عرض مشاركة واحدة
  #17  
قديم 01-09-2012, 10:54 PM
الصورة الرمزية Eng.Jordan
Eng.Jordan غير متواجد حالياً
إدارة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Jan 2012
الدولة: الأردن
المشاركات: 22,072
افتراضي

الفصل الحادي عشر: في أن عالم الحوادث الفعلية إنما يتم بالفكر
اعلم أن عالم الكائنات يشتمل على ذوات محضة، كالعناصر و آثارها و المكونات الثلاثة عنها. التي هي المعدن و النبات و الحيوان. و هذه كلها متعلقات القدرة الإلهية و على أفعال صادرة عن الحيوانات، واقعة بمقصودها، متعلقة بالقدرة التي جعل الله لها عليها: فمنها منتظم مرتب، و هي الأفعال البشرية، و منها غير منتظم و لا مرتب، و هي أفعال الحيوانات غير البشر. و ذلك الفكر يدرك الترتيب بين الحوادث بالطبع أو بالوضع، فإذا قصد إيجاد شيء من الأشياء، فلأجل الترتيب بين الحوادث لابد من التفطن بسببه أو علته أو شرطه، و هي على الجملة مبادئه، إذ لا يوجد إلا ثانيا عنها و لا يمكن إيقاع المتقدم متأخرا، و لا المتأخر متقدما. و ذلك المبدأ قد يكون له مبدأ آخر من تلك المبادئ لا يوجد إلا متأخرا عنه، و قد يرتقي ذلك أو ينتهي. فإذا انتهى إلى آخر المبادىء في مرتبتين أو ثلاث أو أزيد، و شرع في العمل الذي يوجد به ذلك الشيء بدأ بالمبدأ الأخير الذي انتهى إليه الفكر، فكان أول عمله. ثم تابع ما بعده إلى آخر المسببات التي كانت أول فكرته. مثلا: لو فكر في إيجاد سقف يكنه انتقل بذهنه إلى لحائط الذي يدعمه، ثم إلى الأساس الذي يقف عليه الحائط فهو آخر الفكر. ثم يبدأ في العمل بالأساس، ثم بالحائط، ثم بالسقف، و هو آخر العمل.
و هذا معنى قولهم: أول العمل آخر الفكرة، و أول الفكرة آخر العمل فلا يتم فعل الإنسان في الخارج إلا بالفكر في هذه المرتبات لتوقف بعضها على بعض. ثم يشرع في فعلها. و أول هذا الفكر هو المسبب الأخير، و هو آخرها في العمل. و أولها في العمل هو المسبب الأول و هو آخرها في الفكر. و لأجل العثور على هذا الترتيب يحصل الإنتظام في الأفعال البشرية.
و أما الأفعال الحيوانية لغير البشر فليس فيها انتظام لعدم الفكر الذي يعثر به الفاعل علي الترتيب فيما يفعل. إذ الحيوانات إنما تدرك بالحواس و مدركاتها متفرقة خلية من الربط لأنة لا يكون إلا بالفكر. و لما كانت الحواس المعتبرة في عالم الكائنات هي المنتظمة، و غير المنتظمة إنما هيى تبع لها. اندرجت حينئذ أفعال الحيوانات فيها، فكانت مسخرة للبشر. و استولت أفعال البشر على عالم الحوادث. بما فيه، فكان كله في طاعته و تسخره. و هذا معنى الاستحلاف المشار إليه في قوله تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة فهذا الفكر هو الخاصة البشرية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان. و على قدر حصول الأسباب و المسببات في الفكر مرتبة تكون إنسانيتة. فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتبتين أو ثلاث، و منهم من لا يتجاوزها، و منهم من ينتهي إلى خمس أو ست فتكون إنسانيته أعلى. و اعتبر ذلك بلاعب الشطرنج: فإن في اللاعبين من يتصور الثلاث حركات و الخمس الذي ترتيبها وضعي، و منهم من يقصر عن ذلك لقصور ذهنه. و إن كان هذا المثال غير مطابق. لأن لعب الشطرنج بالملكة، و معرفة الأسباب و المسببات بالطبع. لكنه مثال يحتذي به الناظر في تعقل ما يورد عليه من القواعد. و الله خلق الإنسان و فضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

الفصل الثاني عشر في العقل التجريبي و كيفية حدوثه
إنك تسمع في كتب الحكماء قولهم أن الإنسان هو مدني الطبع، يذكرونه في إثبات النبوات و غيرها. و النسبة فيه إلى المدينة، و هي عندهم كناية عن الاجتماع البشري. و معنى هذا القول، أنة لا تمكن حياة المنفرد من البشر، و لا يتم وجوده إلا مع أبناء جنسه. و ذلك لما هو عليه من العجز عن استكمال وجوده و حياته، فهو محتاج إلى المعاونة في جميع حاجاته أبدا بطبعه. و تلك المعاونة لابد فيها من المفاوضة أولا، ثم المشاركة و ما بعدها. و ربما تفضي المعاملة عند اتحاد الأعراض إلى المنازعة و المشاجرة فتنشأ المنافرة و المؤالفة. و الصداقة و العداوة. و يؤول إلى الحرب و السلم بين الأمم و القبائل. و ليس ذلك على أي وجه اتفق، كما بين الهمل من الحيوانات، بل للبشر يما جعل الله فيهم من انتظام الأفعال و ترتيبها بالفكر كما تقدم. جعل منتظما فيهم و يسرهم لإيقاعه على وجوه سياسية و قوانين حكمية. ينكبون فيها عن المفاسد إلى المصالح، و عن الحسن إلى القبيح، بعد أن يميزوا القبائح و المفسدة. بما ينشأ عن الفعل من ذلك عن تجربة صحيحة، و عوائد معروفة بينهم، فيفارقون الهمل من الحيوان. و تظهر عليهم نتيجة الفكر في انتظام الأفعال و بعدها عن المفاسد.
هذه المعاني التي يحصل بها ذلك لا تبعد عن الحس كل البعد و لا يتعمق فيها الناظر، بل كلها تدرك بالتجربة و بها يستفاد. لأنها معان جزئية تتعلق بالمحسوسات و صدقها و كذبها، يظهر قريبا في الواقع، فيستفيد طالبها حصول العلم بها من ذلك. و يستفيد كل واحد من البشر القدر الذي يسر له منها مقتنصا له بالتجربة بين الواقع في معاملة أبناء جنسه. حتى يتعين له ما يجب و ينبغي، فعلا و تركا. و تحصل في ملابسة الملكة في معاملة أبناء جنسه. و من تتبع ذلك سائر عمره حصل له العثور على كل قضية. و لابد بما تسعه التجربة من الزمن. و قد يسهل الله على كثير من البشر تحصيل ذلك في أقرب زمن التجربة، إذ قلد فيها الآباء و المشيخة و الأكابر، و لقن عنهم و وعى تعليمهم، فيستغني عن طول المعانات في تتبع الوقائع و اقتناص هذا المعنى من بينها. و من فقد العلم في ذلك و التقليد فيه أو أعرض عن حسن استماعه و اتباعه، طال عناؤة في التأديب بذلك، فيجري في غير مألوف و يدركها على غير نسبة، فتوجد آدابه و فعاملاته سيئة الأوضاع بادية الخلل، و يفسد حاله في معاشه بين أبناء جنسه. و هذا معنى القول المشهور: من لم يؤدبه والده أدبه الزمان. أي من لم يلقن الآداب في معاملة البشر من والديه و في معناهما المشيخة و الأكابر و يتعلم ذلك منهم رجع إلى تعلمه بالطبع من الواقعات على توالي الأيام، فيكون الزمان معلمه و مؤدبة لضرورة ذلك بضرورة المعاونة التي في طبعه.
و هذا هو العقل التجريبي، و هو يحصل بعد العقل التمييزي الذي تقع به الأفعال كما بيناه. و بعد هذين مرتبة العقل النظري الذي تكفل يتفسيره أهل العلوم، فلا تحتاج إلى تفسيره في هذا الكتاب. و الله وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون.

الفصل الثالث عشر: في علوم البشر و علوم الملائكة
إنا نشهد في أنفسنا بالوجدان الصحيح وجود ثلاثة عوالم: أولها: عالم الحس و نعتبره بمدارك الحس الذي شاركنا فيه الحيوانات بالإدراك. ثم نعتبره الفكر الذي اختص به البشر فنعلم منه وجود النفس الإنسانية علما ضروريا بما بين جنبينا من مدارك العلمية التي هي فوق مدارك الحس، فتراه عالما آخر فوق عالم الحس. ثم نستدل على عالم ثالث فوقنا بما نجد فينا من آثاره التي تلقى في أفئدتنا كالإرادات و الوجهات، نحو الحركات الفعلية، فنعلم أن هناك فاعلا يبعثنا عليها من عالم فوق عالمنا و هو عالم الأرواح و الملائكة. و فيه ذوات مدركة لوجود آثارها فينا مع ما بيننا و بينها من المغايرة. و ربما يستدل على هذا العالم الأعلى ******** و ذواته بالرؤيا و ما نجد في النوم، و يلقى إلينا فيه من الأمور التي نحن في غفلة عنها في اليقظة، و تطابق الواقع في الصحيحة منها، فنعلم أنها حق و من عالم الحق. و أما أضغاث الأحلام فصور خيالية يخزنها الإدراك في الباطن و يجول فيها الفكر بعد الغيبة عن الحس. و لا نجد على هذا العالم ******** برهانا أوضح من هذا، فنعلمه كذلك على الجملة و لا ندرك له تفصيلا.
و ما يزعمه الحكماء الإلهيون في تفصيل ذواته و ترتيبها، المسماة عندهم بالعقول فليس شيء من ذلك بيقيني لاختلال شرط البرهان النظري فيه. كما هو مقرر في كلامهم في المنطق. لأن من شرطه أن تكون قضاياه أولية ذاتية. و هذه الذوات ********ة مجهولة الذاتيات فلا سبيل للبرهان فيها. و لا يبقى لنا مدرك في تفاصيل هذه العوالم إلا ما نقتبسه من الشرعيات التي يوضحها الإيمان و يحكمها. و أعقد هذه العوالم في مدركنا عالم البشر، لأنه وجداني مشهود في مداركنا الجسمانية و ********ة. و يشترك في عالم الحس مع الحيوانات و في عالم العقل و الأرواح مع الملائكة الذين ذواتهم من جنس ذواته، و هي ذوات مجردة عن الجسمانية و المادة، و عقل صرف يتحد فيه العقل و العاقل و المعقول، و كأنه ذات حقيقتها الإدراك و العقل، فعلومهم حاصلة دائما مطابقة بالطبع لمعلوماتهم لا يقع فيها خلل البتة.
و علم البشر هو حصول صورة المعلوم في ذواتهم بعد أن لا تكون حاصلة. فهو كله مكتسب، و الذات التي يحصل فيها صور المعلومات و هي النفس مادة هيولانية تلبس صور الوجود بصور المعلومات الحاصلة فيها شيئا فشيئا، حتى تستكمل، و يصح وجودها بالموت في مادتها و صورتها. فالمطلوبات فيها مترددة بين النفي و الإثبات دائما، بطلب أحدهما بالوسط الرابط بين الطرفين. فإذا حصل و صار معلوما افتقر إلى بيان المطابقة، و ربما أوضحها البرهان الصناعي، لكنه من وراء الحجاب. و ليس كالمعاينة التي في علوم الملائكة. و قد ينكشف ذلك الحجاب فيصير إلى المطابقة بالعيان الإدراكي. فقد تبين أن البشر جاهل بالطبع للتردد في علمه، و عالم بالكسب و الصناعة لتحصيله المطلوب بفكرة الشروط الصناعية. و كشف الحجاب الذي أشرنا إليه إنما هو بالرياضة بالإذكار التي أفضلها صلاة تنتهي عن الفحشاء و المنكر. و بالتنزه عن المتناولات المهمة و رأسها الصوم، و بالوجهة إلى الله بجميع قواه. و الله علم الإنسان ما لم يعلم.

