ملتقى شذرات

ملتقى شذرات (https://www.shatharat.net/vb/index.php)
-   أخبار ومختارات أدبية (https://www.shatharat.net/vb/forumdisplay.php?f=11)
-   -   نبع الكتب وماء القراءة (https://www.shatharat.net/vb/showthread.php?t=14254)

Eng.Jordan 06-13-2013 09:07 AM

نبع الكتب وماء القراءة
 
الموسوعة العربية : معاذ بني عامر: الأردن


http://www.arabicmagazine.com/Images...0234110388.jpg


عندما ينتهي المرء من قراءة الكتاب الأول في حياته، يشعر بثقل كبير في داخله يود له مخرجاً، ويوقن بأن كاتب هذا الكتاب هو أهم كاتب في العالم، ويود –مرة أخرى- رمي مخالفيه في الرأي بالرصاص.
بعد الانتهاء من قراءة الألف الأولى من الكتب، تأخذ الذات بعداً انبساطياً وتصير أكثر فعالية في تعاملها مع العالم الخارجي.
بعد آلاف مؤلفة من الكتب، تندمج الذات في العالم, تنطفئ معرفياً، وتأخذ الشمس بالشقشقة على هاتيك الظلال البعيدة. تنحل العقد وتبدع العصافير الهائمة في الجمجمة ترنيمة الكون الكبرى. ينجلي الغمام وتصير الذات خفيفة خفة تقل الأرض بجاذبيتها، لذا تصير السماء قاب قوسين أو أدنى.
كتابي الأول كان رواية (كوخ العم توم) لـ (هيريت ستاو) من مكتبة المدرسة. لاحقاً كان علي أن انتبه إلى مكتبة والدي، والتي كانت تحوي كثيراً من الكتب الدينية والتاريخية وكتب السير الشعبية، وهذه الأخيرة أكثر ما جذبني، سيما أن سني كان بحاجة إلى الخيال الجامح في مثل هذه الكتب.
بالتقادم صرت أشتري الكتب وأقتنيها، وفي البدايات كنت حريصاً على عدم خروج أي كتاب من مكتبتي إلا بعد معاناة شديدة. لقد كانت مكتبتي الأولى مثل الإمساك بلحظة لذة مطلقة؛ التجاسر عليها يصنف في عداد الخطايا الكبرى.
كتاباً إثر كتاب، أخذ جسد مكتبتي الأثيرة، بالتضخم والانتفاخ، فصار لزاماً قذف الحمل إلى خارج الجسد؛ راحةً لطرفي المعادلة الجسمانية، فبعت كثيراً من كتبي (سيما تلك العزيزة علي)، وشعرت في لحظة نشوة غاشمة أني أشارك (سيجموند فرويد) أطروحاته حول (جريمة قتل الأب)، فلكي أخلد ذكرى مكتبتي كان علي أن أقتل شوقي إليها، ببيعها، ولقد حصل هذا الشيء يرافقه إحساس داخلي بالقهر، نظراً للحدث الجسيم الذي افتعل في لحظة فقد كبير.
لكن جرثومة اقتناء الكتب لم تهدأ، بل استحالت إلى جرثومة سرطانية، فأينما وجدت كتاباً –يروق لي- عملت على اقتنائه، وصارت الكتب جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل بيتنا. ولقد صرت أفهم أن كتبي هي جزء أصيل من تكويني –بما يتجاوز الحالة السيكولوجية- الوجودي؛ فالقراءة –كما أتفهمها- فعل وجودي بالأساس، يثبت المرء كمقولة أنطولوجية في هذا العالم، ويصبغه بصبغة (العليم) القادر على اجتراح معجزة إبداعية، قادرة على زحزحة أساسات العالم وخلخلة بناها، وخلق بديل عنها.
وهكذا نمت علاقتي بالكتب، وصار منظرها وهي مركونة على أرفف أو مرمية على الأرض خبط عشواء، يأكل لحم رأسي بمنظرها الفاتن والمغوي، فخلف هذي الأغلفة نعومة (جمالية/معرفية) استنزفت عبرها عقول جبارة ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية، ودفعها إلى آفاق مستحيلة.
ووسط هذه الوليمة كان على العائلة أن تندمج في سياقات لحمها المترف، خصوصاً أن ثمة تحضير مسبق –على مستوى الكمون واللاوعي- مع مكتبة الوالد عليه رحمة الله. فقد صار منظر الكتب جزءاً من التفاصيل اليومية للعائلة، وكان على والدتي –أطال الله في عمرها- أن تقرعني –تقريع محب إلى محبوبه- على ضرورة ترتيب فوضى الكتب، ووضعها جميعاً على أرفف المكتبة، ولطالما عدت إلى البيت لأجد الكتب وقد رتبت بشكل جاذب وشيق على الأرفف، ولطالما واصلت حماقاتي –فلا زالت والدتي هي والدتي الحنونة، هي أمي الأزلية وأنا طفلها الصغير وإن صار عمري ألف عام- برمي الكتب دونما ترتيب، ولطالما واصلت ترتيبها، فمعيارها الجمالي –في الأناقة- يتفوق بما لا يقبل الشك على معياري الجمالي، فهي تنزع إلى خلق نظام من هذي الفوضى العارمة، وأنا أنزرع إلى إحداث خلل دائم.
وإذا كان لمكتبتي من أثر (شخصي) علي وعلى من هم حولي، فبشأن التأثير الشخصي اعتبر أن مكتبتي قد فتحت أفقي الوجودي على سهب إنساني مفتوح عن آخره، فلقد تسنى لي أن اقرأ كتباً من مختلف الحضارات والعصور؛ قديمها وحديثها. فالعقل البشري يشكل في كليته أساً واحداً، وهو إذ يتشظى فإنه يمارس دوره في (الأنسنة)، فالنتاج العقلي هو إنتاج إنساني محض، شاركت فيه عقول فردية فاعلة على امتداد الوجود الإبداعي الإنساني. وهذا ما ألبس ثقافتي طابعاً انفتاحياً على المنتج الإبداعي الإنساني في كلياته. وبشأن التأثير (الغيري) فقد كان لأناس كثر أن يستفيدوا مما لدي من كتب، ولقد وصلت –سيما في فترات لاحقة من اقتنائي للكتب- إلى قناعة مفادها، أن الكتاب –وإن كنت قد اشتريته بمالي الخاص- لم يعد ملكي على المستوى الذهني، ومسألة إبقائه في حرز مكين بمنعه عن الناس، خطأ كبير. فالمحمول الذهني في الكتاب هو مشترك إنساني وجب تعميمه على الكل، بطريقة تحترم عقل من أنتج هذا الكتاب وأبدعه. وعبر هذه القناعة كان لكثير من كتبي أن تخرج من مكتبتي إلى غير عودة، ولربما كانت تلك اللذة الداخلية من القوة بمكان، بحيث حالت إلى فرح خارجي أمارسه علناً بحق كتبي، سيما تلك الكتب الحاوية لجرعة عالية من الإبداعية، فيقيناً، سيكون تأثيرهاً أجمل وأغزر.


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:25 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والمشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59