القيم المثلى، يجد نفسه في مستنقع القتل الإجباري دفاعاً عن النفس، بعيداً عن الأجندات التي يرسمها أمراء الحروب. يخوض حرباً بالنيابة، يفضح ويلات هذه الحرب، يحرص على التدقيق في مشاهد الترويع والإرهاب المقترفة من مختلف الأطراف المتحاربة إزاء بعضها بعضاً، وإزاء العُزل والأبرياء من النساء والأطفال.
أما الكاتبة الأميركية إليزابيث جيلبرت (1969)، فقد قررت، بعد أن أُغلِقت في وجهها أبواب السعادة، وشعرت أنها تائهة في قلب العالم الصاخب، تغيير مسار حياتها الرتيبة المملة، وتغيير الإيقاع الثابت الذي كان قد كبلها، ولاسيما بعد مرورها بعدة تجارب حب فاشلة، منها طلاقها من زوجها، وانفصالها عن صديقها، ومع عشقها للأسفار، ورغبتها المِلحاح في الخروج من القالب الذي نمطها، بحيث خلخل توازنها، انقلبت على نفسها، تمردت على فخاخ واقعها، غيرت كل شيء، لم تنْسق وراء ما يبقيها مقيدة، كما لم تلتفت إلى الأقاويل التي سِيقت لها عن جنونها ومقامرتها وطيشها، تخلت عن كل شيء لتبحث عن توازنها الداخلي، لأنها لم تكن تعيش السلام مع نفسها، في حين قد يتوهم المحيطون بها أنها ينبغي أن تعيش قمة السعادة، باعتبارها ناجحة في مهنتها، وتمكنت من تأسيس منزل مناسب مع زوجها، كما احتفظت برصيد يؤمن لها مستقبلها، لكنها تبدو ممسوسة بداء البحث عن الذات، عبر التنقيب والبحث كل شيء وتجريبه، كي تنتقي بعدها ما يلائمها، وما يكفل لها السعادة والسلام والبهجة. فكانت أن كتبت روايتها المذكراتية؛ السير- ذاتية (طعام..، صلاة..، حب..)، التي سردت فيها حكايتها منذ طفولتها وحتى اللحظة التي كتبت فيها روايتها التي شكلت لها دواء شافياً من عللها، تداوت بالكتابة، واجهت بها العالم، تغلبت بها على الوحدة والوحشة والاكتئاب، اتخذت من نفسها الكاتبة مستشاراً لها، تكتب آراءها في منعطفات ومنزلقات حياتها، تقرأ مآسيها مكتوبة على الورق أمامها، فتتمكن من تشخيص العلل، وبالتالي المعاندة للتغلب عليها. وقد لاقت الرواية رواجاً عالمياً كبيراً، وتحولت إلى فيلم سينمائي جسدت بطولته الفنانة جوليا روبرتس التي تقول عن الكتاب إنه هديتها المفضلة إلى صديقاتها.
كما كتب الروائي كارلوس ليسكانو مذكراته تحت ستار الرواية، كتب عن سجنه السياسي في بلده الأورغواي إبان الحكم الديكتاتوري في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، فجاءت روايته (عربة المجانين)، وثيقة حية عن تمويت مُمنهج مُورس عليه وعلى الكثيرين من أمثاله في مرحلة العنف والعنف المضاد التي اجتاحت بلده، حيث كان الصراع على السلطة على أشده بين الثوار والنظام، صراع شرس قسم الناس فرقاً وجماعات متناحرة، سلب الرحمة من قلوبهم، زرع في نفوسهم قيم الثأر والانتقام والقتل..
يسرد ليسكانو حكاية دخوله السجن شاباً قوياً، وخروجه منه رجلاً مهدوداً، قضى فيه شبابه ورجولته، أمضى أكثر من عقد ونصف في عتمة السجن، اكتشف فيه أشياء كثيرة، تعرف إلى أناس كثر، فقد أمه وأباه، وحين خرج، فُجِع باكتشافه أن هناك معاناة كبيرة ومرارة مضاعفة في العالم الخارجي. فُجِع بالحرية الممنوحة فجيعته بالحرية المسلوبة.