الفصل الرابع عشر في علوم الأنبياء عليهم الصلاة و السلام
إنا نجد هذا الصنف من البشر تعتريهم حالة إلهية خارجة عن منازع البشر و أحوالهم فتغلب الوجهة الربانية فيهم على البشرية في القوى الإدراكية و النزوعية من الشهوة و الغضب و سائر الأحوال البدنية. فتجدهم متنزهين عن الأحوال الربانية، من العبادة و الذكر لله بما يقتضي معرفتهم به، فخبرين عنة بما يوحي إليهم في تلك الحالة، من هداية الأمة على طريقة واحدة و سنن معهود منهم لا يتبدل فيهم كأنة جبلة فطرهم الله عليها. و قد تقدم لنا الكلام في الوحي أول الكتاب في فصل المدركين للغيب. و بينا هنالك أن الوجود كله في عوالمه البسيطة و المركبة على تركيب طبيعي من أعلاها و أسفلها متصلة كلها اتصالا لا ينخرم. و أن الذوات التي في آخر كل أفق من العوالم مستعدة لأن تنقلب إلى الذات التي تجاوزها من الأسفل و الأعلى. استعدادا طبيعيا. كما في العناصر الجسمانية البسيطة. و كما في النخل و الكرم من آخر أفق النبات مع الحلزون و الصدف من أفق الحيوان و كما في القردة التي استجمع فيها الكيس و الإدراك مع الإنسان صاحب الفكر و الروية. و هذا الاستعداد الذي في جانب كل أفق من العوالم هو معنى الاتصال فيها.
و فوق العالم البشري عالم روحاني، شهدت لنا به الآثار التي فينا منه، بما يعطينا من قوى الإدراك و الإرادة فذوات العلم العالم إدراك صرف و تعقل محض، و هو عالم الملائكة، فوجب من ذلك كله أن يكون للنفس الإنسانية استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية. لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات. و في لمحة من اللمحات. ثم تراجع بشريتها و قد تلقت في عالم الملكية ما كفلت بتبليغه إلى أبناء جنسها من البشر. و هذا هو معنى الوحي و خطاب الملائكة. و الأنبياء كلهم مفطورون عليه. كأنه جبلة لهم و يعالجون في ذلك الانسلاخ من الشدة و الغطيط ما هو معروف عنهم. و علومهم في تلك الحالة علم شهادة و عيان، لا يلحقه الخطأ و الزلل، و لا يقع فيه الغلط و الوهم، بل المطابقة فيه ذاتية لزوال حجاب الغيب و حصول الشهادة الواضحة، عند مفارقة هذه الحالة إلى البشرية، لا تفارق علمهم الوضوح. استصحابا له من تلك الحالة الأولى، و لما هم عليه من الذكاء المفضي بهم إليها، يتردد ذلك فيهم دائما إلى أن تكمل هداية الأمة التي بعثوا لها كما في قوله تعالى: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه. فافهم ذلك و راجع ما قدمناه لك أول الكتاب، في أصناف المدركين للغيب، يتضح لك شرحه و بيانه، فقد بسطناه هنالك بسطا شافيا. و الله الموفق.

الفصل الخامس عشر في أن الإنسان جاهل بالذات عالم بالكسب
قد بينا أول هذه الفصول أن الإنسان من جنس الحيوانات، و أن الله تعالى ميزه عنها بالفكر الذي جعل له، يوقع به أفعاله على انتظام و هو العقل التمييزي أو يقتنص به العلم بالآراء و المصلح و المفاسد من أبناء جنسه، و هو العقل التجريبي، أو يحصل به في تصور الموجودات غائبا و شاهدا، على ما هي عليه، و هو العقل النظري، و هذا الفكر إنما يحصل له بعد كمال الحيوانية فيه. و يبدأ من التمييز، فهو قبل التمييز خلو من العلم بالجملة، معدود من الحيوانات، لاحق بمبدئه في التكوين، من النطفة و العلقة و المضغة. و ما حصل له بعد ذلك فهو بما جعل الله له من مدارك الحس و الأفئدة التي هي الفكر. قال تعالى في الامتنان علينا: و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة فهو في الحالة الأولى قبل التمييز هيولا فقط. لجهله بجميع المعارف. ثم تستكمل صورته بالع لم الذي يكتسبه بآلاته، فكمل ذاته الإنسانية في وجودها. و انظر إلى قوله تعالى مبدأ الوحي على نبيه اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم أي أكسبه من العلم ما لم يكن حاصلا له بعد أن كان علقة و مضغة فقد كشفت لنا طبيعته و ذاته ما هو عليه من الجهل الذاتي و العلم الكسبي و أشارت إليه الآية الكريمة تقرر فيه الامتنان عليه بأول مراتب وجوده. و هي الإنسانية. و حالتاه الفطرية و الكسبية في أول التنزيل و مبدأ الوحي. و كان الله عليما حكيما.

الفصل السادس عشر: في كشف الغطاء عن المتشابه من الكتاب و السنة و ما حدث لأجل ذلك من طوائف السنية و المبتدعة في الاعتقادات
اعلم أن الله سبحانه بعث إلينا نبينا محمدا صلى الله عليه و سلم يدعونا إلى النجاة و الفوز بالنعيم و أنزل عليه الكتاب الكريم باللسان العربي المبين. يخاطبنا فيه بالتكاليف المفضية بنا إلى ذلك. و كان في خلال هذا الخطاب، و من ضروراته، ذكر صفاته سبحانه و أسمائه، ليعرفنا بذاته، و ذكر الروح المتعلقة بنا، و ذكر الوحي و الملائكة، الوسائط بينه و بين رسله إلينا. و ذكر لنا يوم البعث و إنذاراته و لم يعين لنا الوقت في شيء منه. و ثبت في هذا القرآن الكريم حروفا من الهجاء مقطعة في أوائل بعض سوره، لا سبيل لنا إلى فهم المراد بها. و سمى هذه الأنواع كلها من الكتاب متشابها. و ذم على اتباعها فقال تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب، و حمل العلماء من سلف الصحابة و التابعين هذه الآية على أن المحكمات هي المبينات الثابتة الأحكام. و لذا قال الفقهاء في اصطلاحهم: المحكم المتضح المعنى. و أما المتشابهات فلهم فيها عبارات. فقيل هي التي تفتقر إلى نظر و تفسير تصحح معناها، لتعارضها مع آية أخرى أو مع العقل، فتخفى دلالتها و تشتبه. و على هذا قال ابن عباس: المتشابه يؤمن به و لا يعمل به و قال مجاهد و عكرمة: كلما سوى آيات الأحكام و القصص متشابه و عليه القاضي أبو بكر و إمام الحرمين. و قال الثوري و الشعبي و جماعة من علماء السلف: المتشابه، ما لم يكن سبيل إلى علمه، كشروط الساعة و أوقات الإنذارات و حروف الهجاء في أوائل السور، و قوله في الآية هن أم الكتاب أي معظمة و غالبة و المتشابه أقله، و قد يرد إلى المحكم. ثم ذم المتبعين للمتشابه بالتأويل أو بحملها على معان لا تفهم منها في لسان العرب الذي خوطبنا به. وسماهم أهل زيغ، أي ميل عن الحق من الكفار و الزنادقة و جهلة أهل البدع. و أن فعلهم ذلك قصد الفتنة التي هي الشرك أو اللبس على المؤمنين أو قصدا لتأويلها بما يشتهونه فيقتدون به في بدعتهم.
ثم أخبر سبحانه بأنه استأثر بتأويلها و لا يعلمه إلا هو فقال: و ما يعلم تأويله إلا الله. ثم أثنى على العلماء بالإيمان بها فقط. فقال: و الراسخون في العلم يقولون آمنا به. و لهذا جعل السلف و الراسخون مستأنفا و رجحوه على العطف لأن الإيمان بالغيب أبلغ في الثناء و مع عطفه إنما يكون إيمانا بالشاهد. لأنهم يعلمون التأويل حينئذ فلا يكون غيبا. و يعضد ذلك قوله كل من عند ربنا و يدل على أن التأويل فيها غير معلوم للبشر. إن الألفاظ اللغوية إنما يفهم. منها المعاني التي وضعها العرب لها، فإذا استحال إسناد الخبر إلى مخبر عنه جهلنا مدلول الكلام حينئذ، و إن جاءنا من عند الله فوضنا علمه إليه و لا نشغل أنفسنا بمدلول نلتمسه، فلا سبيل لنا إلى ذلك. و قد قالت عائشة رضي الله عنها: إذا رأيتم الذين يجادلون في القرآن، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم. هذا مذهب السلف في الآيات المتشابهة. و جاء في السنة ألفاظ مثل ذلك محملها عندهم محمل الآيات لأن المنبع واحد.
و إذا تقررت أصناف المتشابهات على ما قلناه، فلنرجع إلى اختلاف الناس فيها. فأما ما يرجع منها على ما ذكروه إلى الساعة و أشراطها و أوقات الإنذارات و عدد الزبانية وأمثال ذلك، فليس هذا و الله أعلم من المتشابه، لأنه لم يرد فيه لفظ مجمل و لا غيره و إنما هي أزمنة لحادثات استأثر الله بعلمها بنصه في كتابه و على لسان نبيه. و قال: إنما علمها عند الله. و العجب ممن عدها من التشابه. و أما الحروف المقطعة في أوائل السور فحقيقتها حروف الهجاء و ليس ببعيد أن تكون مرادة. و قد قال الزمخشري: فيها إشارة إلى بعد الغاية في الإعجاز، لأن القرآن المنزل مؤلف منها، و البشر فيها سواء، و التفاوت موجود في دلالتها بعد التأليف. و إن عدل عن هذا الوجه الذي يتضمن الدلالة على الحقيقة فإنما يكون بنقل صحيح، كقولهم في طه، إنه نداء من طاهر و هادي و أمثال ذلك. و النقل الصحيح متعذر، فيجيء المتشابه فيها من هذا الوجه. و أما الوحي والملائكة و الروح و الجن، فاشتباهها من حاء دلالتها الحقيقية لأنها غير متعارفة، فجاء التشابه فيها من أجل ذلك. و قد ألحق بعض الناس بها كل ما في معناها من أحوال القيامة و الجنة والدجال و الفتن و الشروط، و ما هو بخلاف العوائد المألوفة، و هو غير بعيد، إلا أن الجمهور لا يوافقونهم عليه. و سيما المتكلمون فقد عينوا محاملها على ما تراه في كتبهم، و لم يبق من المتشابه إلا الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه و على لسان نبيه، مما يوهم ظاهره نقصا أو تعجيزا. و قد اختلف الناس في هذه الظواهر من بعد السلف الذين قررنا مذهبهم. و تنازعوا و تطرقت البدع إلى العقائد. فلنشر إلى بيان مذاهبهم و إيثار الصحيح منه على الفاسد فنقول، و ما توفيقي إلا بالله: اعلم أن الله سبحانه وصف نفسه في كتابه بأنه عالم، قادر، شديد، حي، سميع، بصير. متكلم، جليل، كريم، جواد، منعم، عزيز، عظيم. و كذا أثبت لنفسه اليدين و العينين و الوجه و القدم واللسان، إلى غير ذلك من الصفات: فمنها ما يقتضي صحة ألوهية. مثل العلم والقدرة و الإرادة. ثم الحياة التي هي شرط جميعها، و منها ما هي صفة كمال، كالسمع و البصر و الكلام، و منها ما يوهم النقص كالاستواء و النزول و المجيء، و كالوجه و اليدين و العينين التي هي صفات المحدثات. ثم أخبر الشارع أنا نرى ربنا يوم القيامة كالقمر ليلة البدر، لا نضام في رؤيته كما ثبت في الصحيح.
فأما السلف من الصحابة و التابعين فأثبتوا له صفات الألوهية و الكمال و فوضوا إليه ما يوهم النقص ساكتين عن مدلوله. ثم اختلف الناس من بعدهم و جاء المعتزلة فأثبتوا هذه الصفات أحكاما ذهنية مجردة، و لم يثبتوا صفة تقوم بذاته. و سموا ذلك توحيدا، و جعلوا الإنسان خالقا لأفعاله. و لا تتعلق بها قدرة الله تعالى، سيما الشرور و المعاصي منها، إذ يمتنع على الحكيم فعلها. و جعلوا مراعاة الأصلح للعباد واجبة عليه. و سموا ذلك عدلا، بعد أن كانوا أولا يقولون بنفي القدر، و أن الأمر كله فستأنف بعلم حادث و قدرة و إرادة كذلك، كما ورد في الصحيح. و أن عبد الله بن عمر تبرأ من معبد الجهني و أصحابه القائلين بذلك. و انتهى نفي القدر إلى واصل بن عطاء الغزالي، منهم، تلميذ الحسن البصري، لعهد عبد الملك بن مروان. ثم آخرا إلى معمر السلمي و رجعوا عن القول به. و كان منهم أبو الهذيل العلاف، و هو شيخ المعتزلة. أخذ الطريقة عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل. و كان من صفات القدر، و اتبع رأي الفلاسفة في نفي الصفات الوجودية لظهور مذاهبهم يومئذ.
