المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ أحمد بن دعيج العالم والأديب


Eng.Jordan
12-12-2012, 08:32 PM
د. محمد الشويعر - الرياض
لا يخلّد أسماء الرجال في مجتمعهم، أو أسرهم إلا أعمالهم وجهودهم التي قاموا بها, والمجتمع الواعي برجاله هو الذي يرصد الأحداث، ويسجل سير أولئك الرجال وأعمالهم، التي هي حديث لمن بعدهم، سواء كان ذلك الحديث حسناً، أم عليه مداخل، ولذا ينبه الشاعر العربي على هذا الأمر، حتى يهتم كل من برزت مواهبه وأعماله، على أن ما يرصد عنه صفحة نقية، يذكره بها من كان مهتماً وحريصاً من الراصدين، بأن تكون سيرته التأريخية حسنة، في الذاكرين والمهتمين بالأحداث، وبالتأريخ للأفراد وأعمالهم، ونظرة مجتمعهم إليهم، لأن الرصد التأريخي لا يرحم، وهو مرجع الصدى:
وإنما المرء حديث بعده
فكن حديثاً حسناً لمن روى
ولأنه كلما كثر التسجيل والرصد، من المتابعين والمهتمين، كلما كان صاحب تلك السيرة، موضع اهتمام ومتابعة, ومن ثم التأثير في مجتمعه أولاً، ثم عند المتلقين ثانياً.
والشيخ أحمد بن علي بن دعيج، قد تناول الحديث عن سيرته، ثلاثة من الباحثين، وهم على حد علمي:
الشيخ عبدالله آل بسام في كتابه علماء نجد خلال ستة قرون، ثم الطبعة الثانية خلال ثمانية قرون، وهي ترجمة قصيرة.
الشيخ محمد بن عثمان القاضي بعنيزة، وهي ترجمة قصيرة، أبانَ فيها أبياتاً من قصيدته: نكبة الدرعية, وقال إنها منظومة لا تخلو من الخلل والأخطاء.
الدكتور عبدالله بن محمد الزيد وهو من أسباطه، أفرده بكتاب سماه قاضي الوشم أحمد بن دعيج ومسيرة ثمانين عاماً من العطاء. وسوف نورد ما تيسر من هذه التراجم الثلاث, مع أنه يوجد لمحات قليلة عند المؤرخ النسابة: عبدالرحمن بن زيد المغيري، وهو من أهل مرات في كتابه: المنتخب في ذكر أنساب العرب، تحقيق الدكتور: إبراهيم بن محمد الزيد الطبعة الثانية عام 1405هـ - 1985م. وقال: بأن الشيخ من آل كثير وهناك من يحمل اسم: دعيج من آل بني خالد في الأحساء، وهم أهل بلدة الجشة.
نسبه ونشأته
فهو الشيخ أحمد بن علي بن سليمان بن عبدالله، إلى أن ينتهي بموسى بن دعيج الكثيري نسباً, المراتي (بفتح الميم) بلداً, الحنبلي مذهباً. هكذا نسب نفسه بخط يده، فهو من آل كثير القبيلة الشهيرة في نجد، وينتهي نسبها إلى بطن كبير من بني لام، القبيلة الطائية. وقد انتقلت طي القحطانية، من جنوب الجزيرة ونزلت في الشمال قرب مدينة حائل، في جبلي أجا وسلمى, وهي قبيلة حاتم الطائي الذي يضرب به المثل بالكرم –أكرم من حاتم– وتفرع من طي أربع قبائل: بنو لام والفضول وآل كثير وبنو عبدالله.