يروي كارلوس ليسكانو سيرة سجنه - حياته منذ بداية اعتقاله في مونتفيديو وحتى وقت كتابته لروايته، وقد ابتعد فيها عن الكتابة بطريقة موتورة تحاملية، بل كتب بشفافية عن قساوة السجن، أراد أن يسلط الضوء على عالم السجن المُوحِش، وأن يتوغل في دواخل السجانين والمسجونين سواء بسواء، ليسبرها ويفردها للقارئ ولنفسه، يخصص فصولاً عديدة من روايته، التي قسمها إلى ثلاثة أقسام غير متساوية الفصول، للحديث عن الآخرين الذين شاءت الأقدار والمصادفات أن يلتقي بهم أو يعيش معهم. يقول ليسكانو إنه كان يروي، في بعض الأماسي، حكايات مفرحة عن السجناء ولكنه ظل يرفض الكتابة عن السجن، شعر أنه غير قادر على أن يروي كتابة شيئاً سوى سلسلة لا متناهية من التنكيد المجرد من المحتوى الأدبي، لكنه يستجيب لنداء داخلي بالكتابة والبوح، ليملي عليه ما يكتبه، سينتزع من النسيان وقائع ومشاعر وأحاسيس لم يكن يتذكرها. سيكون تائهاً في ممارسة الحرية، تماماً كما كان يوم خروجه في مواجهة ممارسة حريته، حين كان في عربة المجانين. سيظل يبحث عنها ويمارسها في ذاته. وسيعتقد أنه يجدها كل مرة ليشعر بأنه قد فقدها. فتكون دورات متتالية من الفقد المبرح. تكون الكتابة فعل حياة، فعل وجود، فعل حرية مطلقة. تكون فكرة الكتابة فكرة ممارسة الحرية التي تظل بعيدة عن التعريف لديه.
وقد يكون دافع التلصص القرائي وراء إقبال الكثير من القراء على كتب السيرة الذاتية، أو تلك التي تتخفى وراء قناع السيرة، سواء كانت روائية أو قصصية. وربما يتحول الروائي نفسه في بعض الأحيان إلى متلصص على نفسه وأيامه وتاريخه، كالروائي السوري مصطفى خليفة صاحب رائعة (القوقعة) التي تعد وِساماً روائياً وشهادة تاريخية على جرم الممارسة وإجرام المستبد، خليفة الذي قنع مذكراته الأليمة في السجن طيلة سنين بتوصيف الرواية، أدرك عمق ما يمكن أن تبلغه الكتابة حين تتخلى عن التسمية، لتنفتح على القراء جميعاً، دون أن تقع في مطبات المساءلات الشخصية التي قد تستثيرها، ودون أن يطلب منها أجوبة محددة، ذلك أن الرواية كجنس أدبي مفتوح، (مراوغ)، لا تفترض تقديم أية إجابة، بل تثير الأسئلة وتستعرض الوقائع والأحداث، ويحق لها اختراعها وابتداعها لخلق عوالمها الروائية الخارجة عن سطوة الواقع.
يبرز التقاطع والتلاقي جلياً بين تلصص مصطفى خليفة الذاتي الروائي وتلصص ليسكانو السيري، إذ يشعر القارئ أنه يكتشف فيهما الراوي المُفصح عن أحواله في السجون الكبيرة التي تتكاثر هنا وهناك، تحضر صور السجن وتتداعى ذكريات السجناء، تستحضر وسائل التعذيب كصور مألوفة حاضرة في الأذهان لا تختلف عن تلك التي تعكر الواقع، وتفضح جريمة السجن المستمرة بالنسبة إليه، اللافت أن كل روائي يقدم تلك الفترة كمرحلة رئيسة مكونة لحياته، لا كوقت ضائع ينبغي تجنب الخوض فيه.