ثم جاء إبراهيم النظام، و قال بالقدر، و اتبعوه. و طالع كتب الفلاسفة و شدد في نفي الصفات و قرر قواعد الاعتزال. ثم جاء الجاحظ و الكعبي و الجبائي. و كانت طريقتهم تسمى علم الكلام: إما لما فيها من الحجاج و الجدال. و هو الذي يسمى كلاما، و إما أن أصل طريقتهم نفي صفة الكلام. فلهذا كأنما الشافعي يقول: حقهم أن يضربوا بالجريد و يطاف بهم. و قرر هؤلاء طريقتهم أثبتوا منها و ردوا، إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري و ناظر بعض مشيختهم في مسائل الصلاح و الأصلح، فرفض طريقتهم، و كان على رأي عبد الله بن سعيد بن كلاب و أبي العباس القلانسي و الحرث ابن أسد المحاسبي من أتباع السلف و على طريقة السنة. فأيد مقالاتهم بالحجج الكلامية و أثبت الصفات لى قائمة بذات الله تعالى، من العلم و القدرة و الإرادة التي يتم بها دليل التمانع وتصح المعجزات للأنبياء. و كان من مذهبهم إثبات الكلام و السمع و البصر لأنها وإن أوهم ظاهرا النقص بالصوت و الحرف الجسمانيين، فقد وجد للكلام عند العرب مدلول آخر غير الحروف و الصوت، و هو ما يدور في الخلد. و الكلام حقيقة فيه دون الأول، فأثبتوها لله تعالى و انتفى إيهام النقص. و أثبتوا هذه الضفة قديمة عامة التعلق بشأن الصفات الأخرى. و صار القرآن اسما مشتركا بين القديم بذات الله تعالى. و هو الكلام النفسي و المحدث الذي هو الحروف المؤلفة المقروءة بالأصوات. فإذا قيل قديم، فالمراد الأول، و إذا قيل مقروء، مسموع، فلدلالة القراءة و الكتابة عليه. و تورع الإمام أحمد بن حنبل من إطلاق لفظ الحدوث عليه، لأنه لم يسمع من السلف قبله: لا إنه يقول أن المصاحف المكتوبة قديمة، و لا أن القراءة الجارية على السنة قديمة. و هو شاهدها فحدثه. و إنما منعه من ذلك الورع الذي كان عليه. و أما غير ذلك فإنكار للضروريات، و حاشاة منه. و أما السمع و البصر، و إن كان يوهم إدراك الجارحة. فهو يدل أيضا لغة على إدراك المسموع و المبصر و ينتفي إيهام النقص حينئذ لأنه حقيقة لغوية فيهما. و أما لفظ الاستواء و المجيء و النزول و الوجه و اليدين و العينين و أمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية لما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها، على طريقة العرب، حيث تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز. كما في قوله تعالى: يريد أن ينقض و أمثاله، طريقة معروفة. لهم غير منكرة و لا مبتدعة. وحملهم على هذا التأويل، و إن كان مخالفا لمذهب السلف في التفويض أن جماعة من أتباع السلف و هم المحدثون و المتأخرون من الحنابلة ارتكبوا في محمل هذه الصفات فحملوها على صفات ثابتة لله تعالى، مجهولة الكيفية. فيقولون في استوى على العرش تثبت له استواء، بحيث مدلول اللفظة. فرارا من تعطيله. و لا نقول بكيفيته فرارا من القول بالتشبيه الذي تنفيه آيات السلوب، من قوله ليس كمثله شيء سبحان الله عما يصفون تعالى الله عما يقول الظالمون لم يلد و لم يولد و لم يعلمون مع ذلك أنهم ولجوا من باب التشبيه في قولهم بإثبات استواء، و الاستواء عند أهل اللغة إنما موضوعه الاستقرار و التمكن. و هو جسماني. و أما التعطيل الذي يشنعون بإلزامه، و هو تعطيل اللفظ، فلا محذور فيه. و إنما المحذور في تعطيل الآلة. و كذلك يشنعون بإلزام التكليف بما لا يطاق و هو تمويه. لأن التشابه لم يقع في التكاليف، ثم يدعون أن هذا مذهب السلف، و حاشا لله من ذلك. و إنما مذهب السلف ما قررناه أولا من تفويض المراد بها إلى الله، و السكوت عن فهمها. و قد يحتجون لإثبات الاستواء لله بقول مالك: إن الاستواء معلوم الثبوت لله و حاشاه من ذلك، لأنة يعلم مدلول الاستواء. و إنما أراد أن الاستواء معلوم من الله، و هو الجسماني. و كيفيته أي حقيقته. لأن حقائق الصفات كلها كيفيات، و هي مجهولة الثبوت لله. و كذلك يحتجون على إثبات المكان بحديث السوداء. و أنها لما قال لها النبي صلى الله عليه و سلم: أين الله ؟ و قالت في السماء، فقال أعتقها فإنها مؤمنة. والنبي صلى الله عليه و سلم لم يثبت لها الإيمان بإثباتها المكان لله، بل لأنها آمنت بما جاء به من ظواهر، أن الله في السماء، فدخلت في جملة الراسخين الذين يؤمنون بالمتشابه من غير كشف عن معناه. و القطع بنفي المكان حاصل من دليل العقل النافي للافتقار. و من أدلة السلوب المؤذنة بالتنزيه مثل ليس كمثله شيء، وأشباهه. و من قوله: و هو الله في السموات و في الأرض، إذ الموجود لا يكون في مكانين، فليست في هذا للمكان قطعا، و المراد غيره. ثم طردوا ذلك المحمل الذي ابتدعوه في ظواهر الوجه و العينين و اليدين، و النزول و الكلام بالحرف والصوت يجعلون لها مدلولات أعم من الجسمانية و ينزهونه عن مدلول الجسماني منها. و هذا شيء لا يعرف في اللغة. و قد درج على ذلك الأول و الآخر منهم و نافرهم أهل السنة من المتكلمين الأشعرية و الحنفية. و رفضوا عقائدهم في ذلك، و وقع بين متكلمي الحنفية ببخارى و بين الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ما هو معروف. و أما المجسمة ففعلوا مثل ذلك في إثبات الجسمية. و أنها لا كالأجسام. و لفظ الجسم له يثبت في منقول الشرعيات. و إنما جرأهم عليه إثبات هذه الظواهر، فلم يقتصروا عليه، بل توغلوا و أثبتوا الجسمية. يزعمون فيها مثل ذلك و ينزهونه بقول متناقض سفساف، و هو قولهم: جسم لا كالأجسام. و الجسم في لغة العرب هو العميق المحدود و غير هذا التفسير من أنه القائم بالذات أو المركب من الجواهر و غير ذلك، فاصطلاحات للمتكلمين يريدون بها غير المدلول اللغوي. فلهذا كان المجسمة أوغل في البدعة بل والكفر. حيث أثبتوا لله وصفا موهما يوهم النقص لم يرد في كلامه. و لا كلام نبيه. فقد تبين لك الفرق بين مذاهب السلف و المتكلمين السنية و المحدثين والمبتدعة من المعتزلة و المجسمة بما أطلعناك عليه. و في المحدثين غلاة يسمون المشبه لتصريحهم بالتشبيه، حتى إنه يحكى عن بعضهم أنه قال: أعفوني من اللحية و الفرج و سلوا عما بدا لكم من سواهما. و إن لم يتأول ذلك لهم، بأنهم يريدون حصر ما ورد من هذه الظواهر الموهمة. و حملها على ذلك المحمل الذي لأئمتهم، و إلا فهو كفر صريح و العياذ بالله. و كتب أهل السنة مشحونة بالحجاج على هذه البدع. و بسط الرد عليهم بالأدلة الصحيحة. و إنما أومأنا إلى ذلك إيماء يتميز به فصول المقالات و جملها. و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
و أما الظواهر الخفية الأدلة و الدلالة، كالوحي و الملائكة و الروح و الجن والبرزخ و أحوال القيامة والدجال و الفتن و الشروط. و سائر ما هو متعذر على الفهم أو مخالف للعادات، فإن حملناه على ما يذهب إليه الأشعرية في تفاصيله، و هم أهل السنة. فلا تشابه، و إن قلنا فيه بالتشابه، فلنوضح القول فيه بكشف الحجاب عنه فنقول: اعلم أن العالم البشري أشرف العوالم من الموجودات، و أرفعها. و هو و إن اتحدت حقيقة الإنسانية فيه فله أطوار يخالف كل واحد منها الآخر بأحوال تختص به حتى، كأن الحقائق فيها مختلفة.
فالطور الأول: عالمه الجسماني بحسه الظاهر و فكره المعاشي و سائر تصرفاته التي أعطاه إياها وجوده الحاضر.
الطور الثاني: عالم النوم، و هو تصور الخيال بانفاذ تصوراته جائلة في باطنه فيدرك منها بحواسه الظاهرة مجردة عن الأزمنة و الأمكنة و سائر الأحوال الجسمانية، و يشاهدها في إمكان ليس هو فيه. و يحدث للصالح منها البشرى بما يترقب من مسراته الدنيوية و الأخروية، كما وعد به الصادق صلوات الله عليه. و هذان الطوران عامان في جميع أشخاص البشر، و هما مختلفان في المدارك كما تراه.
الطور الثالث: طور النبوة، و هو خاص بإشراف صنف البشر بما خصهم الله به من معرفته و توحيده. و تنزل ملائكته عليهم بوحيه. و تكليفهم بإصلاح البشر في أحوال كلها مغايرة للأحوال البشرية الظاهرة.
الطور الرابع: طور الموت الذي تفارق أشخاص البشر فيه حياتهم الظاهرة إلى وجود قبل القيامة يسمى البرزخ يتنعمون فيه و يعذبون على حسب أعمالهم ثم يفضون إلى يوم القيامة الكبرى، و هي دار الجزاء الأكبر نعيما و عذابا في الجنة أو في النار.
و الطوران الأولان شاهدهما وجداني. و الطور الثالث النبوي شاهده المعجزة و الأحوال المختصة بالأنبياء، و الطور الرابع شاهده ما تنزل على الأنبياء من وحي الله تعالى في المعاد و أحوال البرزخ و القيامة، مع أن العقل يقتضي به، كما نبهنا الله عليه، في كثير من آيات البعثة. و من أوضح الدلالة على صحتها أن أشخاص الإنسان لو لم يكن لهم وجود آخر بعد الموت غير هذه المشاهد يتلقى فيه أحوالا تليق به. لكان إيجاده الأول عبثا. إذ الموت إذا كان عدما كان مآل الشخص إلى العدم. فلا يكون لوجوده الأول حكمة. و العبث على الحكيم محال. وإذا تقررت هذه الأحوال الأربعة، فلنأخذ في بيان مدارك الإنسان فيها كيف تختلف اختلافا بينا يكشف لك غور المتشابه. فأما مداركه في الطور الأول فواضحة جلية. قال الله تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة. فبهذه المدارك يستولي على ملكات المعارف و يستكمل حقيقة إنسانية و يوفي حق العبادة المفضية به إلى النجاة.
و أما مداركه في الطور الثاني. و هو طور النوم. فهي المدارك التي في الحس الظاهر بعينها. لكن ليست في الجوارح كما هي في اليقظة. لكن الرأي يتيقن كل شيء أدركه في نومه لا يشك فيه و لا يرتاب. مع خلو الجوارح عن الاستعمال العادي لها. و الناس في حقيقة هذه الحال فريقان: الحكماء، يزعمون أن الصور الخيالية يدفعها الخيال بحركة الفكر إلى الحس المشترك الذي هو الفصل المشترك بين الحس الظاهر و الحس الباطن. فتصور محسوسة بالظاهر في الحواس كلها. و يشكل عليهم هذا بأن المرائي الصادقة التي هي من الله تعالى أو من الملك أثبت و أرسخ في الإدراك من المرائي الخيالية الشيطانية، مع أن الخيال فيها على ما قرروه واحد.
الفريق الثاني: المتكلمون. أجملوا فيها القول. و قالوا: هو إدراك يخلقه الله في الحاسة فيقع كما يقع في اليقظة. و هذا أليق و إن كنا لا نتصور كيفيته.
و هذا الإدراك النومي أوضح شاهد على ما يقع بعده من المدارك الحسية في الأطوار.
