المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في كتاب الثابت والمتحول في النظام الفدرالي


Eng.Jordan
12-15-2012, 12:23 PM
محمد علوان جبر


يقدم لنا الاستاذ قاسم حسن العبودي في كتابه ( الثابت والمتحول في النظام الفدرالي ) رحلة عالمية في اكثر مفاهيم العصر تعقيدا ، متناولا الفدرالية كنموذجا معاصرا ومفهوما ثابتا ومتحولا لحل الكثير من التعقيدات السياسية التي تثير الحساسيات المتعلقة بالسيادة معتبرا مهمة الفدراليات الاوربية منها مهمات مزدوجة مركزا على بلجيكا والمانيا واسبانيا وسويسرا كونها تمارس التكيف للنظام الفدرالي على المستويين المحلي والاوربي مشيرا الى ان النموذج الفيدرالي البلجيكي وتعقيداته نموذجا فريدا من نوعه ، اذ تعتمد بلجيكا نظاما مزدوجا في التقسيم الفدرالي ، فهي مقسمة على اساس اقليمي الى ثلاثة اقاليم ( الشمال والجنوب وبروكسل ) و على اساس غير اقليمي ( نظام الجماعات ) كما اسماها اى بين ( الافلامان والولون والاقلية الجرمانية) حيث هناك صعوبة في تكييف النظام الفيدرالي على اساس نظري قانوني محض .
وطرح الباحث رحلة استقرائية في اهم النماذج الفيدرالية محللا اياها ومشيرا الى اسباب نجاحها ومبتعدا - كما يؤكد ذلك في مقدمة الكتاب – عن الخوض في متاهات التعريفات وتكرار المقارنات التقليدية التي تزخر بها كتابات منظري الفيدرالية وفقهاء القانون الدستوري كالمقارنة بين الفدرالية والكونفدرالية وبينها وبين اللامركزية الادارية ومشيرا الى العناصر المؤثرة في صياغة النظام الفيدرالي وتشكيله وهي ( الديمقراطية ، النظام السياسي ، القضاء الاتحادي والجوانب المالية ) كونها من العوامل التي تقوم بدور كبير في صياغة النظام الفدرالي واعادة تشكيله وفقا للاحتياجات الواقعية .
تضمن الكتاب ثمانية مداخل اساسية شكلت دعامة هذه الرحلة المذهلة والعميقة التي تمحورت في الثابت والمتحول في النظام الفدرالي و مفهوم الديمقراطية في ظل النظام الاتحادي وفصل عن الفدرالية بين الاستقرار والتحول والعوامل المؤثرة في النظام الفدرالي عبر مدخلين هما النظام السياسي في العراق ونزعة الاستقلال والحكم الذاتي ، اما المدخل الثاني فكان عن القضاء الاتحادي متناولا اشكاله المتثلة بالقضاء المركزي متناولا نماذج من هذا القضاء في ( اسبانيا والنمسا وماليزيا ) حيث تكون السلطة القضائية اختصاصها حصريا للدولة الاتحادية حيث يتم انشاء المحاكم وتعيين القضاة ووضع القوانين الخاصة بذلك من قبل الدولة الاتحادية وحدها ، ولايكون للوحدات المكونة اى دور في ذلك واعتبر الباحث هذا النموذج بسيطا وواضحا ومشيرا الى كونه لايعكس الخصوصية المحلية للوحدات المكونه كما انه اداة بيد السلطة الاتحادية للضغط واحتكار الصلاحيات . اما القضاء اللامركزي المتمثل ب ( الاتحاد الاوربي ، المانيا ، سويسرا ) اعتبره الباحث نموذجا على الرغم من بساطته وتخصصه لكنه لايخلوا من تعقيد خاصة بالنسبة للقضاء الالماني حيث يؤدي الى تنازع الاختصاصات في جهة الطعن بين المحاكم العليا الاقليمية والمحاكم العليا الاتحادية . اما القضاء المشترك المتمثل ب ( كندا والهند ) فقد اعتبره الباحث مثال للبساطة بالنسبة لمراجعي المحاكم ولكنه مع هذا يتطلب استمرار التعاون بين مختلف مستويات الحكومة لضمان تحقيق الاحتياجات الاتحادية والخصوصية المحلية .اما القضاء المزدوج وابرز صور هذا القضاء هو النموذج الامريكي حيث توجد في الولاية الواحدة طائفتان من المحاكم الاولى تابعة للولاية يتم تعيين القضاة فيها من قبل الحكومة المحلية وينظم ادارتها القانون المحلي للولاية واشار الباحث الى جملة انتقادات التي يواجهها القضاء المزدوج من قبل متخصصين اهمها – صعوبة التميير بين ماهو من اختصاص المحاكم الاتحادية ومايقع تحت اختصاص محاكم الولايات والنفقات العالية التي يتطلبها انشاء محاكم اتحادية الى جانب محاكم الولايات وكذلك اعداد كادر قضائي لهذا الغرض طبقا للحساسية الشديدة التي تنشأ بين القضاة المحليين والاتحاديين . وتناول الباحث شكل القضاء