السيرة المروية حفريات في الذاكرة
سيرة الكاتب خزان آلامه، ومصدر إلهامه، وكما كان السجن دافعاً ومحفزاً على الرواية والإبداع، فقد يغدو المرض كذلك أيضاً دافعاً لاستغلال الوقت وتقديم نص لافت، وهذا ما كان مع الأديب اللبناني عبده وازن، في نصه؛ كتابه (قلب مفتوح)، كتابه قلبه المفتوح، الذي يتخفف ويتحرر فيه من ثقل المرض، يستشفي بالكتابة التي كثيراً ما قيل وتردد بأنها تفيد التطبيب والمداواة والاستشفاء. كأن الكاتب حين يكتب معاناته يطب لمحبه. كأنه هو ذاته من طب لمن حب. يعترف بما يجول بباله من أحلام وكوابيس وذكريات، يفردها على الملأ، يروي ما له وما عليه. لم يقدم نفسه الفارس المقدام في كل ما كتبه، بل كان دقيقاً في التعبير عن كوامنه ودواخله، تحدث عن الإنسان فيه، عن الفتى الذي كانه، عن الطفل الذي كانه، عن الكينونة التي كان يتأملها، عن الضعف الذي كان يتلبسه، عن انهياراته وتصدعاته، وعما استطاع نقله إلى القارئ من صور اختزنتها ذاكرته القوية، وتحدى بها جسده الواهن، تحدى بها خيانة ذلك الجسد له في لحظات بعينها. حسبه أنه استطاع تحويل آلامه وأوجاعه وذكرياته إلى عِبر وحِكم يستفاد منها. وحسبه أنه حول دموعه إلى ابتسامات ولذائذ أدبية.
وقد تهرب وازن من اعتماد التجنيس، أو التوصيف الروائي لكتابه السيري، برغم ما فيه من اكتمال للعناصر الروائية، ومع انبنائه على البوح الشفيف، حيث تتكامل الأدوات، دون أن يفرض التجنيس الأدبي المفترض. عبده وازن الذي انتهز مدة مكوثه في المشفى، ليعود إلى ذكرياته، يستقي منها مادته الأدبية، يعود إلى طفولته، إلى أحلامه وكوابيسه، إلى قناعاته وآرائه، يسردها بنفس متوازن، وبإيقاع متصاعد، لا يبدو منساقاً وراء الاضطراب الذي قد يخلقه أو يخلفه المرض. يتحدث عن جسده، عن تدقيقه فيه، عن اكتشافاته الأولى والمتأخرة، عن مفاجأته به في الملابسات والأجواء التي سبقت العملية الجراحية الناجحة التي أجريت له. يروي سيرته الذاتية التي لا تنفصل عن سيرة أسرته، حيه، مدينته، وطنه. يتحدث عن الطفولة التي عاشها، عن فقده الباكر لوالده، عن تحرره؛ المحمود المذموم، المظنون في الوقت نفسه من سلطة الأب، وعن نهوضه بأعباء لم تكن تخطر له على بال فيما سبق. عن كرهه لشعور الشفقة من قبل الآخرين عليه، وعن مأساة اليتم القاهرة.. ثم يتحدث عن الكثير من المفاهيم والقناعات التي شكلت خلفيته الفكرية والثقافية، يكتب عن المرض، عن حبه الأول، عن الجسد، عن الروح، عن الليل، عن الدين، عن الفنون، وعن الحروب الأهلية التي حفرت عميقاً في وجدانه وروحه وجسده.