و أما الطور الثالث، و هو طور الأنبياء. فالمدارك الحسية فيها مجهولة الكيفية. عند وجدانيته عندهم بأوضح من اليقين. فيرى النبي الله و الملائكة. و يسمع كلام الله منه أو من الملائكة. و يرى الجنة و النار، و العرش و الكرسي، و يخترق السموات السبع في إسرائه و يركب البراق فيها، و يلقى النبيين هنالك. و يصلى بهم، و يدرك أنواع المدارك الحسية كما يدرك في طوره الجسماني و النومي، بعلم ضروري يخلقه الله له، لا بالإدراك العادي للبشر في الجوارح. و لا يلتفت في ذلك إلى ما يقوله ابن سينا من تنزيله أمر النبوة على أمر النوم في دفع الخيال صورة إلى الحس المشترك. فإن الكلام عليهم هنا أشد من الكلام في النوم، لأن هذا التنزيل طبيعة واحدة كما قررناه، فيكون على هذا حقيقة الوحي و الرؤيا من النبي واحدة في يقينها و حقيقتها. و ليست كذلك على ما علمت من رؤيا النبي صلى الله عليه و سلم قبل الوحي ستة أشهر و أنها كانت بمدة الوحي و مقدمته. و يشعر ذلك بأنه رؤية في الحقيقة. و كذلك حال الوحي في نفسه فقد كان يصعب عليه و يقاسي منه شدة كما هي في الصحيح. حتى كان القرآن يتنزل عليه آيات مقطعات. و بعد ذلك نزل عليه براءة في غزوة تبوك جملة واحدة، و هو يسير على ناقته. فلو كان ذلك من تنزل الفكر إلى الخيال فقط، و من الخيال إلى الحس المشترك، لم يكن بين هذه الحالات فرق. و أما الطور الرابع، و هو طور الأموات في برزخهم الذي أوله القبر. و هم مجردون عن البدن. أو في بعثتهم عندما يرجعون إلى الأجسام. فمداركهم الحسية موجودة، فيرى الميت في قبره الملكان يسألانه. و يرى مقعده من الجنة أو النار بعيني رأسه، و يرى شهود الجنازة و يسمع كلامهم و خفق نعالهم في الانصراف عنه، و يسمع ما يذكرونه به من التوحيد أو من تقرير الشهادتين، و غير ذلك. و في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقف على قليب بدر و فيه قتلى المشركين من قريش، و ناداهم بأسمائهم، فقال عمر: يا رسول الله ! أتكلم هؤلاء الجيف ؟ فقال صلى الله عليه و سلم: و الذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع منهم لما أقول. ثم في البعثة يوم القيامة يعاينون بأسمائهم و أبصارهم كما كانوا يعاينون في الحياة من نعيم الجنة على مراتبه و عذاب النار على مراتبه، و يرون الملائكة و يرون ربهم، كما ورد في الصحيح: إنكم ترون ربكم يوم القيامة، كالقمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته. و هذه المدارك لم تكن لهم في. الحياة الدنيا و هي حسية مثلها. و تقع في الجوارح بالعلم الضروري الذي يخلقه الله كما قلناه. و سر هذا أن تعلم أن النفس الإنسانية هي تنشأ بالبدن و بمداركه، فإذا فارقت البدن بنوم أو بموت أو صار النبي حالة الوحي من المدارك البشرية إلى المدارك الملكية، فقد استصبحت ما كان معها من المدارك البشرية مجردة عن الجوارح، فيدرك بها في ذلك الطور أي إدراك شاءت منها، أرفع من إدراكها، و هي في الجسد. قاله الغزالي رحمه الله، و زاد على ذلك أن النفس الإنسانية صورة تبقى لها. بعد المفارقة فيها العينان و الأذنان و سائر الجوارح المدركة أمثالا لها، كان في البدن و صورا.
و أنا أقول: إنما يشير بذلك إلى الملكات الحاصلة من تصريف هذه الجوارح في بدنها زيادة على الإدراك. فإذا تفطنت لهذا كله علمت أن هذه المدارك موجودة في الأطوار الأربعة لكن ليس على ما كانت في الحياة الدنيا، و إنما هي تختلف بالقوة و الضعف بحسب ما يعرض لها من الأحوال. و يشير المتكلمون إلى ذلك إشارة مجملة بأن الله يخلق فيها علما ضروريا بتلك المدارك. أي مدرك كان، و يعنون به هذا القدر الذي أوضحناه. و هذه نبذة أومأنا بها إلى ما يوضح القول في المتشابه. و لو أوسعنا الكلام فيه لقصرت المدارك عنه. فلنفرع إلى الله سبحانه في الهداية و الفهم عن أنبيائه و كتابه، بما يحصل به الحق في توحيدنا. و الظفر بنجاتنا و الله يهدي من يشاء.

الفصل السابع عشر: في علم التصوف
هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة و أصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة و كبارها من الصحابة و التابعين و من بعدهم طريقة الحق والهداية و أصلها العكوف على العبادة و الانقطاع إلى الله تعالى و الإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها، و الزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة و مال و جاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة و كان ذلك عاما في الصحابة و السلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني و ما بعده و جنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية و المتصوفة. و قال القشيري رحمه الله: ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربة و لا قياس. و الظاهر أنه لقب. و من قال اشتقاقه من الصفاء أو من الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي، قال: و كذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا بلبسه. قلت: و الأظهر إن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف و هم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من فخالفه الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد و الانفراد عن الخلق و الإقبال على العبادة اختصوا بمآخذ مدركة لهم و ذلك أن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميز عن سائر الحيوان بالإدراك و إدراكه نوعان: إدراك للعلوم و المعارف من اليقين و الفن و الشك و الوهم و إدراك للأحوال القائمة من الفرح و الحزن و القبض و البسط و الرضى و الغضب و الصبر و الشكر و أمثال ذلك. فالروح العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من إدراكات و إرادات و أحوال و هي التي يميز بها الإنسان. و بعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الأدلة و الفرح و الحزن عن إدراك المؤلم أو المتلذذ به و النشاط عن الحمام و الكسل عن الإعياء. و كذلك المريد في مجاهدته و عبادته لابد و أن ينشأ له عن في مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة. و تلك الحال إما أن تكون نوع عبادة فترسخ و تصير مقاما للمريد و إما أن لا تكون عبادة و إنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات. و لا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد و المعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة. قال صلى الله عليه و سلم: من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة فالمريد لابد له من الترقي في هذه الأطوار و أصلها كلها الطاعة و الإخلاص و يتقدمها الإيمان و يصاحبها، و تنشأ عنها الأحوال و الصفات نتائج و ثمرات. ثم تنشأ عنها أخرى و أخرى إلى مقام التوحيد و العرفان. و إذا وقع، تقصير في النتيجة أو خلل فنعلم أنه إنما أتى من قبل التقصير في الذي قبله. و كذلك في الخواطر النفسانية و الواردات القلبية. فلهذا يحتاج المريد إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله و ينظر في حقائقها لأن حصول النتائج عن الأعمال ضروري و تصورها من الخلل فيها كذلك. و المريد يجد ذلك بذوقه و يحاسب نفسه على أسبابه. و لا يشاركهم في ذلك إلا القليل من الناس لأن الغفلة عن هذا كأنها شاملة. و غاية أهل العبادات إذا لم ينتهوا إلى هذا النوع أنهم يأتون بالطاعات مخلصة من نظر الفقه في الأجزاء و الامتثال. و هؤلاء يبحثون عن نتائجها بالأذواق و المواجد ليطلعوا على أنها خالصة من التقصير أو لا، فظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال و التروك و الكلام في هذه الأذواق و المواجد التي تحصل عن المجاهدات ثم تستقر للمريد مقاما يترقى منها إلى غيرها ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم و اصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة. فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمة منه. فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه. و صار علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء و أهل الفتيا و هي الأحكام العامة في العبادات و العادات و المعاملات. و صنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة و محاسبة النفس عليها و الكلام في الأذواق و المواجد العارضة في طريقها و كيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق و شرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك. فلما كتبت العلوم و دونت و ألف الفقهاء في الفقه و أصوله و الكلام و التفسير وغير ذلك. كتب رجال من أهل هذه الطرقة في طريقهم فمنهم من كتب في الورع و محاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ و الترك كما فعله القشيري في كتاب الرسالة و السهرودي في كتاب عوارف المعارف و أمثالهم. و جمع الغزالي رحمه الله بين الأمرين في كتاب الإحياء فدون فيه أحكام الورع و الاقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم و شرح اصطلاحاتهم في عباراتهم و صار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط و كانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير و الحديث و الفقه والأصول و غير ذلك. ثم إن هذه المجاهدة و الخلوة و الذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس و الاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها. و الروح من تلك العوالم. و سبب هذا الكشف أن. الروح إذا رجع في الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس و قويت أحوال الروح و غلب سلطانه و تجدد نشؤه أعان على ذلك الذكر فإنه كالغذاء لتنمية الروح و لا يزال في نمو و تزيد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما. و يكشف حجاب الحس، و يتم وجود النفس التي لها من ذاتها. و هو عين الإدراك. فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية و العلوم اللدنية و الفتح الإلهي و تقرب ذاته في تحقيق حقيقتها من الأفق الأعلى أفق الملائكة. و هذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود مالا يدرك سواهم و كذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها و يتصرفون بهممهم و قوى نفوسهم في الموجودات السفلية و تصير طوع إرادتهم. فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف و لا يتصرفون و لا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة و يتعوذون منة إذا هاجمهم. و قد كان الصحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة و كان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم يقع لهم بها عناية. و في فضائل أبي بكر و عمر و عثمان و علي رضي الله عنهم كثير منها. و تبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت رسالة القشيري على ذكرهم و من تبع طريقتهم من بعدهم. ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب و الكلام في المدارك التي وراءه و اختلفت طرق الرياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسية و تغذية الروح العاقل بالذكر حتى يحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها بتمام نشوتها و تغذيتها فإذا حصل ذلك زعموا أن الوجود قد انحصر في مداركها حينئذ و أنهم كشفوا ذوات الوجود و تصوروا حقائقها كلها من العرش ثم إلى الطش. هكذا قال الغزالي رحمه الله في كتاب الإحياء بعد أن ذكر صورة الرياضة. ثم إن هذا الكشف لا يكون صحيحا كاملا عندهم إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة لأن الكشف قد يحصل لصاحب الجوع و الخلوة و إن لم يكن هناك استقامة ك*****ة و غيرهم من المرتاضين. و ليس مرادنا إلا الكشف الناشئ عن الاستقامة و مثاله أن المرآة الصقيلة إذا كانت محدبة أو مقعرة و حوذي بها جهة المرئي فإنه يتشكل فيه معوجا على غير صورته. و إن كانت مسطحة تشكل فيها المرئي صحيحا. فالاستقامة للنفس كالانبساط للمرآة فيما ينطبع فيها من الأحوال. و لما عني المتأخرون بهذا النوع من الكشف تكلموا في حقائق الموجودات العلوية و السفلية و حقائق الملك و الروح و العرش و الكرسي و أمثال ذلك. و قصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم و مواجدهم في ذلك. و أهل الفتيا بين فنكر عليهم و مسلم لهم. و ليس البرهان و الدليل بنافع في هذا الطريق ردا و قبولا إذ هي من قبيل الوجدانيات.
تفصيل و تحقيق: يقع كثيرا في كلام أهل العقائد من علماء الحديث و الفقه أن الله تعالى مباين لمخلوقاته. و يقع للمتكلمين أنة لا مباين و لا متصل. و يقع للفلاسفة أنة لا داخل العالم و لا خارجه. و يقع للمتأخرين من المتصوفة أنه متحد بالمخلوقات: إما بمعنى الحلول فيها، أو بمعنى إنه هو عينها. و ليس هناك غيره جملة و لا تفصيلا. فلنبين تفصيل هذه المذاهب و نشرح حقيقة كل واحد منها، حتى تتضح معانيها فنقول، إن المباينة تقال لمعنيين:
أحدهما المباينة في الحيز و الجهة، و يقابله الاتصال. و نشعر هذه المقابلة على هذه التقيد. بالمكان إما صريحا و هو تجسيم، أو لزوما و هو تشبيه من قبيل القول بالجهة. و قد نقل مثله عن بعض علماء السلف من التصريح بهذه المباينة، فيحتمل غير هذا المعنى. و من أجل ذلك أنكر المتكلمون هذه المباينة وقالوا: لا يقال في البارئ أنة مباين مخلوقاته، و لا متصل بها، لأن ذلك إنما يكون للمتحيزات. و ما يقال من أن المحل لا يخلو عي الاتصاف بالمعنى و ضده. فهو مشروط بصحة الاتصاف أولا، و أما مع امتناعه فلا، بل يجوز الخلو عن المعنى و ضده. كما يقال في الجماد، لا عالم و لا جاهل، و لا قادر و لا عاجز ولا كاتب و لا أمي. و صحة الاتصاف بهذه المباينة مشروط بالحصول في الجهة على ما تقرر من مدلولها. و البارئ سبحانه منزه عن ذلك. ذكره ابن التلمساني في شرح اللمع لإمام الحرمين و قال: و لا يقال في البارئ مباين للعالم و لا متصل به، و لا داخل فيه و لا خارج عنة. و هو معنى ما يقول الفلاسفة أنة لا داخل العالم و لا خارجه، يناء على وجود الجواهر غير المتحيزة. و أنكرها المتكلمون لما يلزم من مساواتها للبارئ في أخص الصفات. و هو مبسوط في علم الكلام.