يقول عنه الدكتور عبدالله الزيد: لقد وعيت أحداثاً كثيرة في سن باكرة جداً، مازالت عالقة في ذاكرتي بتفاصيلها الزمانية والمكانية، حتى الآن، من ذلك في محيطي الأسري من خالي عبدالرحمن بن دعيج ومن والدته الجوهرة بنت عبداللطيف بن دعيج، ومن والدتي نورة بنت حمد بن دعيج، الذين يتحدثون عن فضائل وعلم جدهم الشيخ إلى أن ماتوا، وقد جعل الله في ذريته النماء والبركة، وكثر عددهم: أحفاداً وأسباطاً وتوزعوا في المملكة.
وعن اسمه ونسبه, قال عن نفسه في مقدمة كتابه, الفرق الجلي المقتبس من مشكاة النبي العربي، ألفه العبد الفقير أحمد بن علي بن دعيج الحنبلي النجدي وطناً، والوشمي بلداً, ومرات مولداً ومسكناً, والكثيري نسباً، جعله الله خالصاً لوجهه. توفي والده عليّ وهو لا يزال طفلاً، فكفلته أمه أحسن كفالة وترك كتباً وعلماً.
طلب العلم
علمته أمه العلم الأولي، من قراءة وكتابة وحفظ للقرآن الكريم، ثم بعثته أمه إلى الدرعية ليستكمل تعليمه في حلقات علماء الدعوة, ثم رجع إلى بلده وطلب العلم عند علماء الوشم وسدير، ولازم مفتي الديار النجدية الشيخ عبدالله بابطين في بيته وفي حلقته بجامع شقراء، وكان مغرماً بالكتب وكثرة المطالعة ولديه موهبة شعرية. وكان يخط الكتب ويبيعها، ويخط المصحف الشريف، بخطه الأنيق الجميل، ففي كل جمعة ينهي نسخة منه, ثم عاد إلى بلدته مرات، فواصل انكبابه على التوسع في تحصيل العلم، بمزيد من القراءة والحفظ، وربط نفسه بعلاقات وثيقة بعلماء الوشم وعلماء سدير. وفي كنف والدته: شماء بنت ناصر بن ثابت، التي كانت مدرسته الأولى وعضده بعدما كبر بذكائها وكرمها وإكرام وفادة ضيوفه الذين يفدون لطلب الفتيا وسؤالهم في أمورهم الدينية والدنيوية، فكسبت شهرة وتركت آثاراً في بناتها وأولادها ومدحها الشعراء بكرمها وحسن الوفادة والترحيب.
أعماله
العالم والمتعلم في مجتمع الجزيرة ذلك الوقت عملة نادرة, فهو كالشمعة المضيئة في الليل المدلهم، لأنهم علماء شرعيون تلتجئ إليهم كل طبقات المجتمع بالسؤال والاستقصاء. ورغم أن الشيخ ابن دعيج، لم يهنأ بالوقت الذهبي في نهضة الدرعية العلمية، وإنما ناله شرار من نكبة الدرعية، وما حصل وراءها من ويلات، لكنه لم ينس إعطاء نفسه حظها من العلم، حتى أن أهل بلده بعدما قتل قاضيهم إبراهيم بن حمد بن مشرف في عام 1232هـ في المعركة الواقعة بين الإمام عبدالله بن سعود وإبراهيم باشا، فعينه جماعة مرات قاضياً لهم وإماماً وخطيباً لجامعهم. وأقره الإمام تركي بعد خروجه لاستعادة مكانة الدولة السعودية في دورها الثاني. ثم أقره الإمام فيصل على ولاية القضاء والفتيا، في منطقة الوشم كلها، وبقي في هذا العمل حتى توفي عام 1268هـ.
آثاره العلمية
أجمل المتحدثون عن الشيخ آثاره العلمية في ثلاث حالات، وقد ضاع أكثر تراثه وما وجد إلا النزر:
-1 التأريخ, وهو ما جاء في منظومته في نكبة الدرعية والتي انتهى بها الدور الأول للدولة السعودية، وهي منظومة قدرها بعض الباحثين بحيث لم يصل منها إلا 131 بيتاً وقد حققتها دارة الملك في كتاب عام 1432هـ.