يطرح الكاتب الكثير من الأسئلة التي لا يبدو أنه ينتظر إجابات عنها، يطلقها في لجة الفضاء لتكون حوافز للبحث والتنقيب والنبش والمناقشة. يستذكر الكثير من الطرائف التي وقعت له، أو كان شاهداً عليها، كما يذكر بالكثير من العادات والأعراف والطقوس التي كانت رائجة، أو التي كان مشاركاً بفعالية فيها. يتذكر أموراً لا يود تذكرها، لا يمكنه إيقاف فيض الصور من ذاكرته التي ينعشها المرض والوحدة، كأنها تدجج بالقوة والمنعة لمواجهة الأخطار المحتملة، أو تلك التي وقعت. يتذكر مشاهد الطفولة، المشاهد الأليمة التي يخبئها في ثنايا القلب، مرة تلو مرة، يحار، وهو الذي نهض بأعجوبة وفتح عينيه على ضوء الحياة المنتصرة. يتساءل عن سبب تذكره للعديد من الحوادث التي وقعت له، هل لأنه قارب الموت يحتفل بالمعنى الجوهري للحياة، مستعيداً تلك الذكريات التي تمر في باله وكأنها أحلام حلمها بعينين مفتوحتين. يكتب الذكريات التي يصفها بأنها من تكتبه، تحل عليه وتنتهبه، (ذكريات لم تكن، ذكريات كأنها ستكون).
يعود الكاتب بعد أن أنهكه المرض وأرهق قواه إلى الحياة، يكتشفها مرة أخرى بطريقة جديدة، يقر أنه لا يكتب ليواجه ولا ليتحرر ولا لينتفض ولا ليهرب ولا ليغير الحياة أو العالم، يكتب ليكون نفسه، ليقي ضوءاً على نفسه، ليرى نفسه «وقد استحالت أسطراً من حبر، أسطراً تبرق مثل نجوم بلا ليل. تصبح اللغة هي الروح وهي الجسد الذي ليس له جسد». يعزل نفسه وراء صور من حبر، ينقطع عما ليس نفسه، يغرق في نفسه وأنواته ومراياه وحيواته، نفسه التي هي أناه والآخر والعالم وقد استحال ذكرى. كما أنه وإن كان يكتب أنه لا يدري ما يكتب، إلا أن تلك الحالة اللاإدرية تكون الوعي التام بالحالة، لأنه يعرف تمام المعرفة أنه يكتب، يعيش الكتابة، بها يعيش وبها يُميت الموت ويتغلب عليه، كما يقول. كتابته تجيب عن الكثير من الأسئلة، التي هي بحد ذاتها أسئلة مستولدة من رحم الإجابات نفسها. يكتب وقد عاد إلى الحياة، يصرخ ملء فمه إعجاباً بجمالها حين تشرق من وراء ليل، هو ليل المرض، الأسى، الحرب، الذكرى..
كما قد يلوذ الروائي أحياناً إلى التلاعب الروائي، بإيهام قارئه أنه بصدد تمويه حالة بعينها حين تقديم حالة أخرى، كالسعودي عبد العزيز الصقعبي، في عمله (حالة كذب) الذي يعلن فيه منذ البداية أنه على أعتاب الكذب، وبذلك يوسع هامش تجريبه وحريته في الانتقال إلى الأقاصي بأريحية وإقناع، دون أن يكون مضطراً إلى التبرير أو تقديم الأعذار. ويكون التماهي بين السيرة الذاتية والرواية في سياق أحداث الرواية ومجرياتها، إذ يقع السارد على دفتر مذكرات يتطابق صاحبه معه، يبدأ بقلب أوراقه، يجد أنه مهموم بالكتابة، يعيش حلمها، ثم أن السارد نفسه يشبه أو يتطابق مع آخره، الذي هو صورة مُمرآة له، أو وجه من وجوهه، يُكسبه ذلك الشبه امتيازاته، أي يوسع دائرة مشاركته، ويخلق له هوامش للعب والابتداع دون رقابة أو محاسبة. تكون الرواية عنده التفافاً على السيرة، وتقديماً لها في حيز مختلف.