وأما المعنى الآخر للمباينة، فهو المغايرة و المخالفة فيقال: البارئ مباين لمخلوقاته في ذاته و هويته و وجوده و صفاته. و يقابله الاتحاد و الامتزاج والاختلاط. و هذه المباينة هي مذهب أهل الحق كلهم من جمهور السلف و علماء الشرائع و المتكلمين و المتصوفة الأقدمين أهل الرسالة و من نحا منحاهم. و ذهب جماعة من المتصوفة المتأخرين الذين صيروا المدارك الوجدانية علمية نظرية، إلى أن البارئ تعالى متحد بمخلوقاته في هويته و وجوده و صفاته. و ربما زعموا أنة مذهب الفلاسفة قبل أرسطو، مثل أفلاطون و سقراط، و هو الذي يقينه المتكلمون حيث ينقلونه في علم الكلام عن المتصوفة و يحاولون الرد عليه لأنه ذاتان، تنتفي إحداهما، أو تندرج اندراج الجزء. فإن تلك مغايرة صريحة. و لا يقولون بذلك. و هذا الاتحاد هو الحلول الذي تدعيه النصارى في المسيح عليه السلام و هو أغرب لأنه حلول قديم في محدث أو اتحاده به. و هو أيضا عين ما تقوله الإمامية من الشيعة في الأئمة. و تقرير هذا الاتحاد في كلامهم على طريقين:
الأولى: أن ذات القديم كائنة في المحدثات محسوسها و معقولها، متحدة بها في المتصورين، و هي كلها مظاهر له، و هو القائم عليها، أي المقدم لوجودها بمعنى لولاه كانت عدما و هو رأي أهل الحلول.
الثانية: طريق أهل الوحدة المطلقة و كأنهم استشعروا من تقرير أهل الحلول الغيرية المنافية لمعقول الاتحاد، فنفوها بين القديم و بين المخلوقات في الذات و الوجود و الصفات. و غالطوا في غيرية المظاهر المدركة بالحس و العقل بأن ذلك من المدارك البشرية، و هي أوهام. و لا يريدون الوهم الذي هو قسيم العلم و الفن و الشك، إنما يريدون أنها كلها عدم في الحقيقة، و وجود في المدرك البشري فقط. و لا وجود بالحقيقة إلا للقديم، لا في الظاهر و لا في الباطن كما نقرره بعد، بحسب الإمكان. و التعويل في تعقل ذلك على النظر و الاستدلال، كما في المدارك البشرية، غير مفيد، لأن ذلك إنما نقل من المدارك الملكية، وإنما هي حاصلة للأنبياء بالفطرة و من بعدهم للأولياء بهدايتهم. و قصد من يقصد الحصول عليها بالطريقة العلمية ضلال. و ربما قصد بعض المصنفين ذلك في كشف الموجودات و ترتيب حقائقه على طريق أهل المظاهر فأتى يالأغمض فالأغمض.
و ربما قصد بعض المصنفين بيان مذهبهم في كشف الوجود و ترتيب حقائقه فأتى بالأغمض فالأغمض بالنسبة إلى أهل النظر و الاصطلاحات و العلوم كما فعل الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض في الديباجة التي كتبها في صدر ذلك الشرح فإنه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل و ترتيبه أن الوجود كله صادر عن صفة الوحدانية التي هي مظهر الأحدية و هما معا صادران عن الذات الكريمة التي هي عين الوحدة لا غير. و يسمون هذا الصدور بالتجلي. و أول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه و هو يتضمن الكمال بإفاضة الإيجاد و الظهور لقوله في الحديث الذي يتناقلونه: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني و هذا الكمال في الإيجاد المتنزل في الوجود و تفصيل الحقائق و هو عندهم عالم المعاني و الحضرة الكمالية و الحقيقة المحمدية و فيها حقائق الصفات و اللوح و القلم و حقائق الأنبياء و الرسل أجمعين و الكمل من أهل الملة المحمدية. و هذا كله تفصيل الحقيقة المحمدية. و يصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة الهبائية و هي مرتبة المثال ثم عنها العرش ثم الكرسي ثم الأفلاك، ثم عالم العناصر، ثم عالم التركيب. هذا في عالم الرتق فإذا تجلت فهي في عالم الفتق. و يسمى هذا المذهب مذهب أهل التجلي و المظاهر و الحضرات و هو كلام لا يقتدر أهل النظر إلى تحصيل مقتضاه لغموضه و انغلاقه و بعد ما بين كلام صاحب المشاهدة و الوجدان و صاحب الدليل. و ربما أنكر بظاهر الشرع. هذا الترتيب و كذلك ذهب آخرون منهم إلى القول بالوحدة المطلقة و هو رأي أغرب من الأول في تعقله و تفاريعه. يزعمون فيه أن الوجود له قوى في تفاصيله بها كانت حقائق الموجودات و صورها و موادها. و العناصر إنما كانت بما فيها من القوى و كذلك مادتها لها في نفسها قوة بها كان وجودها. ثم إن المركبات فيها تلك القوى متضمنة في القوة التي كان بها التركيب، كالقوة المعدنية فيها قوى العناصر بهيولاها و زيادة القوة المعدنية ثم القوة الحيوانية تتضمن القوة المعدنية و زيادة قوتها في نفسها و كذا القوة الإنسانية مع الحيوانية ثم الفلك يتضمن القوة الإنسانية و زيادة. و كذا الذوات ********ة و القوة الجامعة للكل من غير تفصيل هي القوة الإلهية التي انبثت في جميع الموجودات كلية و جزئية و جمعتها و أحاطت بها من كل وجه. لا من جهة الظهور و لا من جهة الخفاء و لا من جهة الصورة و لا من جهة المادة فالكل واحد و هو نفس الذات الإلهية و هي في الحقيقة واحدة بسيطة و الاعتبار هو المفصل لها كالإنسانية مع الحيوانية. ألا ترى أنها مندرجة فيها و كائنة بكونها. فتارة يمثلونها بالجنس مع النوع، في كل موجود كما ذكرناه و تارة بالكل مع الجزء على طريقة المثال. و هم في هذا كله يفرون من التركيب و الكثرة بوجه من الوجوه و إنما أوجبها عندهم الوهم و الخيال. و الذي يظهر من كلام ابن دهقان في تقرير هذا المذهب أن حقيقة ما يقولونه في الوحدة شبيه بما تقوله الحكماء في الألوان من أن وجودها مشروط بالضوء فإذا عدم الضوء لم تكن الألوان موجودة بوجه. و كذا عندهم الموجودات المحسوسة كلها مشروطة بوجود المدرك الحسي، بل و الموجودات المعقولة و المتوهمة أيضا مشروطة بوجود المدرك العقلي فإذا الوجود المفصل كله مشروط بوجود المدرك البشري. فلو فرضنا عدم المدرك البشري جملة لم يكن هناك تفصيل الوجود بل هو بسيط واحد فالحر و البرد و الصلابة و اللين بل والأرض و الماء و النار و السماء و الكواكب، إنما وجدت لوجود الحواس المدركة لها لما جعل في المدرك من التفصيل الذي ليس في الموجود و إنما هو في المدارك فقط فإذا فقدت المدارك المفصلة فلا تفصيل إنما هو إدراك واحد و هو أنا لا غيره. و يعتبرون ذلك بحال النائم فإنه إذا نام و فقد الحس الظاهر فقد كل محسوس و هو في تلك الحال إلا ما يفصله له الخيال. قالوا: فكذا اليقظان إنما يعتبر تلك المدركات كلها على التفصيل بنوع مدركه البشري ولو قدر فقد مدركه فقد التفصيل و هذا هو معنى قولهم الموهم لا الوهم الذي هو من جملة المدارك البشرية. هذا ملخص رأيهم على ما يفهم من كلام ابن دهقان و هو في غاية السقوط لأنا نقطع بوجود البلد الذي نحن مسافرون عنه و إليه يقينا مع غيبته عن أعيننا و بوجود السماء المظلة و الكواكب و سائر الأشياء الغائبة عنا. و الإنسان قاطع بذلك و لا يكابر أحد نفسه في اليقين مع أن المحققين من المتصوفة المتأخرين يقولون إن المريد عند الكشف ربما يعرض له توهم هذه الوحدة و يسمى ذلك عندهم مقام الجمع ثم يترقى عنه إلى التمييز بين الموجودات و يعبرون عن ذلك بمقام الفرق و هو مقام العارف المحقق و لابد للمريد عندهم من عقبة الجمع و هي عقبة صعبة لأنه يخشى على المريد من وقوفه عندها فتخسر صفقته فقد تبينت مراتب أهل هذه الطريقة ثم إن كل هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف و فيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول و الوحدة كما أشرنا إليه و ملئوا الصحف منه مثل الهروي في كتاب المقامات له و غيره. و تبعهم ابن العربي و ابن سبعين و تلميذهما ابن العفيف وابن الفارض و النجم الإسرائيلي في قصائدهم. و كان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول و إلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر. و اختلط كلامهم و تشابهت عقائدهم. و ظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب و معناه رأس العارفين. يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله. ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان. و قد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فضول التصوف منها فقال: جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد. و هذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية، و لا دليل شرعي و إنما هو من أنواع الخطابة و هو بعينه ما تقوله الرافضة و دانوا به. ثم قالوا بترتيب وجود الإبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء. حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم و نحلتهم رفعوه إلى علي رضي الله عنه و هو من هذا المعنى أيضا. و إلا فعلي رضي الله عنه لم يختص من بين الصحابة بتخليه و لا طريقة في لباس و لا حال. بل كان أبو بكر و عمر رضي الله عنهما أزهد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم و أكثرهم عبادة. و لم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين و الزهد و المجاهدة.
تشهد بذلك سيرهم و أخبارهم، نعم إن الشيعة يخيلون بما ينعلون من ذلك اختصاص علي رضي الله عنه بالفضائل دون من سواه من الصحابة ذهابا مع عقائد التشيع المعروفة لهم. و الذي يظهر أني المتصوفة بالعراق، لما ظهرت الإسماعيلية من الشيعة، و ظهر كلامهم في الإمامة و ما يرجع إليها ما هو معروف، فاقتبسوا من ذلك الموزانة بين الظاهر و الباطن و جعلوا الإمامة لسياسة الخلف في الانقياد إلى الشرع، و أفردوه بذلك أن لا يقع اختلاف كما تقرر في الشرع. ثم جعلوا القطب لتعليم المعرفة بالله لأنه رأس العارفين، و أفردوه بذلك تشبيها بالإمام في الظاهر و أن يكون على وزانه في الباطن و سموه قطبا لمدار المعرفة عليه، و جعلوا الأبدال كالنقباء مبالغة في التشبيه فتأمل ذلك.
يشهد لذلك من كلام هؤلاء المتصوفة في أمر الفاطمي و ما شحنوا كتبهم في ذلك مما ليس لسلف المتصوفة فيه كلام بنفي أو إثبات و إنما هو مأخوذ من كلام الشيعة و الرافضة و مذاهبهم في كتبهم. و الله يهدي إلى الحق.
تذييل: و قد رأيت أن أ*** هنا فصلا من كلام شيخنا العارف كبير الأولياء بالأندلس، أبي مهدي عيسى بن الزيات كان يقع له أكثر الأوقات على أ بيات الهروي التي وقعت له في كتاب المقامات توهم القول بالوحدة المطلقة أو يكاد يصرح بها و بقوله:
ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته تثنيه أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده و نعت من ينعته لاحد
فيقول رحمه الله على سبيل العذر عنه: استشكل الناس إطلاق لفظ الجمود على كل من وحد الواحد و لفظ الإلحاد على من نعته و وصفه. و استبشعوا هذه الأبيات و حملوا قائلها على الكفر و استخفوه. و نحن نقول على رأي هذه الطائفة أن معنى التوحيد عندهم انتقاء عين الحدوث بثبوت عين القدم و أن الوجود كله حقيقة واحدة وانية واحدة. و قد قال أبو سعيد الجزار من كبار القوم: الحق عين ما ظهر و عين ما بطن. و يرون أن وقوع التعدد في تلك الحقيقة وجود الاثنينية. و هم باعتبار حضرات الحس بمنزلة صور الضلال و الصدا و المرأى. و أن كل ما سوى عين القدم، إذا استتبع فهو عدم. و هذا معنى: كان الله، و لا شيء معه، و هو الآن على ما هو عليه كان عندهم. و معنى قول كبير الذي صدقه رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله: ألا كل شيء، ما خلا الله باطل. قالوا: فمن وحد و نعت، فقد قال بموجد محدث. هو نفسه، و توحيد محدث هو فعله، موجود قدير، هو معبود.