العراقي في ضوء احكام الدستور النافذ مشيرا الى تبني اقليم كردستان للقضاء اللامركزي وعدم خضوعه للسلطة المركزية على الرغم من ان الدستور العراقي لعام 2005 قد ابقى القضاء مركزيا كما تشير المادة – 90 و 91 ) مشيرا الى واقعية الدستور في تبني القضاء المركزي لان العراق غير مؤهل حاليا لانشاء سلطات قضائية اقليمية لاسباب عديدة منها قلة الكادر القضائي العراقي اذ لم يتجاوز عدد قضاة العراق حتى الان الالف قاضي ناهيك عن عدد القضاة في كل محافظة اذ لايتجاوز العدد 30 قاضيا اما من هم من الصنف الاول فلا يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة في اغلب المحافظات . ثم يقدم لنا الباحث عرضا للسلطات القضائية في بعض النماذج الفدرالية متناولا استراليا والبرازيل والمكسيك ونيجيريا وسويسرا والمانيا وكندا والهند وروسيا وجنوب افريقيا واسبانيا . ثم تناول موضوع النظام المالي الفيدرالي حيث تعد الجوانب المالية والاقتصادية في الدول الفيدرالية من اكثر المسائل تعقيدا واثارة للجدل والنقاش وذلك لتأثيراتها الشديدة على القوة الاقتصادية للحكومات الفيدرالية والمحلية ومواطني الدول الفيدرالية على حد سواء ، مشيرا الى تعدد النظم بتعدد الدول الفدرالية التي يزيد عددها عن – 25- دولة في العالم وقد عالجت كل دولة مشاكلها وفقا لمنظور خاص حدد في دساتير تلك الدول او قوانينها ، الا ان ذلك لايعني عدم امكانية ايجاد الصيغ العامة لمعالجة هذه المشاكل بالاعتماد على تجارب الدول الفيدرالية في العالم والتي افرزت تجاربها في هذا الميدان العديد من نقاط القوة والضعف في التطبيقات المالية والاقتصادية المختلفة وتناول الباحث موضوعة النظام المالي الفدرالي عبر مداخل الثروات الطبيعية المتثلة بالنفط والغاز الطبيعي اضافة الى ثروات اخرى طبيعية مثيرا اشكالية كيفية توزيع ملكية الثروات الضخمة التي تتوزع على خارطة الوطن بين الاقاليم والمركز ؟ويجيب على هذه الاشكالية بان الحل القاضي بملكية الثروة النفطية والغازية للاقليم او المنطقة التي يتواجد فيها لايعد مناسبا لحالة العراق عبر اسباب منها ان العراق دولة بسيطة في طور التحول الى دولة فيدرالية وهذا الامر يناقض معظم التجارب العالمية ولذلك فان ملكية الثروة الطبيعية كانت تاريخيا لجميع المواطنين في العراق ( من الناحية النظرية على الاقل ) لذلك اعتبر الباحث ان شيوع ملكية الثروة الطبيعية سيكون عاملا مساعدا لضمان وحدة العراق وتحقيق المساواة بين كافة ابنائه . هذا من جانب اما مايشكله الايراد العام للثروة النفطية مانسبته 95% من ايرادات الموازنة الحكومية وهذا يعني انه يمثل مصدر الدخل الوحيد للحكومة المركزية اضافة الى تركز هذه الثروة النفطية في 4 محافظات يعني انفراد هذه المناطق بملكية الثروة الطبيعية فيها سيؤدي الى حرمان باقي المحافظات منها ويؤدي الى مشاكل تتجاوز المستوى الاقتصادي لتنسحب على الجانبين السياسي والاجتماعي ومما يزيدها ان طبيعة الحقول النفطية عادة ماتكون مشتركة ليس على مستوى المحافظات فقط وانما على المستوى الاقليمي وهذا ماسيخلق مشاكل عديدة حول عائدية هذا الحقل او ذاك او مايتعلق بحصة كل طرف منها وهذا مايلاحظ في الصراع على حقول النفط في جنوب السودان الذي لم يحسم حتى الان بسبب وقوع ابار النفط على الحدود التي تفصل جنوب السودان – الذي يتمتع بحكم ذاتي محدود – وبين باقي الاراضي السودانية والصراع القديم بين اليمن الجنوبية واليمن الشمالية سابقا لذا نحن مع الحلول التي ترتكز على نقطة اساسية هي ان ( الثروات الطبيعية ملك لكل افراد الشعب العراقي وتوزع على المحافظات بصورة عادلة وفقا لعدد السكان وحاجة كل محافظة ) وهذا مانص عليه الدستور في الفقرة 112 وهو حل يرضي جميع الاطراف . ثم تناول الباحث الموازنة الفيدرالية وموازنات الاقاليم موضحا بحثه عبر احصاءات وجداول توضيحية متناولا الايرادات العامة والنفقات العامة ثم الجوانب الديموغرافية للعراق عبر الخصائص الجغرافية للعراق والتوزيع السكاني حسب الحدود الادارية لكل محافظة .