-2 العلوم الشرعية, وهي إجابات بالنظم تارة وتضمنت أربعة من كتبه، وهي حصيلة جيدة.
-3 اهتمامه بنسخ القرآن الكريم بخط جميل منظم, ويتكسب بذلك مع نسخه لكثير من الكتب لعدم توافر الطباعة.
وقد أعطاه الله ملكة شعرية، وكان يخط النصائح والفتاوى والخطب المنبرية ويوزعها للفائدة.
وقد قال قصيدة في الإمام تركي بن عبدالله، الذي استعاد هيبة الدولة السعودية في دورها الثاني، وفي ابنه الإمام فيصل بن تركي بعدما عاد من منفاه في مصر بقصيدة بلغت 47 بيتاً، ألقاها في قصر الحكم بالرياض الذي بناه والده ومنها:
وقاك الذي تخشاه من كل حادث
فإنه قد عافاك من بعد مبتلى
من الترك أنجا مرة بعد مرة
وفرج عنك الغم والهم فانجلى
ورد عليك الملك بعد ذهابه
بحوله تعالى لا بحولك قل بلى
فلما وصل الشيخ لهذا البيت قال الإمام فيصل: بلى بلى, وشكر الله ثم سجد -كما قاله د.عبدالله الزيد ص 203.
وأما أسماء كتبه الأربعة فهي:
-1 الدر الثمين في عقيدة الموحدين
-2 العقد الثمين في عقيدة الموحدين
وهذان إجابة لسؤال طرح عليه شعراً عن العقيدة، فأجاب بالشعر والنثر.
-3 الرطب الجني المقتبس من مشكاة النبي
-4 الفرق الجلي
وهذان في الردود حول التكفير والتحذير منه.
والشيخ يملك مكتبة غنية بالكتب، وله مراسلات علمية وأدبية عالية المستوى. وقد نما العلم في عقبه، فكانت إمامة مسجد مرات فيهم وخطبه، لكنهم عزفوا عن القضاء عندما عرض عليهم بعدما استعاد الملك عبدالعزيز مهابة الدولة في الدور الثالث من أدوار حكم آل سعود الذي بدأ من عام 1157هـ بمساندة الإمام محمد بن سعود للشيخ محمد بن عبدالوهاب لنشر الدعوة التصحيحية في العقيدة وإخلاص العبادة لله وحده، لكن عقبه ورثوا منه حب الخير والسعي فيه.
ومن المناسب ختم هذا الحديث بحكاية طريفة أوردها الدكتور عبدالله الزيد فقال: كان أحد الباعة المتجولين بمكة في بداية عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله، ينادي على بضاعته في مكة بالشارع الذي تسكن فيه عائلة نورة بنت حمد الدعيج، ونادته لترى ما عنده، فلما تكلم قالت لزوجة ابنها حمد بن زيد: الرجال جائع هاتي له إفطاراً؟ فقالت: وما يدريك؟ قالت: صوته يدل عليه -وهذه فراسة منها- فأطعمته وانصرف. وبعد عدة سنوات، قالت أم صالح: كنت في سوق الأقمشة بمكة، ودخلت عند أحد الباعة المشهورين، وسألته عن نوع من أنواع الأقمشة، فقال: أنت أم صالح؟ فقلت له: وما تريد مني؟ وهممت بالخروج من متجره، فقال: أنت أم صالح أعرفك من صوتك، وسألها عن خالتها نورة؟ فقالت: وما تريد منها؟ فأخبرها قصة البائع المتجول، وأنه هو ذلك الرجل، الذي أطعمته، وقد فتح الله عليه بما ترين جزاكم الله خيراً. والله إن خالتك قد عرفت حقيقتي عندما أطعمتني، فقد كنت معوزاً، ولم أذق طعاماً قبل طعامكم بيومين، جزاكم الله خيراً. (المرجع السابق 271).