و قد تقدم معنى التوحيد انتقاء عين الحدوث، و عين الحدوث، الآن ثابتة بل متعددة، و التوحيد مجحود والدعوى كاذبة. كمن يقول لغيره، و هما معا في بيت واحد: ليس في البيت غيرك، فيقول الآخر بلسان حاله: لا يصح هذا إلا لو عدمت أنت ! و قد قال بعض المحققين في قولهم: خلق الله الزمان، هذه ألفاظ تناقض أصولها لأن خلق الزمان متقدم على الزمان و هو فعل لابد من وقوعه في الزمان. و إنما حمل ذلك ضيق العبارة عن الحقائق و عجز اللغات عن تأدية الحق فيها و بها. فإذا تحقق أن الموحد هو الموحد، و عدم ما سواه جملة. صح التوحيد حقيقة. و هذا معنى قولهم لا يعرف الله إلا الله و لا حرج على من وحد الحق مع بقاء الرسوم و الآثار، و إنما هو من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين. لأن ذلك لازم التقييد و العبودية و الشفعية. و من ترقى إلى مقام الجمع كان في حقه نقصا، مع علمه بمرتبته، و أنه تلبيس تستلزمه العبودية و يرمعه الشهود و يطهر من دنس حدوثه عين الجمع. و أعرق الأصناف في هذا الزعم القائلون بالوحدة المطلقة. و مدار المعرفة بكل اعتبار على الانتهاء إلى الواحد، و إنما صدر هذا القول من الناظم على سبيل التحريض و التنبيه و التفطين لمقام أعلى ترتفع فيه الشفعية و يحصل التوحيد المطلق عينا لا خطابا. و عبارة: فمن سلم استراح و من نازعته حقيقة أنس بقوله: كنت سمعه و بصره. و إذا عرفت المعاني لا مشاحة في الألفاظ. و الذي يفيده هذا كله تحقق أمر فوق هذا الطور، لا نطق فيه و لا خبر عنه. و هذا المقدار من الإشارة كاف. و التعمق في مثل هذا حجاب. و هو الذي أوقع في المقالات المعروفة. انتهى كلام الشيخ أبي مهدي الزيات، و نقلته من كتاب الوزير أبي الخطيب الذي ألفه في المحبة. و سماه التعريف بالحب الشريف. و قد سمعته من شيخنا أبى مهدي مرارا. إلا أني رأيت رسوم الكتاب أوعى له. لطول عهدي به. و الله الموفق.
ثم إن كثيرا من الفقهاء و أهل الفتيا انتدبوا للرد على هؤلاء المتأخرين في هذه المقالات و أمثالها و شملوا بالنكير سائر ما وقع لهم في الطريقة. و الحق أن كلامهم معهم فيه تفصيل فإن كلامهم في أربعة مواضع: أحدها الكلام على المجاهدات و ما يحصل من الأذواق و المواجد و محاسبة النفس على أعمالها لتحصل تلك الأذواق التي تصير مقاما و يترقى منة إلى غيره كما قلناه و ثانيها الكلام في الكشف والحقيقة المدركة من عالم الغيب مثل الصفات الربانية و العرش و الكرسي والملائكة و الوحي و النبؤة و الروح و حقائق كل موجود غائب أو شاهد و تركيب الألوان في صدورها عن موجودها و تكونها كما مر، و ثالثها التصرفات في العوالم والأكوان بأنواع الكرامات، و رابعها ألفاظ موهمة الظاهر صدرت من الكثير من أئمة القوم يعبرون عنها في اصطلاحهم بالشطحات تستشكل ظواهرها فمنكر و محسن و متأول. فأما الكلام في المجاهدات و المقامات و ما يحصل من الأذواق والمواجد في نتائجها و محاسبة النفس على التقصير في أسبابها فأمر لا مدفع فيه لأحد و أذواقهم فيه صحيحة و التحقق بها هو عين السعادة. و أما الكلام في كرامات القوم و أخبارهم بالمغيبات و تصرفهم في الكائنات. فأمر صحيح غير منكر. و إن مآل بعض العلماء إلى إنكارها فليس ذلك من الحق. و ما احتج به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني من أئمة الأشعرية على إنكارها لالتباسها بالمعجزة فقد فرق المحققون من أهل السنة بينهما بالتحدي و هو دعوى وقوع المعجزة على وفق ما جاء به. قالوا: ثم إن وقوعها على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأن دلالة المعجزة على الصدق عقلية فإن صفة نفسها التصديق. فلو وقعت مع الكاذب لتبدلت صفة نفسها و هو محال. هذا مع أن الوجود شاهد بوقوع الكثير من هذه الكرامات و إنكارها نوع مكابرة. و قد وقع للصحابة و أكابر السلف كثير من ذلك و هو معلوم مشهور. و أما الكلام في الكشف و إعطاء حقائق العلويات و ترتيب صدور الكائنات فأكثر كلامهم فيه نوع من المتشابه لما أنه وجداني عندهم و فاقد الوجدان عندهم بمعزل عن أذواقهم فيه. و اللغات لا تعطى له دلالة على مرادهم منه لأنها لم توضع إلا للتعارف و أكثره من المحسوسات. فينبغي أن لا نتعرض لكلامهم في ذلك و نتركه فيما تركناه من المتشابه و من رزقه الله فهم شيء من هذه الكلمات على الوجه الموافق لظاهر الشريعة فأكرم بها سعادة. و أما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات و يوآخذهم بها أهل الشرع فاعلم أن الإنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس و الواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لا يقصدونه و صاحب الغيبة غير مخاطب و المجبور معذور. فمن علم منهم فضله و اقتداؤه حمل على القصد الجميل من هذا و أمثاله و أن العبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها كما وقع لأبي يزيد البسطامي و أمثاله. و من لم يعلم فضله و لا اشتهر فموآخذ بما صدر عنه من ذلك إذا لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل كلامه. و أما من تكلم بمثلها و هو حاضر في حسه و لم يملكه الحال فموآخذ أيضا. و لهذا أفتى الفقهاء و أكابر المتصوفة بقتل الحلاج لأنه تكلم في حضور و هو مالك لحاله. و الله أعلم. و سلف المتصوفة من أهل الرسالة أعلام الملة الذين أشرنا إليهم من قبل لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب و لا هذا النوع من الإدراك إنما همهم الاتباع و الاقتداء ما استطاعوا. و من عرض له شيء من ذلك أعرض عنه و لم يحفل به بل يفرون منه و يرون أنة من العوائق و المحن و أنه إدراك من إدراكات النفس مخلوق حادث و أن الموجودات لا تنحصر في مدارك الإنسان. و علم الله أوسع و خلقه أكبر و شريعته بالهداية أملك فلا ينطقون بشيء مما يدركون. بل حظروا الخوض في ذلك و منعوا من يكشف له الحجاب من أصحابهم من الخوض فيه و الوقوف عنده بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل الكشف من الاتباع و الاقتداء و يأمرون أصحابهم بالتزامها. و هكذا ينبغي أن يكون حال المريد و الله الموفق للصواب.

الفصل الثامن عشر: في علم تعبير الرؤيا
هذا العلم من العلوم الشرعية و هو حادث في الملة عندما صارت العلوم صنائع و كتب الناس فيها. و أما الرؤيا و التعبير لها فقد كان موجودا في السلف كما هو في الخلف. و ربما كان في الملوك و الأمم من قبل إلا أنه لم يصل إلينا للاكتفاء فيه بكلام المعبرين من أهل الإسلام. و إلا فالرؤيا موجودة في صنف البشر على الإطلاق و لابد من تعبيرها. فلقد كان يوسف الصديق صلوات الله عليه يعبر الرؤيا كما وقع في القرآن. و كذلك ثبت عن الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم و عن أبي بكر رضي الله عنه و الرؤيا مدرك من مدارك الغيب. و قال صلى الله عليه و سلم: الرؤيا الصالحة جزء من ستة و أربعين جزءا من النبؤة. و قال: لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له و أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. و كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا انفتل من صلاة الغداة يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ؟ يسألهم عن ذلك ليستبشر بما وقع من ذلك مما فيه ظهور الدين و إعزازه. و أما السبب في كون الرؤيا مدركا للغيب فهو أن الروح القلبي و هو البخار اللطيف المنبعث من تجويف القلب اللحمي ينتشر في الشريانات و مع الدم في سائر البدن و به تكمل أفعال القوى الحيوانية و إحساسها. فإذا أدركه الملال بكثرة التصرف في الإحساس بالحواس الخمس و تصريف القوى الظاهرة و غشي سطح البدن ما يغشاه من برد الليل انحبس الروح من سائر أقطار البدن إلى مركزه القلبي فيستجم بذلك لمعاودة فعله فتعطلت الحواس الظاهرة كلها و ذلك هو معنى النوم كما تقدم في أول الكتاب. ثم إن هذا الروح القلبي هو مطية للروح العاقل من الإنسان و الروح العاقل مدرك لجميع ما في عالم الأمر بذاته إذ حقيقته و ذاته عين الإدراك. و إنما يمنع من تعلقه للمدارك الغيبية ما هو فيه من حجاب الاشتغال بالبدن و قواه و حواشه. فلو قد خلا من هذا الحجاب و تجرد عنه لرجع إلى حقيقته و هو عين الإدراك فيعقل كل مدرك. فإذا تجرد عن بعضها خفت شواغله فلابد له من إدراك لمحة من عالمه بقدر ما تجرد له و هو في هذه الحالة قد خفت شواغل الحس الظاهر كلها و هي الشاغل الأعظم فاستعد لقبول ما هنالك من المدارك اللائقة من عالمه. و إذا أدرك ما يدرك من عوالمه رجع به إلى بدنه. إذ هو ما دام في بدنه جسماني لا يمكنه التصرف إلا بالمدارك الجسمانية. و المدارك الجسمانية للعلم إنما هي الدماغية و المتصرف منها هو الخيال. فإنه ينتزع من الصور المحسوسة صورا خيالية ثم يدفعها إلى الحافظة تحفظها له إلى وقت الحاجة إليها عند النظر و الاستدلال. و كذلك تجرد النفس منها صورا أخرى نفسانية عقلية فيترقى التجريد من المحسوس إلى المعقول و الخيال واسطة بينهما. و لذلك إذا أدركت النفس من عالمها ما تدركه ألقته إلى الخيال فيصوره بالصورة المناسبة و يدفعه إلى الحس المشترك فيراه النائم كأنة محسوس فيتنزل المدرك من الروح العقلي إلى الحسي. و الخيال أيضا واسطة. هذه حقيقة الرؤيا. و من هذا التقرير يظهر لك الفرق بين الرؤيا الصالحة وأضغاث الأحلام الكاذبة فإنها كلها صور في الخيال حالة النوم. و لكن إن كانت تلك الصور متتزلة من الروح العقلي المدرك فهو رؤيا. و إن كانت مأخوذة من الصور التي في الحافظة التي كان الخيال أودعها إياها منذ اليقظة فهي أضغاث أحلام.