وقد يلجأ الروائي إلى المزج بين السيرة والرواية، ويربط خيط الرواية الأبيض بخيط الواقع الأسود، لخلق عالم إشكالي، يصح توصيفه بالواقعي من جهة، وبغير الواقعي من جهة أخرى، ومن ذلك ما اعتمدته الروائية اللبنانية إلهام منصور في روايتها (تركت الهاتف يرن)، التي صورت فيها جوانب من الحياة الاجتماعية لسكان بيروت الذين آثروا البقاء فيها أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في 1982م، صورت تفاصيل حياة شخصيتها ليال المتماسة معها، ليال التي تشكل الكتابة بالنسبة إليها ملاذاً آمناً، تستعين بها منتصرة لنفسها وواقعها ومدينتها. بالموازاة، تحضر شخصيات حقيقية في سياق الأحداث، كوصفها لزيارة شخصيتها إلى سوريا في روايتها، حيث تكتب عن جوانب من سياحة بطلتيها في عدد من الأماكن السياحية في سوريا، دمشق وتدمر، برفقة الروائي حنا مينة، ومن هنا يمكن استشفاف جوانب سيرية في الرواية، ولاسيما أن الكاتبة تتقمص شخصية ليال التي تشابهها كثيراً، من حيث تاريخها ودراستها وميولها وموقعها، وما يكرس هذا الشعور عند القارئ استعانتها بأسماء حقيقية لكتاب ومفكرين عرب، اتصلوا بها، أو تواصلوا معها، أو كتبوا عنها، منهم مثلاً: (حنا مينة، مطاع صفدي، الطيب تيزيني...) وغيرهم أيضاً، مع تلاعبها الروائي بأسماء شخصياتها ممارسة الإبدال في الأحرف، أو مغيرة فيها بشكل كامل، ما يقرب الرواية من السيرة، ويلغي الفاصل بين الواقع والرواية، وقد يوهم بأن الكاتبة تخلت عن حياديتها كروائية، ومارست التلاعب بشخصياتها وفق توجهاتها. أي أنها استعانت بالإيهام تارة والإيحاء تارة أخرى. قدمت شخصيات روائية متقاطعة مع عينات واقعية مسماة حيناً، ومتهربة من التسمية الصريحة حيناً آخر.. ولربما يتبادر إلى القارئ أن الروائية تقدم كشفاً بالحساب، أو (تصفية) للحساب، لكن الحِرفية في التحبيك والإقناع، والغوص في دواخل الشخصيات، تضفي على الرواية مسحتها الفنية، وتفتح لها آفاقاً أرحب في المقاربة والقراءة.
وقد يشطر الروائي ذاته ذواتاً متعددة، يروي سيرها مدموجة ومدغومة في سيرته، كحالة اللبناني شربل داغر في روايته (وصية هابيل)، التي غاص فيها إلى عالمه الداخلي، يقول هابيلـ:(ـه) وقابيلـ:(ـه)، إذ أن دم كليهما ينبض في عروق كل بني آدم، على الرغم مما يقال عن أن السلالة البشرية هي سلالة قاين، أما هابيل فلم يسعفه قدره أن يخلف أبناء يخلفونه، بل تراه خلف صفاته التي انتقلت إلى سلالة أخيه، فكان أن أصبح الإنسان جلاداً وضحية في آن، وبقي وفياً لجيناته المتوارثة. استجاب لقاين في داخله، ولم ينس التعاطف مع هابيلـ:(ـه). وكل ذلك من خلال أخذ ورد لا ينقطعان طوال الرواية، بين الوافد؛ الذي قد يكون صحفياً، أو قريناً للراوي المتوحد مع الروائي نفسه. فيكون التحاور حول أمور كثيرة يتكاملان في الإحاطة بها وإبانتها..
