المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ورقة على جدار الغربة


Eng.Jordan
12-12-2012, 08:37 PM
سهام الطويري - فرنسا
وصلت إلى مطار شارل ديغول مع شروق أولى لحظات الصبح الربيعي بعد رحلة استمرت سبع ساعات تركت فيها الرياض تحتي وأنا أنظر إليه من شرفات الطائرة على امتداد بعده عبر المدن والدول والقارات, وأنا أجتث أنفاسي أنتزعها عن كل ملامحه لاستقوي على أبعاد أحبس فيها صور أمي وشقيقاتي وخالاتي والأسواق والمقاهي بقلبي. وفي حي باريس اللاتيني الشهير أقضي أول أيامي لحياة جديدة قصيرة مع جيراني الباريسيين تختلف تماماً عن تلك التي جاورت فيها قصور حارتنا في الرياض. فتفاصيل جلسة بلكونة شقتي المطلة على بلكونات مباني الحي بكامله يختصرها أبي بقوله: (الناس أكثر وعياً هنا). ولا تزال شذرات فضولي الشرقي تدعني أطيل التأمل في تفاصيل الشقة الأمامية لي في المبنى المقابل من خلال نوافذها الزجاجية الرائقة وهو ذاته الفضول الذي يجعلني لا أتساءل عن ميول المستأجر في المبنى المجاور الآخر أيضاً عن ذوقه النباتي في ملء بلكونته بالنباتات والأزهار والأشجار, ولكني أتساءل كيف يمكن لمباني باريس أن تتعايش دهاناتها و(طرطشتها) الإسمنتية مع الأشجار دونما تشققات مثلما هو الحال مع دهانات العمائر في الرياض المتقشرة بعد زخات المطر الموسمية. كأني ولدت إلى الحياة من جديد وأنا أتفحص أنفاسي المليئة بأكسجين نظيف يخلو من كل دقائق الغبار, وفي الشارع أزهو بإكسسواراتي وملابسي وعطوري دون أن أثير انتباه أي من المارة. قلت لأبي وهو يهم بارتشاف كوب إسبريسو الصباح في المقهى: أريد أن أمتلك شقة في هذه المنطقة الراقية من باريس، غير أنه لم يعقب على أمنيتي سوى بتعابير وجهه الجنرالية, وهي تقرئني أحاديثه الاسترجاعية من ذاكرة شبابه إبان طفرة (الكشمات) وموضة (الكعب) والـ(الكاديلاك الممطوطة), وهو يقارن جدوى بذخي المالي بتقتير صديقه أيام الشباب في أوهايو.. وما عقبه من امتلاك منزل كامل من مجرد فتات مكافأة البعثة الدراسية.. وبما جناه شخصياً من ممتلكات وعقارات جيدة من مجرد بذل جهده الشخصي خارج أوقات الدوام الرسمي عندما كنت طفلة في رياض الأطفال. لم يكد أبي يستوفي حديثه البصري حتى رن هاتفه المحمول.. لقد وصلنا سائق الملحقية الذي سيعيدنا للمطار مجدداً لأن أحد الحقائب لم تلحق بالرحلة. وهي الحقيبة التي تحمل كافة أوراقي ومتعلقاتي الدراسية. عندما عدنا نحو المطار كانت إذاعة مونت كارلو أو راديو فرنسا 24 تعج بلقاء لبناني مع المخرجة نادين لبكي, وأنا حينها استعد لإخراج قصاصة رقم الحجز والحقيبة من شنطتي, وقد لفتت نظري لمحة خاطفة عبر مرورنا من خلال ميدان تروكا ديرو وهو يكتظ بمظاهرة سلمية بدت أنها لبعض المناضلين من غانا وهم يرفعون شعارات. حشد مختلط بالرقصات الشعبية ولفيف ضحل حول المكان لبعض الصحفيين من وكالات متعددة. لم تكن نوازع تلك المظاهرة سوى محاولة متواضعة في التعبير عن التمرد على رموز الاستعمار الوطني، كما يصفهم السائق العم رشيد. يحملون قوة أخلاقية وعقلية للمغامرة والصبر وتحمل الخوف والخطر.. إنها الشجاعة ذاتها التي لم يوقظني من غمرة نوم كاذب عميق في الطائرة سواها حينما تمثلها أحد الركاب وطلب من المضيفة لحاف ليسدله على أخمص قدمَي بعدما تكشفتا. كانت الرحلة مليئة بالمطبات الهوائية وأنا أحدث نفسي عن لحظات آخر العناق مع أمي وهي تمطرني بالقبل والدموع نسيت معها أن أترك مفتاح غرفتي لها.