و اعلم أن للرؤيا الصادقة علامات تؤذن بصدقها و تشهد بصحتها فيستشعر الرائي البشارة من الله مما ألقى إليه في نومه: فمنها سرعة انتباه الرائي عندما يدرك الرؤيا، كأنة يعاجل الرجوع إلى الحس باليقظة و لو كان مستغرقا في نومه، لتقل ما ألقي عليه من ذلك الإدراك فيفر من تلك الحالة إلى حالة الحس التي تبقى النفس فيها منغمسة بالبدن و عوارضه، و منها ثبوت ذلك الإدراك و دوامه بانطباع تلك الرؤيا بتفاصيلها في حفظه فلا يتخيلها سهو و لا نسيان. و لا يحتاج إلى إحضارها بالفكر و التذكير، بل تبقى متصورة في ذهنه إذا انتبه. و لا يغرب عنه شيء منها، لأن الإدراك النفساني ليس بزماني و لا يلحقه ترتبت، بل يدركه دفعة في زمن فرد. و أضغاث الأحلام زمانية. لأنها في القوى الدماغية يستخرجها الخيال من الحافظة إلى الحس المشترك كما قلناه. و أفعال البدن كلها زمانية فيلحقها الترتيب في الإدراك و المتقدم و المتأخر. و يعرض النسيان العارض للقوى الدماغية. و ليس كذلك مدارك النفس الناطقة إذ ليست بزمانية، و لا ترتيب فيها. و ما ينطبع فيها من الإدراكات فينطبع دفعة واحدة في أقرب من لمح البصر. و قد تبقى الرؤيا بعد الانتباه. حاضرة في الحفظ أياما من العمر. لا تشذ بالغفلة عن الفكر بوجه إذا كان الإدراك الأول قويا، و إذا كان إنما يتذكر الرؤيا بعد الانتباه من النوم بإعمال الفكر و الوجهة إليها، و ينسى الكثير من تفاصيلها حتى يتذكرها فليست الرؤيا بصادقة، و إنما هي من أضغاث الأحلام. و هذه العلامات من خواص الوحي. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم: لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه و الرؤيا لها نسبة من النبوة و الوحي كما في الصحيح. قال صلى الله عليه و سلم: الرؤيا جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة فلخواصها أيضا نسبة إلى خواص النبوة. بذلك القدر، فلا تستبعد ذلك، فهذا وجه الحق. و الله الخالق لما يشاء.
و أما معنى التعبير فاعلم أن الروح العقلي إذا أدرك مدركة و ألقاه إلى الخيال فصوره فإنما يصوره في الصور المناسبة لذلك المعنى بعض الشيء كما يدرك معنى السلطان الأعظم فيصوره الخيال بصورة البحر أو يدرك العداوة فيصورها الخيال في صورة الحية. فإذا استيقظ و هو لم يعلم من أمره إلا أنه رأى البحر أو الحية فينظر المعبر بقوة التشبيه بعد أن يتيقن أن البحر صورة محسوسة و أن المدرك وراءها و هو يهتدي بقرائن أخرى تعين له المدرك فيقول مثلا: هو السلطان لأن البحر خلق عظيم يناسب أن يشبه بها السلطان و كذلك الحية يناسب أن تشبه بالعدو لعظم ضررها و كذا الأواني تشبه بالنساء لأنهن أوعية وأمثال ذلك. و من المرئي ما يكون صريحا لا يفتقر إلى تعبير لجلائها و وضوحها أو لقرب الشبه فيها بين المدرك و شبهه. و لهذا وقع في الصحيح الرؤيا ثلاث: رؤيا من الله و رؤيا من الملك و رؤيا من الشيطان. فالرؤيا التي من الله هي الصريحة التي لا تفتقر إلى تأويل و التي من الملك هي الرؤيا الصادقة تفتقر إلى التعبير و الرؤيا التي من الشيطان هي الأضغاث. و اعلم أن الخيال إذا ألقى إليه الروح مدركه. فإنما يصوره في القوالب المعتادة للحس و ما لم يكن الحس أدركه قط من القوالب فلا يصور فيه شيئا فلا يمكن من ولد أعمى أن يصور له السلطان بالبحر و لا العدو بالحية و لا النساء بالأواني لأنه لم يدرك شيئا من هذه و إنما يصور له الخيال أمثال هذه في شبهها و مناسبها من جنس مداركه التي هي المسموعات و المشمومات. و ليتحفظ المعبر من مثل هذا فربما اختلط به التعبير و فسد قانونه. ثم إن علم التعبير علم بقوانين كلية يبني عليها المعبر عبارة ما يقص عليه. و تأويله كما يقولون: البحر يدل على السلطان، و في موضع آخر يقولون: البحر يدل على الغيظ، و في موضع آخر يقولون: البحر يدل على الهم والأمر الفادح. و مثل ما يقولون: الحية تدل على العدو، و في موضع آخر يقولون: هي كاتم سر، و في موضع آخر يقولون: تدل على الحياة و أمثال ذلك. فيحفظ المعبر هذه القوانين الكلية، و يعبر في كل موضع بما تقتضيه القرائن التي تعين من هذه القوانين ما هو أليق بالرؤيا. و تلك القرائن منها في اليقظة و منها في النوم و منها ما ينقدح في نفس المعبر بالخاصية التي خلقت فيه و كل ميسر لما خلق له. و لم يزل هذا العلم فتناقلا بين السلف. و كان محمد بن سيرين فيه من أشهر العلماء و كتب عنه في ذلك القوانين و تناقلها الناس لهذا العهد. و ألف الكرماني فيه من بعده. ثم ألف المتكلمون المتأخرون و أكثروا. و المتداول بين أهل المغرب لهذا العهد كتب ابن أبي طالب القيرواني من علماء القيروان مثل الممتع و غيره و كتاب الإشارة للسالمي من أنفع الكتب فيه و أحضرها. و كذلك كتاب المرقبة العليا لابن راشد من مشيختنا بتونس. و هو علم مضيء ينور النبؤة للمناسبة التي بينهما و لكونها كانت من مدارك الوحي كما وقع في الصحيح و الله علام الغيوب.

الفصل التاسع عشر: في العلوم العقلية و أصنافها
و أما العلوم العقلية التي هي طبيعية للإنسان من حيث إنه ذو فكر فهي غير مختصة بملة بل بوجه النظر فيها إلى أهل الملل كلهم و يستوون في مداركها و مباحثها. و هي موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة. و تسمى هذه العلوم علوم الفلسفة و الحكمة و هي مشتملة على أربعة علوم: الأول علم المنطق و هو علم يعصم الذهن عن الخطأ في اقتناص المطالب المجهولة من الأمور الحاصلة المعلومة و فائدته تمييز الخطأ من الصواب. فيما يلتمسه الناظر في الموجودات و عوارضها ليقف على تحقيق الحق في الكائنات نفيا و ثبوتا بمنتهى فكره. ثم النظر بعد ذلك عندهم إما في المحسوسات من الأجسام العنصرية و المكونة عنها من المعدن و النبات و الحيوان و الأجسام الفلكية والحركات الطبيعية. و النفس التي تنبعث عنها الحركات و غير ذلك. و يسمى هذا الفن بالعلم الطبيعي و هو العلم الثاني منها. و إما أن يكون النظر في الأمور التي وراء الطبيعة من ********ات و يسمونه العلم الإلهي و هو الثالث منها. و العلم الرابع و هو الناظر في المقادير و يشتمل على أربعة علوم و تسمى التعاليم. أولها: علم الهندسة و هو النظر في المقادير على الإطلاق. إما المنفصلة من حيث كونها معدودة أو المتصلة و هي إما ذو بعد واحد و هو الخط أو ذو بعدين و في السطح، أو ذو أبعاد ثلاثة و هو الجسم التعليمي. ينظر في هذه المقادير و ما يعرض لها إما من حيث ذاتها أو من حيث نسبة بعضها إلى بعض. و ثانيها علم الأرتماطيقي و هو معرفة ما يعرض للكم المنفصل الذي هو العدد و يؤخذ له من الخواص و العوارض اللاحقة. و ثالثها علم الموسيقى و هو معرفة نسب الأصوات و النغم بعضها من بعض و تقديرها بالعدد و ثمرته معرفة تلاحين الغناء. و رابعها علم الهيئة و هو تعيين الأشكال للأفلاك و حصر أوضاعها و تعددها لكل كوكب من السيارة و الثابتة والقيام على معرفة ذلك من قبل الحركات السماوية المشاهدة الموجودة لكل واحد منها و من رجوعها و استقامتها و إقبالها و إدبارها. فهذه أصول العلوم الفلسفية و هي سبعة: المنطق و هو المقدم منها و بعده التعاليم فالأرتماطيقي أولا ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ثم الطبيعيات ثم الإلهيات و لكل واحد منها فروع تتفرع عنه. فمن فروع الطبيعيات الطب و من فروع علم العدد علم الحساب والفرائض و المعاملات و من فروع الهيئة الأزياج و هي قوانين لحساب حركات الكواكب و تعديلها للوقوف على مواضعها متى قصد ذلك و من فروعها النظر في النجوم على الأحكام النجومية و نحن نتكلم عليها واحدا بعد واحد إلى آخرها. و اعلم أن أكثر من عني بها في الأجيال الذين عرفنا أخبارهم الأمتان العظيمتان في الدولة قبل الإسلام و هما فارس و الروم فكانت أسواق العلوم نافقة لديهم على ما بلغنا لما كان العمران موفورا فيهم والدولة و السلطان قبل الإسلام و عصره لهم فكان لهذه العلوم بحور زاخرة في آفاقهم و أمصارهم. و كان للكلدانيين و من قبلهم من السريانيين و من عاصرهم من القبط عناية ب***** و النجامة و ما يتبعها من الطلاسم و أخذ ذلك عنهم الأمم من فارس و يونان فاختص بها القبط و طمى بحرها فيهم كما وقع في المتلو من خبر هاروت و ماروت و شأن *****ة و ما نقله أهل العلم من شأن البراري بصعيد مصر. ثم تتابعت الملل بحظر ذلك و تحريمه فدرست علومه و بطلت كأن لم تكن إلا بقايا يتناقلها منتحلو هذه الصنائع. و الله أعلم بصحتها. مع أن سيوف الشرع قائمة على ظهورها مانعة من اختبارها. و أما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما و نطاقها متسعا لما كانت عليه دولتهم من الضخامة و اتصال الملك. و لقد يقال إن هذه العلوم إنما وصلت إلى يونان منهم حين قتل الإسكندر دارا و غلب على مملكة الكينية فاستولى على كتبهم و علومهم. إلا أن المسلمين لما افتتحوا بلاد فارس، و أصابوا من كتبهم وصحائف علومهم مما لا يأخذه الحصر و لما فتحت أرض فارس و وجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها و تنقيلها للمسلمين. فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه و إن يكن ضلالا فقد كفانا الله. فطرحوها في الماء أو في النار و ذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا. و أما الروم فكانت الدولة منهم ليونان أولا و كان لهذه العلوم بينهم مجال رحب و حملها مشاهير من رجالهم مثل أساطين الحكمة و غيرهم. و اختص فيها المشاءون منهم أصحاب الرواق بطريقة حسنة في التعليم كانوا يقرؤون في رواق يظلم من الشمس و البرد على ما زعموا. و اتصل فيها سند تعليمهم على ما يزعمون من لدن لقمان الحكيم في تلميذه بقراط الدن، ثم إلى تلميذه أفلاطون ثم إلى تلميذه أرسطو ثم إلى تلميذه الإسكندر الأفرودسي، و تامسطيون و غيرهم. و كان أرسطو معلما للأسكندر ملكهم الذي غلب الفرس على ملكهم و انتزع الملك من أيديهم. و كان أرسخهم في هذه العلوم قدما و أبعدهم فيه صيتا و شهرة. و كان يسمى المعلم الأول فطار له في العالم ذكر. ولما انقرض أمر اليونان و صار الأمر للقياصرة و أخذوا بدين النصرانية هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل و الشرائع فيها. و بقيت في صحفها و دواوينها مخلدة باقية في خزائنهم ثم ملكوا الشام و كتب هذه العلوم باقية فيهم. ثم جاء الله بالإسلام و كان لأهله الظهور الذي لا كفاء له و ابتزوا الروم ملكهم فيما ابتزوه للأمم. و ابتدأ أمرهم بالسذاجة و الغفلة عن الصنائع حتى إذا تبحبح من السلطان و الدولة و أخذ الحضارة بالحظ الذي لم يكن لغيرهم من الأمم و تفننوا في الصنائع و العلوم. تشوقوا إلى الاطلاع على هذه العلوم الحكمية بما سمعوا من الأساقفة و الأقسة المعاهدين بعض ذكر منها و بما تسمو إليه أفكار الإنسان فيها. فبغث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة فبعث إليه بكتاب أوقليدس و بعض كتب الطبيعيات. فقرأها المسلمون و اطلعوا على ما فيها و ازدادوا حرصا على الظفر بما بقي منها. و جاء المأمون بعد ذلك و كانت له في العلم رغبة بما كان ينتحله فانبعث لهذه العلوم حرصا و أوفد الرسل على ملوك الروم في استخراج علوم اليونانيين و انتساخها بالخط العربي و بعث المترجمين لذلك فأوعى منه و استوعب. و عكف عليها النظار من أهل الإسلام و حذقوا في فنونها و انتهت إلى الغاية أنظارهم فيها. و خالفوا كثيرا من آراء المعلم الأول و اختصوه بالرد و القبول لوقوف الشهرة عنده. و دونوا في ذلك الدواوين وأربوا على من تقدمهم في هذه العلوم و كان من أكابرهم في الملة أبو نصر الفارابي و أبو علي بن سينا بالمشرق و القاضي أبو الوليد بن رشد و الوزير أبو بكر بن الصائغ بالأندلس إلى آخرين بلغوا الغاية في هذه العلوم. و اختص هؤلاء بالشهرة والذكر و اقتصر كثيرون على انتحال التعاليم و ما ينضاف إليها من علوم النجامة و***** و الطلسمات. و وقفت الشهرة في هذا المنتحل على جابر بن حيان من أهل المشرق و مسلمة بن أحمد المجريطي من أهل الأندلس و تلميذه. و دخل على الملة من هذه العلوم و أهلها داخلة و استهوت الكثير من الناس بما جنحوا إليها وقلدوا آراءها و الذنب في ذلك لمن ارتكبه. و لو شاء الله ما فعلوه. ثم إن المغرب والأندلس لما ركدت ريح العمران بهما و تناقصت العلوم بتناقصه اضمحل ذلك منهما إلا قليلا من رسومه تجدها في تفاريق من الناس و تحت رقبة من علماء السنة. و يبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة و خصوصا في عراق العجم و ما بعده فيما وراء النهر و أنهم على بح من العلوم العقلية لتوفر عمرانهم و استحكام الحضارة فيهم. و لقد وقفت بمصر على تآليف في المعقول متعددة لرجل من عظماء هراة من بلاد خراسان يشتهر بسعد الدين التفتازاني منها في علم الكلام و أصول الفقه و البيان تشهد بأن له ملكة راسخة في هذه العلوم. و في أثنائها ما يدل على أن له اطلاعا على العلوم الحكمية و قدما عالية في سائر الفنون العقلية و الله يؤيد بنصره من يشاء. كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة من أرض رومة و ما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق و أن رسومها هناك. متجددة و مجالس تعليمها متعددة و دواوينها جامعة متوفرة و طلبتها متكثرة و الله أعلم بما هنالك و هو يخلق ما يشاء و يختار.