يسهب داغر في الحوار البيني، حيث الاعتماد على الجمل القصيرة، وتبادل المتحاورين، دون أن يسميهما، بل كانا شربل داغر نفسه، وذلك عندما يبدأ بداية من رسائل يتلقاها من مجهول هو هو نفسه، يبدأ التلاقي بينهما ثم التكالم، أحدهما يسجل ويسأل، والآخر يجيب ويسأل أيضاً، أحدهما يترجم والآخر يدون، كلاهما مترجما حياة ووقائع، أحدهما يستدرج الآخر إلى نزال الذكريات والرؤى المنداحة، حيث تكون السيرة الذاتية محور الرواية، وكما يرد على لسان الراوي: (السيرة رواية مختلقة وأنا لا أحسن كتابة الرواية..). قد يكون في هذا القول تهرباً ما من استحقاقات معينة، وقد يكون تبريرياً أو تواضعاً، لأنه وهو يقول ما يقوله، يكتب رواية السيرة، أو سيرته رواية.. لكن القصص لا تكتمل إلا بسؤالهما وجوابهما معاً، فكلاهما يعرفان تفاصيل ما يرويانه تماماً، من خلال النبش في الذاكرة، حيث ينير حديثهما الدهاليز المعتمة فيها، وفي الماضي، يقلب في أوراق الزمن. يحلو لهما الرضوخ للعبة تبادل الهواجس، حيث لا يتحدد مسار السرد، يتفرع هنا وهناك، ولا يعود للتكالم بينهما وجهة محددة.. من خلال الغوص إلى النفس، الوصول إلى الدواخل، تكليمها واستنطاق المخبوء فيها، ويأخذ الحديث بينهما، بين ذينك الساكنيْنِ فيه، سبلاً مختلفة، يبدأ من الحنين البادي إلى الصور القديمة، إلى الأزقة والمنعرجات والزواريب، إلى (النملية) و(الأوتومتريس)، وإلى الهواء الذي يسبقه إلى خطواته، والذي كان يداعب جبينه عندما يستلقي في ظلال شجرة الحور، وإليه وهو يحمله عبر المسافات مثل طائر.. ثم يقع الروائي في فخ ينصبه لقرائه وذلك في نهاية الرواية، عندما يقدم شيفراته على طبق من تسهيل، في قوله: (أنت وأنا لسنا اثنين: واحد يسأل والآخر يجيب، واحد يتكلم والآخر يتكلم أيضاً. أنا وأنت: نتقدم الواحد في اتجاه الآخر). وكذلك عندما يصف نفسه المنقسمة اثنتين، كالقطار الذي يسير على سكتين. ثم يختم بأسئلة لا تنتظر الأجوبة، وكأن هناك حالة تيه قادمة، أو حالة وحشة ووحدة لا يطيقها، فيبدأ الاستنجاد بقسميه والبحث عنهما، عندما ينادي: (أين أنتما؟ أتتركاني أقف وحدي في هذا لبياض الحالك؟ لعلهما توجها إلى غيري..)، كما قد يتبادر إلى ذهن قارئ الرواية أن كاتبها يلهج في الحديث عن ذاته، يتبدى ذلك في الإكثار في الاستشهاد باسمه، أو قصيدة له، أي كأنه يُمحور كل ما يتعلق به، بينما يجعل من كل ما يحيط به دائراً في فلكه، مهيئاً له أرضية تريحه، أو تعظمه. يأتي تصريحه الأكثر لنفسه، في أحد حواراته، الذي هو مماحكة من خلال التلاعب بالضمير، وهو مسارة ومجاهرة في آن، يكون في تمشيه الليلي والبوح بما يعتمل في داخله مع تحاشي النظر إلى الوجه، وكأنه في ذلك يطبق وصية لعلي بن أبي طالب يقول فيها: (لا تطلبن حاجة ليلاً فإن الحياء في العين)، وكي لا يكون هناك مجال للتدقيق في ملامح الوجه، التي تتغير بحسب المقول، وبحسب الصدق والكذب فيه، لذلك فنلحظ أنه يقال لمن لا يُوثق بكلامه: (ضع عينك في عيني)، للتأكد من مصداقية ما يقوله، حيث العيون فضاحة، والوجوه وقسماتها أكثر فضحاً ووشاية منها.. فتتجلى في البوح بصور ملتبسة، غامضة، ملفقة، مختلقة، ولا يطلب من أحد أن تكون مصدقه، لأنه واثق من صدقها، أو لا حاجة به إلى غير ذلك..