الفصل العشرون: في العلوم العددية
و أولها الأرتماطيقي و هو معرفة خواص الأعداد من حيث التأليف إما على التوالي أو بالتضعيف مثل أن الأعداد إذا توالت متفاضلة بعدد واحد فإن جمع الطرفين منها مساو لجمع كل عددين بعدهما من الطرفين بعدد واحد و مثل ضعف الواسطة إن كانت عدة تلك الأعداد فردا مثل الأفراد على تواليها و الأزواج على تواليها و مثل أن الأعداد إذا توالت على نسبة واحدة يكون أولها نصف ثانيها وثانيها نصف ثالثها الخ، أو يكون أولها ثلث ثانيها و ثانيها ثلث ثالثها الخ فإن ضرب الطرفين أحدهما في الآخر كضرب كل عددين بعدهما من الطرفين بعدد واحد أحدهما في الآخر. و مثل مربع الواسطة إن كانت العدة فردا و ذلك مثل أعداد زوج الزوج المتوالية من اثنين فأربعة فثمانية فستة عشر و مثل ما يحدث من الخواص العددية في وضع المثلثات العددية و المربعات و المخمسات والمسدسات إذا وضعت متتالية في سطورها بأن تجمع من الواحد إلى العدد الأخير فتكون مثلثة. و تتوالى المثلثات هكذا في سطر تحت الأضلاع ثم تزيد على كل مثلث ثلث الضلع الذي قبله فتكون مربعة. و تزيد على كل مربع مثلث الضلع الذي قبلة فتكون مخمسة و هلم جرا. و تتوالى الأشكال على توالى الأضلاع و يحدث جدول ذو طول و عرض. ففي عرضه الأعداد على تواليها ثم المثلثات على تواليها ثم المربعات ثم المخمسات الخ و في طوله كل عدد و أشكاله بالغا ما بلغ و تحدث في جمعها و قسمة بعضها على بعض طولا و عرضا خواص غريبة استقرت منها و تقررت في دواوينهم مسائلها كذلك ما يحدث للزوج و الفرد و زوج الزوج و زوج الفرد و زوج الزوج و الفرد فإن لكل منها خواص مختصة به تضمنها هذا الفن و ليست في غيره. و هذا الفن أول أجزاء التعاليم و أثبتها و يدخل في براهين الحساب. و للحكماء المتقدمين و المتأخرين فيه تآليف، و أكثرهم يدرجونه في التعاليم و لا يفردونه بالتآليف. فعل ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء و النجاة و غيره من المتقدمين. و أما المتأخرون فهو عندهم مهجور إذ هو غير متداول و منفعته في البراهين لا في الحساب فهجروه لذلك بعد أن استخلصوا زبدته في البراهين الحسابية كما فعله ابن البناء في كتاب رفع الحجاب و غيره و الله سبحانه و تعالى أعلم. و من فروع علم العدد صناعة الحساب. و هي صناعة علمية في حساب الأعداد بالضم و التفريق. فالضم يكون في الأعداد بالأفراد و هو الجمع. و بالتضعيف تضاعف عددا بآحاد عدد آخر و هذا هو الضرب و التفريق أيضا يكون في الأعداد إما بالإفراد مثل إزالة عدد من عدد و صرفه الباقي و هو الطرح أو تفصيل عدد بأجزاء متساوية تكون عدتها محصلة و هو القسمة. و سواء كان هذا الضم و التفريق في الصحيح من العب أو الكسر. و معنى الكسر نسبة عدد إلى عدد و تلك النسبة تسمى كسرا. و كذلك يكون بالضم و التفريق في الجذور و معناها العد الذي يضرب في مثله فيكون منه العدد المربع. فإن تلك الجذور أيضا يدخلها الضم و التفريق و هذه الصناعة حادثة احتيج إليها للحساب في المعاملات ألف الناس فيها كثيرا و تداولوها في الأمصار بالتعليم للولدان. و من أحسن التعليم عندهم الابتداء بها لأنها معارف متضحة و براهين منتظمة فينشأ عنها في الغالب عقل مضيء درب على الصواب. و قد قال من أخذ نفسه بتعليم الحساب أول أمره إنه يغلب عليه الصدق لما في الحساب من صحة المباني و مناقشة النفس فيصير ذلك خلقا و يتعود الصدق و يلازمه مذهبا. و من أحسن التآليف المبسوطة فيها لهذا العهد بالمغرب كتاب الحصار الصغير. و لابن البناء المراكشي فيه تلخيص ضابط لقوانين أعماله مفيد ثم شرحه بكتاب سماه رفع الحجاب و هو مستغلق على المبتدئ بما فيه من البراهين الوثيقة المباني. و هو كتاب جليل القدر أدركنا المشيخة تعظمه و هو كتاب جدير بذلك. و ساوق فيه المؤلف رحمه الله كتاب فقه الحساب، لابن منعم و الكامل للأحدب، و لخص براهينها و غيرها عن اصطلاح الحروف فيها إلى علل معنوية ظاهرة، هي سر الإشارة بالحروف و زبدتها. و هي كلها مستغلقة و إنما جاءه الاستغلاق من طريق البرهان ببيان علوم التعاليم لأن مسائلها و أعمالها واضحة كلها. و إذا قصد شرحها فإنما هو إعطاء العلل في تلك الأعمال. و في ذلك من العسر على الفهم ما لا يوجد في أعمال المسائل فتأمله. و الله يهدي بنوره من يشاء و هو القوي المتين. و من فروعه الجبر و المقابلة. و هي صناعة تستخرج بها العدد المجهول من قبل المعلوم المفروض إذا كان بينهما نسبة تقتضي ذلك. فاصطلحوا فيها على أن جعلوا للمجهولات مراتب من طريق التضعيف بالضرب. أولها العدد لأنه به يتعين المطلوب المجهول باستخراجه من نسبة المجهول إليه و ثانيها الشيء لأن كل مجهول فهو من جهة إبهامه شيء و هو أيضا جذر لما يلزم من تضعيفه في المرتبة الثانية و ثالثها المال و هو أمر مبهم و ما بعد ذلك فعلى نسبة الأس في المضروبين. ثم يقع العمل المفروض في المسألة فتخرج إلى معادلة بين مختلفين أو أكثر من هذه الأجناس فيقابلون بعضها ببعض و يجبرون ما فيها من الكسر حتى يصير صحيحا. و يحطون المراتب إلى أقل الأسوس إن أمكن حتى يصير إلى الثلاثة التي عليها مدار الجبر عندهم و هي العدد و الشيء و المال. فإن كانت المعادلة بين، واحد و واحد تعين فالمال و الجذر يزول إبهامه بمعادلة العدد و يتعين. و المال و إن عادل الجذور فيتعين بعدتها. و إن كانت المعادلة بين واحد و اثنين أخرجه العمل الهندسي من طريق تفصيل الضرب في الاثنين و هي مبهمة فيعنيها ذلك الضرب المفصل. و لا يمكن المعادلة بين اثنين و اثنين. و أكثر ما انتهت المعادلة بينهم إلى ست مسائل لأن المعادلة بين عدد و جذر و مال مفردة أو مركبة تجيء ستة. و أول من كتب في هذا الفن أبو عبد الله الخوارزمي و بعده أبو كامل شجاع بن أسلم، و جاء الناس على أثره فيه. و كتابه في مسائله الست من أحسن الكتب الموضوعة فيه. و شرحه كثير من أهل الأندلس فأجادوا و من أحسن شروحاته كتاب القرشي. و قد بلغنا أن بعض أئمة التعاليم من أهل المشرق أنهى المعاملات إلى أكثر من هذه الستة الأجناس، و بلغها إلى فوق العشرين و استخرج لها كلها أعمالا و أتبعه ببراهين هندسية. و الله يزيد في الخلق ما يشاء سبحانه و تعالى. و من فروعه أيضا العاملات. و هو تصريف الحساب في معاملات المدن في البياعات و المساحات و الزكوات و سائر ما يغرض فيه العدد من المعاملات يصرف في صناعتنا ذلك الحساب في المجهول و المعلوم و الكسر والصحيح و الجذور و غيرها. و الغرض من تكثير المسائل المفروضة فيها حصول المران و الدربة بتكرار العمل حتى ترسخ الملكة في صناعة الحساب. و لأهل الصناعة الحسابية من أهل الأندلس تآليف فيها متعددة من أشهرها معاملات الزهراوي و ابن السمح و أبي مسلم بن خلدون من تلميذ مسلمة المجريطي وأمثالهم. و من فروعه أيضا الفرائض. و هي صناعة حسابية في تصحيح السهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعددت و هلك بعض الوارثين و انكسرت سهامه على ورثته أو زادت الفروض عند اجتماعها و تزاحمها على المال كله أو كان في الفريضة إقرار و إنكار من بعض الورثة فتحتاج في ذلك كله إلى عمل يعين به سهام الفريضة من كم تصح و سهام الورثة من كل بطن مصححا حتى تكون حظوظ الوارثين من المال على نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة. فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير من صحيحه و كسرة و جذره و معلومه و مجهوله و ترتب على ترتيب أبواب الفرائض الفقهية و مسائلها. فتشتمل حينئذ هذه الصناعة على جزء من الفقه و هو أحكام الوراثة من الفروض و العول و الإقرار و الإنكار و الوصايا و التدبير و غير ذلك من مسائلها و على جزء من الحساب و هو تصحيح السهمان باعتبار الحكم الفقهي و هي من أجل العلوم. و قد يورد أهلها أحاديث نبوية تشهد بفضلها مثل الفرائض ثلث العلم و أنها أول ما يرفع من العلوم و غير ذلك. و عندي أن ظواهر تلك الأحاديث كلها إنما هي في الفرائض العينية كما تقدم لا فرائض الوراثات فإنها أقل من أن تكون في كميتها ثلث العلم. و أما الفرائض العينية فكثيرة و قد ألف الناس في هذا الفن قديما و حديثا و أوعبوا و من أحسن التآليف فيه على مذهب مالك رحمه الله كتاب ابن ثابت و مختصر القاضي أبي القاسم الحوفي و كتاب ابن المنمر و الجعدي و الصردي و غيرهم. لكن الفضل للحوفي فكتابه مقدم على جميعها. و قد شرحه من شيوخنا أبو عبد الله محمد بن سليمان الشطي كبير مشيخة فاس فأوضح و أوعب. و لإمام الحرمين فيها تآليف على مذهب الشافعي تشهد باتساع باعه في العلوم، و رسوخ قدمه، و كذا للحنفية والحنابلة. و مقامات الناس في العلوم مختلفة. و الله يهدي من يشاء بمنه و كرمه لا رب سواه.
رد مع اقتباس