وقد يتحول الانشطار إلى توحد، أو رغبة في الالتحام بين الروائي وشخصيته، كما في رواية (ترمي بشرر..) لعبده خال، الذي يعتمد على الإيهام أكثر من مرة في روايته، ابتداء من الإهداء وحتى الجزء المعنون بـ(البرزخ)، إذ أن الإهداء يرد مذيلاً بتوقيع طارق فاضل، الذي هو الراوي وبطل الرواية، وهذا يُوهم بأن الراوي طارق هو كاتب العمل، لا الروائي عبده خال، يخرج بذلك طارق من شخصية روائية إلى واقعية، حين يؤكد بعد الانتهاء من الرواية (379) أنه عندما كان برفقة ابنه، اقترب منه أحدهم، يود إخباره بقصة واقعية خليقة بكتابتها، فيماطله الكاتب لكن الشخص ذاك لا يرضخ للمماطلة، يستفز رغبته، حينها يقرر الكاتب الاستماع لحكايته منذ البداية.. تلك الحكاية التي تشكل الرواية التي كتبها خال، ناحلاً إياها إلى شخصيته، مبادلاً معه الأدوار، ومجيراً قصته في روايته.. وما يزيد الإيهام التصاقاً بالواقع ويكاد يحققه، هو تثبيت الكاتب فصلاً بعدد من النساء، وكل سيرة مرفوقة بصورة ملونة لصاحبتها، إضافة إلى القصاصات الصحافية، والرسائل الخطية التي استعان بها في روايته، ليضفي عليها الواقعية الصادمة.. وحتى الصفحة الأخيرة التي يثبت فيها ورقة من أوراق التقويم وهي تعود إلى 29 كانون الأول 2008م، المصادف في 1 محرم 1430 هجري.. ربما ليكون الأول من محرم إيذاناً بتحريم سفك الدماء، أو إشعاراً بأن السفك مداوم ومزمن وجار على الرغم من تحريمه في الأشهر الحرم..
يمضي عبده خال بالإيهام حتى النهاية، ما يفتح باب التأويلات واسعاً أمامه وأمام الرواية، ألغى الحواجز بين الروائي وشخصيته، لاقى بينهما، بادل في أدوارهما، وقد يكون هذا الإيهام سبباً في رفع دعاوى ضده تتهمه بأنه استعمل أسماء حقيقية في روايته.. فهل ذلك لإضفاء الحقيقة والواقعية وزيادة الإقناع، هل ترك هامشاً للفصل بين المتخيل والواقعي.. أم أنها تقنيات روائية لا غير..؟
أما المغربية مليكة أوفقير لم تتخف خلف توصيف الرواية لتقدم سيرتها، بل كانت من الجرأة بمكان، أنها أرخت سيرتها. نجدها تسرد في كتابها المذكراتي (الغريبة)، سيرتها بعد السجن الذي تخلصت من براثنه هرباً، لتعاني من سجن أكبر سيبقى يلاحقها في أيامها القادمة، سيبقى مرتحلاً معها، ليبقيها سجينة أينما كانت، لينخر في ذاكرتها بؤساً وإذلالاً، كي لا تكون قادرة على قهره وهي خارجه، على عكس ما عاشته، إذ قهرته وتغلبت عليه، عندما كانت مأسورة داخله، إذ كانت تستمد من بقائها القوة لتصمد في وجه التجويع الرهيب الذي كانت تتعرض له مع عائلتها، كونها الكبرى بين إخوتها، لتتخذ دور الأب والأم والمعلمة معاً، لتؤلف من ذاكرتها قصصاً، وتتخيل معهم مستقبلاً يبدد فيه ظلام السجن، يقهر فيه المستحيل الذي جثم على صدورهم طاغية مع أنداد شرسين لا يرحمون..
حكت مليكة أوفقير في (الغريبة) كما في كتابها السابق (السجينة)، بعضاً من معاناتها من كل ما اعترض سبيلها، ومن الحرية، التي وصفتها بأنها مريرة، لأن السجن الملقي بفظاعاته على حياتها، يداوم معها، كونها تجهد للتخلص من ثقل ما قاسته من ظلم وإجرام وإرهاب، مع أسرتها، وخاصة إخوتها الأطفال الأبرياء الذين لم يكن لهم أي ذنب سوى أنهم أبناء رجل أراد تنفيذ انقلابه الشهير. مليكة، الغريبة، السجينة، لم تبقِ نفسها سجينة تناقضاتها وأفكارها، بل باحت بها، لتريح نفسها بالبوح، باعتباره الشافي المعافي للروح، والمداوي للكثير من الانكسارات التي تعرضت لها بعد خروجها من السجن إلى سجن آخر أكبر لن يقتل فيها روح التحدي التي تحلت بها، هذه الروح التي أبقتها على قيد الحياة راعية إخوتها، باثة فيهم العزم على الصمود والثبات.
تمتعت أوفقير في كتابتها مذكراتها بجرأة، أقول عنها جميلة، لم تخجل من ذكر بعض الأمور التي قد يعاب عليها فعلها، هي التي ظلت لفترة مترددة بين الأمور المختلطة عليها، بين عالميها، عالم الطفلة الأميرة، وعالم الراشدة السجينة الغريبة، أميرة نفسها، سجينة اسمها وشهرتها الذي يستحيل، كما تقول، التخلي عنهما، لإرضاء جهاز استخباراتي غفل من الصفة، مجفل الحضور للآخرين غير المستعدين بالمغامرة في التقرب منها، وتشغيلها، لأن شهرتها، أوفقير، ممنوع من الجهر بها، ممنوع نطقها، لأنه يستحضر تاريخاً يبتغى تناسيه، لأن مجرد التكلم فيه، يشكل كابوساً لم ينتهِ، رغم انتهاء صاحبه..
السيرة في عهدة الرواية
يكتشف القارئ كماً كبيراً ممن لجأ إلى تضمين سيرته بين دفتي رواية، مستمتعاً بما توفره له الرواية من حرية وانطلاق، من تحرر من أية مساءلة، وتخفف من أية مسؤولية واقعية، أو تبعة محتملة، ملقياً بالسيرة إلى عهدة الرواية، متوارياً خلف عالم الرواية الرحب، ليُحيي سيرته ويكسيها بلبوس رواية، ليُكسبها بذلك ديمومة منشودة. وبهذا تغدو سيرة الروائي هيكل الرواية في مثل هذه الحالات، يؤثثها الروائي بما يتوافق مع تصوراته واجتهاداته ورؤاه.
السيرة ما تزال في عهدة الرواية، التي تحتضنها وتعاود إطلاقها بشيء من التحوير والتزويق. الرواية ما تزال موكلة السيرة، الناطقة باسمها. ولكن.. هل ستبقى الرواية ناهلة من السيرة، متجنية عليها؟ هل ستبقى السيرُ روايات راعفة، مُبهجة أليمة في آن..؟ هل سنشهد سباقاً بينهما أم ستظلان توأمين سياميين، تفريقهما عن بعضهما بعضاً قد يُودي بهما معاً، أو بواحدة منهما على الأقل..؟!